من الطاعون إلى فيروس الكورونا، 7 أشياء يجب معرفتها عن تاريخ الأوبئة!

إن المستقبل غير مؤكد. وهذا على الأقل سبب وجيه ليكون الإنسان مهتماً بالماضي. وبما أنه لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، فإن الأوبئة ليست جديدة في مغامرة الإنسان. وحتى في أوقات الخطر -حتى ولو كان من دواعي سرور المرء أن يغذي عقله- فإنه من المجدي أن يثقف الإنسان فيه. الأوبئة تتعلق بتاريخ البشرية الحديث. فيما يلي بعض أبرز معالم و حلقات هذا التاريخ الطويل.

– هل الأوبئة قديمة قدم البشرية؟

على الأرجح لا. بل إن الأوبئة الأولى حديثة للغاية. وهي ترافق التغير الكبير في التاريخ البشري الذي حدث قبل نحو اثني عشر ألف عام في الشرق الأوسط، أي عشرة آلاف في الصين: ظهور الزراعة وتربية الحيوانات. خلال مئات الآلاف من السنين التي مضت، كان البشر صيادين وقاطفين، يعيشون في مجموعات صغيرة متنقلة، لا يلتقون -بدون شك – إلا نادرا ، الأمر الذي صعب انتقال الأمراض المعدية. بظهور  الزراعة -خاصة- و تربية الحيوانات، خلال ما يسمى “ثورة العصر الحجري الحديث” ، تغيرت قواعد اللعبة لسببين: أصبح البشر يعيشون في مجموعات متراصة ومستقرة أكثر فأكثر، في القرى والمدن، حيث يمكن أن تنتشر العدوى بسهولة (لارتفاع عدد السكان)، خاصة وأنهم في اتصال يومي مع الحيوانات ،التي تنقل الفيروسات الطافرة المسؤولة عن الأمراض الجديدة الرئيسية. أحدث مثال: ما حدث في ووهان في ديسمبر 2019.

2 – أشهر وباء هو الطاعون

مصر الفرعونية، اليونان القديمة، الصين والإمبراطورية الرومانية جميعها عانت من الطاعون عدة مرات، لكن أشهر وباء كان وباء منتصف القرن الرابع عشر الذي عرف بالطاعون العظيم. يفضل الألمان والإنجليز تسميته ب”الموت  الأسود”.

في عام 1346 ، حاصر مغول القبيلة الذهبية (واحدة من الإمبراطوريات، الناتجة عن فتوحات جنكيز خان) كافا (ثيودوسيا الحالية) ، وهي ميناء في شبه جزيرة القرم التي جعلها الجنويون (نسبة إلى مدينة جنوة الإيطالية)  مركزا تجاريا ، وكان في صفوفهم بعض المصابين بالطاعون. نقلت القوارض التي تمر تحت التحصينات المرض إلى الإيطاليين مما أضعف كلا الطرفين لدرجة أنهما وقعا هدنة. غادر الجنويون بالقوارب  حاملين معهم الوباء  إلى القسطنطينية، ثم انتشر في  (ميسينا) (مدينة إيطالية تقع في جزيرة صقلية) ، ووصل إلى (مارسيليا). حدث هذا بعد وقت طويل منذ اختفاء المرض بحيث لم يعد لدى السكان أي مناعة.

 في غضون ثلاث أو أربع سنوات، امتدت دائرة الموت بطريقة جهنمية: كل أوروبا، شمال إفريقيا، الشرق الأدنى والشرق الأوسط. كانت الحصيلة كارثية حيث اختفى ما بين ربع وثلث سكان أوروبا. عدد قليل من الجزر كانت بمنأى عنه لأسباب مجهولة (من بينها مدينة ميلانو الإيطالية). إحدى النتائج البغيضة لتلك الآفة: انتشار ممارسة العنف بحق اليهود الذين اتهموا  بالتسبب في هذه الكارثة عن طريق تسميم الآبار. في مملكة فرنسا، في وادي الراين، قتل اليهود في مذابح على نطاق واسع، بموافقة السلطات. فقط البابا، سعى لتهدئة الأمور بحجة منطقية للغاية: لماذا يتهم اليهود بنشر شر يموتون فيه أيضًا؟

في وقت لاحق، ظهر الطاعون مرة أخرى على فترات منتظمة في أوروبا، كل عشر أو خمس عشرة سنة، ولكنه بشكل عام كان يقتصر على منطقة أو مدينة واحدة. كان من الممكن أن يكون شديد الضراوة. قتل الطاعون العظيم في (لندن) عام 1665 واحدًا من كل خمسة.

3 – ما هو “جدار الطاعون”؟

في عام 1720، وصل قارب محمّل بالحرير والأقمشة الشرقية الثمينة الأخرى الموجهة إلى معرض (باوكير) في (مارسيليا). كانت الأنسجة مليئة بالبراغيث الملوثة. الشر في الميناء، خلال مدة شهر إلى شهرين، انتشر في منطقة (بروفانس) بالكامل. أخدت السلطات الملكية الأمور على محمل الجد وتم وضع المنطقة كاملة تحت الحجر الصحي. وضع الجنود حواجز الطرق وأطلقوا النار على أي شخص يحاول عبورها. تم رمي الطرود من بعيد إلى الأشخاص التعساء الذين لم يسمح لهم بالمغادرة.

لحماية منطقة (كومتات فينيسين) (Comtat Venaissin) التابعة إلى البابا آنذاك، أمرت السلطات البابوية ببناء جدار طويل من الحجارة الجافة على بعد 36 كيلومتراً، مشيدة في جبال (فوكلوز)، تتخلله أكشاك، ومحطات حراسة، وتحرسه دوريات دون توقف. كما يمكن للمرء أن يرى آثارًا لها في الريف الجميل في مدينة (لوبيرون) (Lubéron)، حتى أننا نجد ممراً للمشي لمسافات طويلة يتبع الطريق. إن أولئك الذين ستسنح لهم الفرصة لقطعه في غضون بضعة أشهر، بمجرد انتهاء كابوسنا الحالي، سوف ينظرون إليه بعين عاطفية  للغاية.

4- أكبر كارثة صحية في التاريخ كانت “الصدمة الميكروبية” مابعد (كولومبوس)!

إن سكان أمريكا الأصليين، الذين عُزلوا لآلاف السنين في قارتهم الواسعة، لم يكونوا على اتصال بمختلف الفيروسات والبكتيريا التي أصابت العالم القديم منذ فجر الزمن.الإسبان، الذين رسوا مع (كولومبوس) في عام 1492، قدموا لهم هدية، دون أن يعرفوا ذلك. تشير التقديرات اليوم إلى أن السلاح القاتل الذي سمح للغازيين (كورتيز) و(بيزارو) بإسقاط إمبراطوريتي (الأزتيك) و(الإنكا) كان هذا السلاح البكتريولوجي، أوبئة الجدري والحصبة التي أرعبت السكان وقذفتهم على نطاق واسع. تم إخلاء بعض جزر (الأنتيل) – التي وصل الأوروبيون أولا- بالكامل من السكان الأصليين خلال عشرين عامًا. تناقص عدد السكان الأصليين في بقية القارة الأمريكية -حسب تقديرات عديدة- بنسبة تسعين بالمئة.

هل ينظر إلى هذا على أنه انتقام من الآلهة القديمة؟ استورد الإسبانيون آلاف الأوبئة عبر المحيط الأطلسي. وعادوا مع مرض الزهري الذي انتشر في أوروبا في بداية القرن السادس عشر.

هل تعلم واحدا من أخطاء الماضي؟ ما حدث في أمريكا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، استنسخ بنفس الطريقة في نهاية القرن الثامن عشر، عندما اكتشفت بحارة غربيون بالصدفة جزر أوقيانوسيا الواحدة تلو الأخرى (بوغانفيل) فـ(كوك) … اعتقدوا أنهم وجدوا جنة “السافانا الجيدة”، في تاهيتي أو في أماكن أخرى في المحيط الهادئ. وبعد مرور بضع سنوات على مرورهم الأول، لم تعد هذه الأراضي سوى خراب.

5- الكوليرا وباء آخر أصاب أوروبا في القرن التاسع عشر

إن الكوليرا مرض قديم للغاية، وهو ناتج عن جرثوم -بكتيريا-  “ضمة الكوليرا” (باللاتينية: Vibrio cholerae)، والتي تنتقل عبر الأيدي المتسخة إلى الإفرازات ويتسبب في إسهال عنيف، وهو ما قد يؤدي إلى الوفاة بسبب الجفاف في غضون بضع ساعات. قد يكون موطنه الأصلي سهل الغانج  الواقع في شبه القارة الهندية، أين يتم رمي الرماد البشري في نهر الغانج المقدس (ممارسة دينية هندوسية). لقد انتشر هذا المرض في مختلف أنحاء العالم في القرن التاسع عشر، بعد أن ظل محصوراً في آسيا لقرون من الزمان، بسبب العولمة، التجارة العالمية، السفن، والسكك الحديدية. لقد تتابعت سبع جوائح أخرى من أوائل القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين  على العالم (أثرت الأخيرة على آسيا،الشرق الأوسط، إفريقيا، أمريكا اللاتينية وأوروبا). في الجائحة الثانية، في عام 1832، تضررت (لندن) و(باريس) بشدة. فقد مات ما يقارب عشرين ألفا من سكان باريس، من بينهم: (كاتسيمير بيير بيرير) رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك.

 6- لماذا تسمى إنفلونزا عام 1918 “الإنفلونزا الاسبانية”؟

سمع الجميع عن وباء الأنفلونزا الذي يعود إلى قرن من الزمان (1918-1919)، والذي حصد أرواح ما يتراوح من عشرين إلى خمسين مليون إنسان، وربما حيوات أخرى كثيرة. ومن المعروف أيضاً أنها انطلقت من الولايات المتحدة، قبل أن تنتشر في أوروبا. لماذا إذن تعرف تحت مسمى «الإسبانية»؟ يرجع هذا ببساطة إلى أن إسبانيا -التي حافظت دائما على موقف محايد في الصراع العالمي ولاتزال تتبع نفس الاستراتيجية لحد الآن حين يحتدم الصراع- هي الدولة الوحيدة التي تحدثت صحفها علناً عن المرض. أما الآخرون، على كلا جانبي الجبهة، فمنعت صحفهم من القيام بذلك حتى لا يعطوا العدو معلومات عن ضعف محتمل للقوات. كل العناوين الفرنسية، الإنجليزية، والألمانية… تشير ببساطة إلى هذا المرض الغريب، الإستوائي والبعيد بالتظاهر زوراً بأن بلدانهم بمنأى عنه.

7 – من أين يأتي اسم اللقاح؟

منذ زمن بعيد، أدرك الصينيون مبدأ الحصانة، وخاصة في مواجهة الجدري: إذا أصيب به الشخص مرة، فلن يصاب به من جديد، مرة أخرى. وهكذا ولدت فكرة أنه بالنجاح في نقل شكل ضعيف من أشكال المرض إلى فرد ما، فإنه يحميه لبقية حياته منه. وقد انتقلت  طريقة التطعيم إلى الإمبراطورية العثمانية، ووصلت إلى أوروبا في القرن الثامن عشر. إنها طريقة  محفوفة بالمخاطر، لأننا لا نضمن أبداً عدم نقل الشكل الخطير من المرض إلى الإنسان. إلى أن وجد الطبيب الإنجليزي (إدوارد جينر) (1749-1823) المخرج. وجد أن المزارعين لا يصابون بالجدري أبداً،  ولاحظ أن أيديهم  مغطاة ب ندوب ناتجة  عن مرض الوقس (مرض جدري البقر: نوع من أنواع الجدري، من نفس عائلة مرض الجدري البشري، يصيب البقر، وهو مرض غير قاتل للإنسان يصيبه بالحمى لأيام فقط). وبهذه الطريقة، تم تطوير أول لقاح في نهاية القرن الثامن عشر. إن الحيوانات تلوّثنا. كما أنها تنقذنا.

المقال الأصلي: هنا

تدقيق لغوي: ريشان سارة

الصورة الافتراضية
Sarah Kebouche
Engineering and Information Technology student interested by professional development and creativity social psycholology and humanity
المقالات: 26

اترك ردّاً