إدوارد هوبر، فنان التباعد الاجتماعي.

يأسر هذا الرسام الأمريكي الوحدة والغربة التي تزرعها الحياة المعاصرة فينا، وذلك عن طريق تصويره مناظر المدن القاحلة والشخصيات المعزولة. ولكن هذا الوباء أعطى أعماله دلالة مرعبة لم تكن في الحسبان.

فمن منا لم يتأثر بصور الناس الواقفين على أعتاب منازلهم وهم يصفقون للعاملين في مجال الصحة البارحة؟ لقد ملأت هذه الصور شاشات التلفاز والمواقع الإخبارية، مظهرة صورة رقيقة من التكافل والتضامن في هذه الأجواء من العزلة الإجبارية -جميعنا وحيدون ولكننا متوحدين. ولكن هناك العديد من الصور الأقل طمأنة بكثير تدور في مواقع التواصل الاجتماعي، فبعض الناس يقولون أننا أصبحنا نعيش داخل لوحات إدوارد هوبر. وليس مهما أي واحدة بالضبط هي.

أعتقد أن مرّد ذلك هو أننا متباعدين عن بعضنا البعض، جالسين أمام نوافذنا ننظر بنوع من الوحدة إلى هذه المدن الفارغة بشكل غريب، تماماً كالمرأة الجاثمة على فراشها في شمس الصباح، أو الأخرى التي تنظر خارج النافذة في لوحة Cape Cod Morning.

وفقاً للمقاطع المركبة في تطبيق واتساب – WhatsApp، “لقد أصبحنا عبارة عن لوحات إدوارد هوبر الآن“: امرأة وحيدة في سينما مهجورة، رجل محروم من رؤية أحبائه داخل شقته العصرية، عامل متجرٍ وحيد ومجموعة من الناس يجلسون للعشاء متباعدين حول طاولة لشخص واحد. فكما هو الحال مع الميمز، ليس من الواضح إن كانت هذه تعليقات جادة أم مجرد نكت عفوية مع نوع من الشفقة على الذات.

حسناً لنأخذ الموضوع بشكل جدي.  فلو كنا حقاً عبارة عن لوحات إدوارد هوبر الآن،  فهناك أزمة وحدة وقد تكون هذه الأزمة واحدة من أكبر الآثار الاجتماعية لفيروس كوفيد-19. ففقدان التواصل البشري الذي تعودنا عليه قد يحمل عواقب وخيمة. فهذا، في أسوأ الحالات، هو ما يرينا إياه إدوارد هوبر. فهذا الرسام المولود في نيويورك في 1882 جعل من الوحدة عمل حياته.  ففي عشرينيات القرن الماضي، بينما كان ف. سكوت فيتزجيرلد  يؤرخ لعرابيد الحفلات في عصر الجاز، كان هو يرسم أشخاصا يبدون كما لو أنهم لم يُدعَو إلى حفلة واحدة في حياتهم.

إن الحياة المعاصرة عدائية وبشكل متطرّف جداً بالنسبة لهاربر. فليس هناك حاجة للوباء لكي يعزل أرواح شخصياته المسكينة. نوافذ زجاجية صلدة وباردة، مباني حضرية شاهقة حيث يعيش الجميع في شِقَق منعزلة ومكتفين بذاتهم، محطات غاز في وسط المجهول -إن نسيج المدن العصرية والمناطق الواسعة بالنسبة له عبارة عن آلة تولد وتنتج الوحدة. ولا تجد شخصياته أي شيء لكي يقوموا به في عزلتهم هذه مع أنفسهم.

ففي الفن الذي سبقه، كانت الوحدة لها فوائدها. ففي لوحة معنونة بالقديس جيروم في مكتبه – Saint Jerome in His Study، نجد ناسكاً مثقفاً يبدو مرتاحاً في مكتبه ذي التصميم الجميل مع كتبه، منضدته الرائعة – وحيوانه الأليف، الأسد. على الجانب الآخر، فالرومانسي الذي يخرج في جولة على الأقدام في لوحة كاسبر دايفيد فريدريك  المتجول فوق بحر الضباب – The Wanderer Above the Sea of Fog يسعى للحصول على العزلة الفخمة لكي يستطيع أن يتشرّب سمو الطبيعة من دون أن يتم إزعاجه من قبل البشر. أنه وبشكل هائل راضٍ عن نفسه.

لكن الصور التي يتم مشاركتها اليوم ليست صور الانعزال الاختياري. إنها ومن دون مبالغة -كوابيس ومخاوف هوبر. كان ألفريد هيتشكوك أحد أكبر معجبي هوبر، والذي اقتبس شكل بيت عائلة بيتس الشهيرة في فلم سايكوPsycho من إحدى لوحات هوبر لبيت قديم وغريب ومهجور على جانب الطريق العام.

جميعنا نرغب بأن نتحدّى نظرة هوبر المروعة للغربة، والفرد المعزل وبدلاً من ذلك ننجو سوية كمجتمع واحد. ولكن، وبشكل مثير للسخرية، فإن علينا القيام بذلك عن طريق البقاء بعيدين عن بعضنا البعض، وقد يبدو أنه من الخسة والقسوة- الدعاية الفارغة لمواجهة هذا الفيروس- الإدعاء  بأن الجميع سالمون في منازلهم.

إن الرسالة التي يحاول هوبر إيصالها هي أن الحياة العصرية يمكنها أن تكون وحيدة جداً. أنّ شخصياته معزولون عن الآخرين في العشاء أو المطعم بالضبط كما لو أنهم جالسون على نوافذ شققهم. وفي هذا الشيء فهو فنان معاصر نموذجي. لقد أرانا إدفارت مونك – Edvard Munch  بالفعل في كوابيسه الليلية في شارع كارل يوهان أن الازدحامات  قد تكون أماكن وحيدة جدا للشخص لكي يكون فيها.

اليوم، نحن ببساطة أفضل في إخفاء العزلة التي ظن هؤلاء الفنانين أنها تُعرف الوضع المعاصر. ففي الأوقات العادية، أيضاً نجلس وحيدين في المقاهي، ما عدا أننا الآن نملك هواتف لتساعدنا بالشعور بأننا اجتماعيون. في الواقع فإن العصرنة ترمي عدداً كبيراً من الناس نحو نمط حياة المدينة الذي يقطع بشكل تام أشكال العشرة والتآلف الذي كان في الماضي شيئاً طبيعياً.

ففي أوقات ما قبل الثورة الصناعية، ترينا مناظر بروجل- Bruegel للحياة القروية عالماً حيث كان من المستحيل من الناحية التقنية للشخص أن يكون وحيداً. إن التجمعات المزدحمة والكرنفالات هي كابوس لأي شخص يمارس التباعد الاجتماعي. نظرة إلى لوحات بروجل ويمكنك أن ترى لم كان الناس في بريطانيا مترددين جداً في التخلي عن حاناتهم -إنها الملاذ الأخير للماضي البروجلي.

نحن نختار العزلة المعاصرة لأننا نريد أن نكون أحراراً. ولكن الآن فن هوبر يطرح سؤالاً صعباً: إذا ما تم إزالة الحرية من الحياة المعاصرة، هل كل ما يبقى لنا هو العزلة؟

المصدر.

تدقيق لغوي: عمر دريوش.

Author

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
مترجم مبتدئ مهتم بالفلسفة والأدب
المقالات: 6

اترك ردّاً