مراجعة لمسرحية طرطوف لمولير

عن الكاتب:

هو خُون بَابتِيسْت بُوكْلَان ( Jean-Baptiste Poquelin) المُلقب مُولْيير (Molière)، ولد بباريس في الخمس عشر من جانفي 1622، وتوفي بها في السابع عشر من فبراير 1673. ممثل ومؤلف كوميدي مسرحي، وشاعر فرنسي، يُعد أحد أهم أساتذة الهزليات في تاريخ الفن المسرحي الأوروبي ومُؤَسِسُ “الكوميديا الراقية”. مثّل حوالي 95 مسرحية 31 منها من تأليفه، وامتاز ببراعته الفائقة في تصوير شخصياته وإظهار مكنونات النفوس، وقدرته الفذة على تكوين المواقف وإضحاك المشاهد. من أشهر مسرحياته: “مدرسة الأزواج 1661م”، “مدرسة الزوجات 1662م”، “طبيب رغم أنفه 1666م”، “البخيل 1668م”، “عدو البشر 1670م”، “النساء المتعالمات 1672م”، “المريض بالوهم 1673م”.
يعتبر مولير من حجارة الزاوية في المسرح الفرنسي ومن أهم المساهمين في طوير المسرح في أوروبا والعالم.

عن الكتاب:

العنوان: طرطوف.
التصنيف: مسرحية.
الكاتب: خُون بَابتِيسْت بُوكْلَان (مولير).
تاريخ الصدور الأول: 1664 باريس فرنسا.
اللغة الأصلية: الفرنسية.
اللغة المقروء بها: ترجمة عربية.
ترجمة وتحقيق: يوسف رضا.
الناشر: الشركة العالمية للكتاب، سلسلة: روائع المسرح الفرنسي الكلاسيكي.
الطبعة وتاريخ النشر: ط1، 1 جانفي 1991
عدد الصفحات: 197صفحة.
صيغة المقروء: إلكتروني (pdf).

مراجعة الكتاب:

طرطوف مسرحية من سبعة فصول، للكاتب الفرنسي “جُون بَابتِيسْت بُوكْلَان” المُلقب بـ”مُولْيير” صدرت سنة 1664 بباريس، فأثارت حفيظة رجال الدين على كاتبها حتى طالبوا بحرقه، واضطربت لها الكنيسة حتى رمت مولير بالكفر والهرطقة، وحاولت منع تمثيلها لو لا أن أسدل لويس الرابع عشر¹ ملك فرنسا حينها حمايته على كاتبها، وسمح بتمثيلها ولم تنجح مساعي الكنيسة إلى منعها إلا بعد وفاة لويس الرابع عشر سنة 1715م. إذ كانت ثورة الكنيسة على المسرحية مازالت قائمة حتى بعد مرور أكثر من خمسين سنة على تمثيلها الأول، لما حملته مسرحية الملهاة هذه من النبرة الساخرة برجال الدين ووجهته من النقد اللاذع للكنيسة الكاثوليكية، وما يسودها من نفاق يتسم به القساوسة، معلنة بذلك ثورة “جُون بَابتِيسْت بُوكْلَان” على المجتمع الكنسي الذي كان يسود أوروبا، حيث كانت الكنيسة تمتلك سلطة مطلقة على رعاياها وكان البابا حسب المذهب الكاثوليكي – ومازال طبعا – يعتبر الوسيط بين البشر والرب.

يصور لنا الكاتب “جُون بَابتِيسْت بُوكْلَان” من خلال هذه المسرحية وفي رمزية ساخرة وكوميديا مضحكة -وشر البلية ما يضحك- الفساد الكهنوتي واستغلال القساوسة للدين وما يزعمونه من وساطتهم بين الله والعباد، في توسيع نفوذهم وجمع الثروات والتحكم في رقاب المسيحيين، فكان القوم يتظاهرون علنا بأنهم حماة الدين والإيمان والعقيدة الكاثوليكية، ويستبيحون سراً كل محرم في المسيحية لأجل مصالحهم. فإذا اطلعت عين أو تحدث لسان عن خائنة أيديهم وأبصارهم ابتدعوا لشرورهم مَصْرَفاً شرعيا يظهرها على أنها خدمة للمسيحية لم تبلغ العقول القاصرة لسابلة الناس فهم أفضالها، وإقامة لشريعة عيسى لا تدرك استقامتها الأبصار الزائغة من العامة، فبقدر ما كان القوم متشددين صارمين مع زلل العامة، كانوا رحماء متساهلين في ما تتعمده قلوبهم المنافقة وجوارحهم الآثمة من شرور أنفسهم.

ولو نظرت بعين العقل وحيدت ما ألفت من التصديق الأعمى وطلقت ما تعودته من الطمأنينة الساذجة لأولئك الذين نسميهم علماء ومشايخ وأئمة ورهبان وقساوسة وأحبار وحاخامات ومعلمين ونساك وبوذوات و… واذكر بعد ذلك ما شئت وخطر لك من واوات الألقاب، أقول: لو نظرت بعين العقل إلى أحداث اليوم الحاضرة وأخبار الأمس الغابرة، فما أكثر ما تجد في المجتمعات الدينية في الغرب والشرق، ومن العرب والعجم من أمثال هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم سدنة على شريعة الرب، ولسانا لكلمته وحراسًا على ما استحفظ في الأرض من حكمته، فإذا ركن الناس إلى قولهم وصدقوا ظاهر تقواهم انقلبوا إلى أفاعي تقبض على عنق الدين فتلويه، وتلتف حول صدور معتنقيه فتخنقهم، فكل ما هو حرام على المسيحي العادي يجدون طريقة يستحلونه بها لأنفسهم، بما في ذلك الغش والخداع والزنا وسائر الخطايا السبع التي يصفها الكتاب المقدس، فكتب مولير مسرحية طرطوف منتقداً لهذا الواقع منتصراً لدولة مدنية يحكمها القانون العادل الواضح المعلن في الناس المشاع بين العامة، رافضا لدولة الدين التي تحكمها شهوات تلك الشياطين المتطيبة ببخور الكنائس. أو المغتسلة بماء المساجد أو المتوجة بكيبا² المعابد.

طرطوف ملهاة تجري أحداث مشاهدها الثلاثون والموزعة على سبعة فصول، في منزل عائلة أوركون، رب المنزل وصاحب الأملاك الذي يوقع به المتدين المنافق “طرطوف” فيسلبه بغشه وتقواه الزائفة كل ما يملك حتى منزله، ويشي به للأمير كي يسجنه، ولا يدرك أوركون رغم كل جهود العائلة حقيقة نفاق طرطوف إلا بعد أن تكون فأس النفاق والخديعة والتقوى الزائفة، قد وقعت في رأس الحمق والسفاهة والإيمان الساذج.

لقد مثّل مولير من خلال كل شخصية من شخصياتها الإحدى عشر شريحة من شرائح المجتمع الإنساني، كاشفا اللثام عن وجه النفاق الديني، وموجها صفعة قوية لأولئك السُذَجِ الذين يرون كل طيلس³ يسير على الأرض بأنه سترا مسدل عن أنوار الرب، وأن كل رأس معمم هو وعاء حكمة الرب، وكل فم يغترف كلماته من صدر يرتخي عليه صليب أو لحية أو تزينه شارة النجمة السداسية، وإن كان ينطق بالكذب والتزوير إنما ينطق بمشيئة تلك القوة الصادقة المنصفة، وأن كل يد تقضي في الناس من فوق المذبح أو المنبر إنما تقضي وإن قضت بالبطر والظلم، بحكم تلك القوة الرحيمة العادلة.

إننا لا يجب أن نقرأ مسرحية طرطوف محبوسة في حدود زمن كتابتها أي خلال القرن السابع عشر، ولا أن نقرأها رهينة سياقها الاجتماعي الذي هو فرنسا وأروبا في ذلك الزمن، ولا أن نقف عندها على أنها لا يمكن أن تجسد إلا مظاهر الفساد في كنائس المسيح، لأنها وإن كانت قد كتبت في القرن السابع عشر في فرنسا لتجسد فساد الكنيسة ونفاق رجال الكنيسة، فإن مشاهدها مازالت تقع وتحدث طوال تاريخ المجتمعات البشرية وحتى اليوم في الواقع المعاش لمختلف المجتمعات الشرقية والغربية، وفي مختلف الديانات السماوية المنزلة والأرضية المبتدعة.

كما لا يجب أن نقرأ مسرحية طرطوف على أن ما تتمثله من ممارسات وتصوره من نفاق، وتكشفه من قفز على القيم المرسومة والفضيلة المزعومة حكر على المؤسسة الدينية وحدها، لأنها وإن كان كاتبها قد كتب في هذا الاطار ولتلك الغاية فالحقيقة تقول أن هذه الممارسات تتكرر بشكل يومي وتتجسد بشكل مستمر في مختلف مؤسساتنا الدينية والاجتماعية والسياسية، وإن كانت التوجهات الدينية هي التي رسمت وجه الأمس وكتبت قيمه، فإن التوجهات السياسية والاجتماعية هي التي تكتب قيم اليوم وترسم وجهه.

والحق أقول إن الأطماع الفردية والأهواء الشخصية لم تزل تقفز فوق قيم اليوم وتشوه وجهه فتكتبه وترسمه كما لم يرد له علماء السياسة والاجتماع، تماماً كما كما قفزت فوق قيم الأمس وشوهته لتكتبه كما لم يرد له رسل الأديان السماوية، وواضعوا الأديان الأرضية. لأتفق بهذا تماما مع قول “إبراهيم العريس”⁴: (ومن البديهي هنا القول إنَّ طرطوف كما صاغه موليير، منذ ما يزيد على ثلاثة قرون من السنين، هو من الحيوية والصدقية ما يجعله دائماً يبدو وكأنه طالع من أي مجتمع كان، في الماضي والحاضر… وهذا ما جعل لكل شعب ولكل ثقافة «طرطوفهما»)

إذ مازال وسيبقى أهل الإنسانية ينظرون للقيم ويصوغونها، وأهل الأهواء يزيفونها وستغلونها، وبين ذا وذاك يبقى واجب الأدب والفن كشف مواطن تدليس هؤلاء فيها، وتنبيهنا إلى مواضع غفلة أولٰئك منها، ومهما طال الزمن سيبقى المسرح يسخر والمشاهد يضحك والجمعيات والجماعات تثور، ويبقى الأدب يكشف ويفضح ليحفظ أمانة الانسانية ويحمي قيمة العدالة الاجتماعية.

بقلم: عبد المالك دزيري

هامش:

¹لويس الرابع عشر: Louis XIV: ملك فرنسا منذ 1643 إلى 1715، إعتلى العرش الفرنسي وهو في الخامسة من عمره، لقب بملك الشمس بسبب اهتمامه بالأدب والفن توفي الفاتح من سبتمبر 1715 بالقصر الذي بناه (قصر فيرسا) بمدينة فيرساي الفرنسية ودفن هناك.
² كيبا: الاسم العبري للطاقية اليهودية.
³ طيلس: أثواب ومسوح الرهبان.
⁴ إبراهيم العريس: ناقد سنمائي ،باحث في التاريخ الثقافي، مترجم وصحفي لبناني من مواليد 1946، يشغل حاليا منصب رئيس القسم السنمائي بجريدة الحياة.
* إبراهيم العريس، مق: طرطوف مولير (المسرح يسخر والملك يضحك والجمعيات تمنع)، نش: محمد بكري، مو: الثقافة واللغة العربية، تر: الثلاثاء 23 أفريل 2013، ن ع: جريدة الحياة، عدد: الثلاثاء 18 سبتمبر 2012، لبنان.

الصورة الافتراضية
Abdelmalek DZIRI
المقالات: 0

اترك ردّاً