الدَين البيئي والمسؤولية.

يعتبر [سلّم] اللاكفاءة اللاواعية، اللاكفاءة الواعية، الكفاءة الواعية والكفاءة اللاواعية (1)، غالبا الطريق الملكي لبلوغ الاتقان. ما يندر ذكره بعد ذلك، هو أنَّه عملية تكرارية. لا تنتهي أبدا. كلما أصبحت مجاهيل معلومة، كلما أصبحنا نعي المزيد من مجاهيل مجهولة. الأمر أشبه بتأثير دانينغ كروغر (2) كبير، يعكس النسخة المكثفة للفرقة الموسيقية (إيفيز أوبيرايشن – Evy’s Operation) من عبارة سقراط “كل الذي أعرفه هو أني لا أعرف شيئا“، نحن على الأغلب، لا نعرف إذا ما كنا نخدش السطح ونبالغ في تقدير معرفتنا أم أننا حققنا مستوى ما من الدراية. أيا كان، ففي عمليات التكرار، عندما نتعمق في ما نتقنه، نبدأ مجددا في مبالغة ثقتنا في النفس بكل سذاجة.

يصف الرأسماليون غالبا عدة أنواع من الثروة (رأس المال): البشرية، الطبيعية، المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية. المثير للاهتمام هو أن واحدة من خدع تزاوج النظريات الاقتصادية مع الحماسة المفرطة لقياس الكم هي مُعادَلة عدّة أنواع من الثروة، على الرغم من اختلافها. يلعب النفعيون أيضا لعبة رياضياتية مشابهة، يحبّون أن يقدّروا المعاناة بوحدات قياس، يمكن أو يجب محو خمس وحدات للمعاناة هنا لحساب وحدتين من المعاناة هناك. الذي يتشارك فيه هذين النموذجين هو فكرة “التبادل”، بأخذ أوضاع مأساوية دامية واختزالها في أوراق دفاتر. كل ذلك جيد وحسن رياضيا، ولكن ليس جيدا كفاية للوفاء تجاه الواقع.

إحدى مشكلاتنا الرئيسية مع جنة الاختزاليين هي أنها تفترض إمكانية عكسها. إذا قمنا “بتحويل” الكثير من رأس المال الطبيعي أو الإيكولوجي، على سبيل المثال، إلى رأس مال اقتصادي، فيمكننا دائما الاعتراف بخطئنا بكل عقلانية والتراجع عنه، [بعدها] نستثمر في الحفاظ على الغابات، وزراعة أشجار جديدة، والدفع للآخرين حتى لا يقوموا بأشياء غير بيئية قد يفعلونها لولا ذلك.

بالطبع، معضلة (ماذا لو قيمة العملة مثل -الدولار أو البيتكوين- تنخفض؟) تُظهِر علامات عدم ثبات رأس المال، لا توجد ضمانات. ونَقل الثروة من مجال ما إلى آخر كان لديه دائما تكاليف تحويل (كبيرة وغير محسوبة بشكل كبير).
ولكن مشكلة أخرى تظهر: الإطار المحدد لرأس المال، كما يوضحه دايفيد غريبر ببلاغة، ينبثق من ظاهرة الدَين. في سيميائيات ت.س بيرس، رأس المال، يقبع مع معنى esse in futuro [يعني = في المستقبل]. تسديد الدين الموعود للثروة المحولة يحدث دائما في تاريخ لاحق. إنها التسوية اللاحقة (الأبدية) التي تُوازن معادلة الاقتصاد.

فقط إذا ارتفعت قيمة البيتكوين يمكن أن تجعل أمر إنفاق كميات باهظة من الطاقة لإنتاجه له معنى، غير ذلك، فإن تلك الطاقة ذهبت هباءً. فقط إذا تبين أن خصوصيات إله متخيّل صحيحة، سيكون استهلاك هبة الإله [الطاقة] -بشكل لا رجعة فيه- له معنى، غير ذلك نكون مثل دون كيشوت، نبارز طواحين الهواء.

الأداتية (3) موجودة كدلالة عائمة، موجهة نحو لا شيء نهائي باستثناء مشروع مؤقت معلّق مثل جزرة على عصى قبالة الحمار المثقل بنوع “ثق بي” من خطط الأعمال. يكفي أن يجهض حديث المصعد، ويخسر الجميع استثمارهم. إذا كانت هناك طريقة ما لاحتواء خسائر مثل هذه المقامرة لاقتصاد رأس المال، من غير تداعيات على مجالات أخرى -سيكون ذلك عادلا جدا. ولكن موضوع صياغة الحياة كأشكال مجزأة من الثروة/رأس المال هو بحد ذاته الجاني في خطة الاحتيال هذه.

التعويض المستقبلي للإيديولوجيا لا يأتي أبدا. الأمور لا تسير مثلما ظننا أنها قد تفعل، حتى عندما تفعل ذلك. وكذلك بدل النواح على غبائنا، القيام بنوع من نسيكة (بيئيية) تكفيرية، ونطبق النباهة (مثلما تفعل شخصية سينكلير لويس في Babbitt)، سقوط مضاعف، نغلق على أنفسنا ونختم عليها في سرد لحكاية منيعة ضد النقد، ملازمة أو خارجية. يد الواحد تكون مجبرة أن تعترف بالخطأ وتعيد التوازن أو تحفر أعمق إلى تفسيرٍ ملتوٍ للشك ضد الواقع كما يظهر، أين كل شيء يُمتَص في ثقب أسود عقلانية التمثيلات المثبتة للنفس. عندما يخرق الواقع قناعاتنا ونختار أن نلتزم بالنموذج الذي اخترناه بدل تقبّل الواقع، الواقع يصبح المعتدي على حصن عالمنا، والتبعيات الباقية تحول إلى تهديدات إيديولوجية، هذه هي الحلقات المفرغة للإنكار.

مثل مدمني القمار العنيدين الذين خسروا كل شيء ولكن لا يستطيعون الإقلاع، العالم الغربي متأصّل بِرَهن حتى أندر ما يكون من إرث العائلات فقط لخوض اللعبة. عن قريب سنضحي بأول مولود، نرهن أفراد عائلتنا، نبيع أنفسنا للعبودية، مقابل ماذا؟

الإيديولوجية هي مجموعة قذرة من العادات للتحطيم. لأنه يصبح من السهل أن يكون العلاج أسوأ من المرض. التأثيرات الناتجة عن علاج “الاستدامة”، العصرنة البيئية، أو أي علاج لإنقاذ الرأسمالية من نفسها، قام بالتحديد مثلما توقع أنغلوفر بلودورن منذ عدة عقود: أحضر لنا سياسات ما بعد بيئية للحفاظ ليس على الطبيعة أو النظام البيئي أو التنوع الحيوي فحسب، ولكن الإيديولوجية غير المستدامة لرأس المال.

الهندسة الجيولوجية، غرس الأشجار باستعمال طائرة بدون طيار، وبقية مقاربة ديوس إكس ماكينا (4) لمعادلة رأس المال التي تحاول قلب الثروة المالية إلى ثروة طبيعية، تورطت [المقاربة] في تعقيدات النظام البيئي وحلقات التوازن. تَبنّي ديانة الرأسمالية عبر فهم المعنى الحقيقي للمال كمصدر للتوافق والتوازن اللانهائي يتطلّب من البشر إنجاز عكسية الزمن.

دان برن في أغنيته الخالدة “الله قال لا” يذكرنا بمكاننا ويبلغنا أن دَينَنا لانهائي، بسبب حقيقة بسيطة هي أن بعض التصورات لا تُحقق نفسها مهما كان الأفق الزمني.

الله قال دان
الوقت ينتمي إلي
الوقت هو سلاحي السري
ميزة أخيرة

إستدار الله مبتعدا
على حافة البلدة
كان يعلم، كنت مهزوما
و”الآن” كان كل ما أملك

الله قال لا.

كلّ نَفَسٍ من حياتنا، بعد أن نتعلم الاهتمام بأنفسنا، هو -شئنا أم أبينا- مخصص لإعادة تسديد دَين كل الأشخاص، الأشياء، الحيوانات، والعناصر التي عاشت معاناة أو تم التضحية بها من أجلنا لكي نكون موجودين. يمكن لنا الأخذ بمسؤوليتنا بوعي وضمير حي، أو لا. و لكنها دائما موجودة، متطلبة الدفع في المستقبل، أن يبقى مستمرا -وهو غير اختياري-.

المقال الأصلي

هوامش:
(1) سلم التعلّم، في علم النفس، يربط الحالة النفسية أثناء التطور من مرحلة اللاكفاءة إلى مرحلة الكفاءة في اكتساب مهارة. رسم توضيحي من هنا
(2) في علم النفس، انحياز معرفي يتجلى في مبالغة أشخاص غير مؤهلين في تقدير مهاراتهم.
(3) أو الذرائعية، في العقل الأداتي، فلسفة تقول بأن المفاهيم والقوانين العلمية والنظريات هي مجرد أدوات أو وسائل أو مفاتيح إلى الموقف، أي «خطط عمل».
(4) عبارة لاتينية تشير للمدد الغيبي الذي ينقذ الحالات الميؤوس منها.

ترجمة: إحسان معزوز وعمر دريوش.
تدقيق لغوي: حفصة بوزكري.

الصورة الافتراضية
إحسان معزوز
المقالات: 13

اترك ردّاً