وباء كورونا يعلم مجتمعنا درسا قويا.

هل تعلم ماذا علّمنا وباء كورونا؟ بيّن لنا هذا الفيروس أن مستقبل الإنسانية بيد الأطباء، الممرضين، العلماء، التقنيين وعمال المجتمع وليس في يد لاعبي كرة القدم المشاهير أو السياسيين. إذاً أظن أنه حان الوقت كي نستدرك قيمنا كمجتمع.

إن وباء كورونا ينتشر بشكل مخيف بحيث يسجل كل يوم عشرات الآلاف من الحالات الجديدة وعدد متزايد من الوفيات عبر العالم.

لحد الآن، ليس لدينا القدر الكافي من المعلومات حول هذا الفيروس. لكن من الواضح أن لا أحد في أمان، إذ أن فيروس كورونا لا يفرق بين أحد فيما يتعلق بعمره، جنسه أو حالته الاجتماعية، وحتى الشبان والأشخاص الأصحّاء. فمن المحتمل أن يصابوا بأعراض خطيرة قد تؤدي بهم إلى حتفهم.

ولكن كل أزمة تعلمنا دروساً مهمة، وفيروس كورونا لا يعد إستثناءً، فواحدة من الدروس القوية التي يعلمنا إياها هي أن أي نوع من الناس وأي أسلوب حياة يجب أن يُقدس من طرفنا كمجتمع.

ثقافة الاستهلاك والشوبيز (صناعة العروض)

كلنا على دراية أن مجتمعنا يعتمد على الاستهلاكية، بمعنى أنه لكي نجعل هذا المجتمع والاقتصاد يعملان، نحن كمواطنين نحتاج أن نستهلك باستمرار سلعاً وخدمات مختلفة. الكلمة، وأهم كلمة هنا هي “باستمرار”. المجتمع يستعمل عدة طرق لتجعلنا نؤمن بضرورة شراء أحدث الأشياء وأفضلها طوال الوقت.

“انتظر، هل تملك هاتفا قديما لعامين؟ يا للعار! أنت في حاجة إلى اقتناء هاتف جديد في الحال”.

للمحافظة على عجلة الاقتصاد، نحتاج إلى المشاركة في الحركة اللامتناهية للاستهلاك، ولكن هل حقاً نحتاج إلى شراء كل هذه الأشياء التي يتم الإعلان عنها بإصرار؟ وهنا يأتي دور العنصر الثاني لمجتمع الاستهلاك ألا وهو: الإعلام والشوبيز (صناعة العروض) حيث تتمثل وظيفته في تشتيت إنتباهنا عن الحقيقة ويدمر كل بذرة تفكير نقدي  في عقولنا.

مع الخيار الواسع الذي نملكه اليوم من برامج تليفزيونية، مسلسلات، أفلام و برامج الرياضة فإننا نجعل أنفسنا دائما مشغولي، أو بالأحرى عقولنا مشغولة، فنحن نستهلك باستمرار معلومات لا فائدة منها بنفس الطريقة التي نستهلك بها منتجات غير ضرورية، و نتيجة هذا تتمثل في أن عقولنا تبقى دائما مشغولة بأشياء غير مهمة وسطحية وبعيدة كل البعد عن التحليل والتفكير العميق. 

بهذه الطريقة سنظل غير واعين بشكل كافي لإبقاء دورة الاستهلاك غير المنتهية مستمرة لأنه بدون الفكر النقدي لن نستطيع أبدا الاستيقاظ و رؤية الحقيقة.

القدوة في زمننا هذا.

للحفاظ على هذه العقلية، فإن مجتمعنا يمجد التفاهة والسطحية وعلى هذا فإن القدوة التي يحتذى بها في مجتمع اليوم تتلخص في أشخاص مثل الممثلين، مغنيي البوب، اللاعبين الرياضيين والشخصيات التلفزيونية.

فكر في هذا الأمر لوهلة فقط، كم من مرة تشاهد أخبارا عن المخترعين، الأطباء أو العلماء في التلفاز أو الويب؟ وكم معلومة تجدها هناك حول المشاهير والشخصيات الإعلامية؟ أنا فقط أتكلم عن الاهتمام الذي تحظى به كل فئة دون التطرق للتكلم عن الفجوة التي لا يمكن تصورها بين دخل  المشاهير والرواتب العادية.

ماذا يفعل وباء كورونا لمجتمعنا؟

في وضعنا الحالي، غيّر فيروس كورونا كل هذا، فمع اتخاذ المزيد والمزيد من البلدان لإجراءات البعد الاجتماعي، قد انخفض النشاط الاقتصادي بشكل كبير، فالمطاعم، المحلات التجارية والمعابر أغلقت أبوابها وبالتالي فإن الاستهلاك المفرط يتناقص هو كذلك وعلاوة على هذا، فإن الحفلات الموسيقية، إنتاج الأفلام والأحداث الرياضية ألغيت وكل شيء متعلق بصناعة العروض قد تم تعليقه.

خمن إذاً؟ لم يتغير شيء عندما جلس لاعبي كرة القدم والممثلين في بيوتهم، لكن تخيل لو حدث هذا مع الأطباء أو عمال المجتمع؟ تخيل لو توقفوا عن القيام بعملهم؟ فحتما لن يكون هناك أحد لينقذ حياتك، يوفر الطاقة الكهربائية لمنزلك أو يجمع القمامة وهذا سيكون بمثابة كارثة حقيقية للجميع.

بين لنا وباء كورونا القيمة الحقيقية للمهن التي لم تقدر حق قدرها، القوة الحقيقية للناس العاديين، الأعمال اليومية والتضحية بالنفس لهؤلاء الناس ذوي الأجور الأقل بعدة مرات من أجور الشخصيات المشهورة.

الأطباء والممرضون في جميع أنحاء العالم يقومون بمجهودات جبارة، فهم يخاطرون بصحتهم وحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين. هم الأبطال الحقيقيون الذين يحملون مستقبل الإنسانية بين أيديهم وتظهر الصور أدناه الوجوه المنهكة للدكاترة الصينيين وتنقل هذه الصور الرسالة بطريقة أكثر قوة مما قد تعبر عنه كل الكلمات.

يجب على مجتمعنا أن يستدرك قيمه.

ربما جاء هذا الفيروس ليعطي مجتمعنا الإنساني بعض العبر. كأن يجب علينا أن نتوقف عن تمجيد الشخصيات السطحية والنرجسية، التوقف عن تمجيد هؤلاء الناس الذين يجنون أموالا خيالية في الدراما، العرض والغباء والذين لا يهتمون لشيء سوى لفت الانتباه إليهم.

بدلا من ذلك، يجب أن نقدر الأفراد الذين ينقذون الأرواح ويجعلون المجتمع يعمل بدون مقابل أو طلبا للانتباه، هؤلاء الأبطال يضحون بأنفسهم حتى نتمكن نحن من مواصلة حياتنا اليومية. إنهم هم من يجدر اعتبارهم الأبطال الحقيقيين والوحيدين في هذا العالم الذي يستحق التمجيد.

وفي الأخير أريد أن أشكر كل إنسان يعمل في هذه الظروف الصعبة وأقول له “أنت مهم”. شكراً وحافظوا على سلامتكم.

المصدر: هنا

تدقيق لغوي: حفصة بوزكري

الصورة الافتراضية
رندة فضيلي
المقالات: 2

91 تعليق

اترك ردّاً