إيدير، عراب الأغنية الأمازيغية

“محاسِن الصُدف” لعله أكثر قولٍ ملائِم لوصف انطلاقة “إيدير” الفنية، هو الذي، ذات يوم سنة 1973 عرفت حياته نقطة تحول فارقة، عندما تم استدعاؤه كبديل للمغنية “نوارة” في اللحظات الأخيرة على راديو إذاعة الجزائر ليغني  “أفافا إينوفا”. “حميد شريط” لم يكن ليدرك لحظتها أن اسم “إيدير” الذي اختاره على عجلة حتى لا يتعرف عليه أحد خلال مروره الاذاعي سيلازمه لحين وفاته وسيلمع به عاليا في سماء النجومية.

كانت الأغنية عبارة عن تهويدةٍ “للتقاليد الشفوية الغنية” للثقافة البربرية لتصبح من يومها من أشهر الأغاني في الجزائر وخارجها. وأول أغنية من شمال افريقيا تلقى رواجا وتحقق نجاحا منقطع النظير في فرنسا، أوروبا والعالم. حيث أذيعت الأغنية سنة 1976 في 77 بلدا لتترجم بعدها إلى أكثر من 20 لغة.

الأغنية اختارتني(…) كنت حاضرا في الوقت المناسب، مع الأغنية المناسبة

بنى إيدير مسيرته الفنية بتأنٍ، تماما كصانع الحلي الفضية التقليدية، كل كلمة من قصائده نَبعت من قلبه كأنها تمثله. فخلال خمس وأربعين سنة في مشواره الفني، استطاع أن يجعل من نفسه أسطورة الأغنية الأمازيغية، وأن يحظى بشعبية كبيرة حتى في الأوساط الشبابية.

أحيى إيدير طفولته من خلال أغانيه الخالدة، كانت كوسيلة سفر للماضي بالنسبة له، إلى الأصل أو المنشأ الذي تستأنس فيه السلام والهدوء. ولا أفضل من الأغاني الشعبية كوسيلة لتحقيق تلك الرغبة، كتذكرة تعيده لمهد السلام والهوية خاصته.

لطالما التزمت الأغنية القبائلية بسرد الحياة الاجتماعية. وهكذا كانت أغاني إيدير، أين كان يشير فيها إلى تلك الأمسيات الكبيرة والجميلة التي يُروى فيها العالم من خلال الحكايات والألغاز. هذه هي قصة الطفل إيدير الذي كبر وهو يستمع بدهشة إلى جدته وأمه الشاعرة وهما تُعلمانه قوة الثقافة الشفهية والقيمة الفريدة للكلمة. ما يفسر أيضًا اختياره لتلك الأغاني التي تحمل النص عالياً للغاية في سماء استثنائنا الثقافي. أغاني إيدير كانت تحرك المشاعر، تجعلها مضطربة وتحييها في ذات الوقت. كما لو أنه، من خلال بهجة الطفولة يمكننا أن نجد مجددا طريق الأمل مرورا بجماليات اللغة الامازيغية. أغانيه كانت عميقة، تثير العاطفة والحنين.

ليس مغنٍ كالبقية، إنه فرد من كل عائلة

بيير بورديو -عالم اجتماع-

ولدت موسيقى إيدير من دمج آلات مختلفة، بشكل أخص -ناي الراعي القبائلي-. وهي الأداة الموسيقية الأولى التي تعلم العزف عليها بسن مبكرة. تشابك أصوات القيثارات والناي والدربوكة وغيرها هو مايجعل من موسيقى إدير مميزة. غنى إيدير عن المنفى (A Vava Inouva)، الاحتفال (Zwit Rwit)، الذكريات (Cfiy)،العاطفة (Sendu) وغيرها من المواضيع بكلمات أمازيغية ومرات فرنسية، مامنحها بعدا عالميا يتجاوز بعدها الأمازيغي.

إيدير تجاوز كونه مجرد فنان الى كونه رجلا مدافعا عن قناعاته، فقد شارك في عديد الحفلات الموسيقية لدعم قضايا مختلفة. في 22 يونيو 1995 مثلا، حضر أكثر من 6000 شخص حفلته وصديقه الشاب خالد، المبادرين بجمعية “الجزائر، الحياة” ، حفلة أحياها الفنانَين من أجل السلام، الحرية والتسامح. إنه انتصار للفنانَين الذين جمعا بين المجتمعات الناطقة بالعربية والناطفة بالأمازيغية.

دوما وفي إطار دفاعه الدائم عن الحريات أصدر إيدير سنة 2007، ألبوم “La France des couleurs” في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية التي تميزت وقتها بالنقاشات حول الهجرة والهوية. في هذا الألبوم ،دعا ادير جيل الشباب لتأليف الأغاني معه حول هذا الموضوع الغالي بالنسبة له، الهوية. العديد من الفنانين مثل أخناتون و Grand Corps Malade و Zaho وغيرهم كثيرون شاركوه بنصوصهم، غضبهم وحساسياتهم في سبيل الدفاع عن جميع أطياف المجتمع الفرنسي على اختلافها.

هذه صرخة المعذبين

أمام وفي مواجهة الوحوش العفاريت

امتصوا جهودنا دون استحقاق

قسمونا وفرقونا كحبات الفول

لكن مادام طريق الحرية

يَحفِره الاتحاد والوحدة

فإننا أهل له ولو كان صعبا

‘أغنية “الفهامة” -ايدير-

انطفأت شمعة إيدير يوم 2 ماي 2020، ادير -الذي سيعيش*- استسلم للموت فجأة، هو الذي غنى لها، وعبر عن خوفه منها، رحل في صمت لكن ماقدمه للموسيقى القبائلية الأمازيغية من موروث باق لن يموت.

أهاب شبح الموت

يوم الذي يأتي فيه

عندما وصلني خبر وفاة رفيقي

خفت حتى أنا

برحيل إيدير، ينهار عمود من أعمدة الفن الجزائري وحتى العالمي، هوالذي برائعته A vava inouva حلق بالأغنية والثقافة الأمازيغية عاليا وأوصلها للعالمية.

غادرنا إيدير. ذهب على رؤوس أصابعه حتى لا يزعج أحدا. انطفأ مثل أغنية صيفية، مثلما تصمت الأساطير في الجزائر، بلده، قلقه، وإزعاجاته المتكررة. لم يقم إيدير سوى بمغادرة منفاه الانتقالي نحو منفاه النهائي، منذ أن أجبر على مغادرة وطنه الأصلي للبحث عن صدى صوته في مكان آخر، مثل التروبادور، المغنّي الجوّال؛ يشق طريقه بحثًا عن صوته. ستفتقده كثيرًا أفراحنا المختلطة مع الأيام بأحزاننا وخيباتنا، لكن غيابه سيكون بالنسبة لنا، نحن الجزائريين، ومعجبيه في كل مكان في العالم، لحظة رائعة للتأمل والذكرى. أما صمته الأبدي، كان مهذبا فقط، من أجل أن ينبعث نشيد الصمود، من جبال منطقة القبائل، إلى تخوم أتاكور في  الهقار…

ياسمينة خضرا -كاتب وروائي جزائري-
  • معنى كلمة إدير الأمازيغية هو “من سيعيش”، وهو إسم يُطلقُ عادة على الرُضع الذين يولدون قبل ميعادهم.

المصادر:

1- هنا 2- هنا 3- هنا 4- هنا 5- هنا

الصورة الافتراضية
بوخالفي بشرى
طالبة صيدلة، مهتمة بالأدب العالمي، الفلسفة والترجمة.
المقالات: 22

23 تعليق

  1. نسأل الله أن يرحم الفقيد و ان يسكنه فسيح جناته
    بشرى بو خالفي اين ما يكون هذا الاسم اقرأ المقال ماشاء الله
    ان شاء الله مزيد من التقدم والنجاح

اترك ردّاً