تبصُّرات حنة أرندت للأَزمِنة المُظلِمة

بقلم: سانجانا راجاكوبال

لقد نجح الفايروس التاجي الجديد بالاِنتشار في كل أرجاء العالم، مغيراً طرقنا في العيش تغييراً عميقاً، وجالباً المرض والموت لكل مكان يمر به. كل يوم، تقدِّم الأخبار تقاريراً عن معركتنا المستمرة مع وباء لم يسبق أن رأينا له مثيلاً في السنوات المئة الماضية. وبينما يكافح المرضى المصابون والأطباء المنهكون الفايروس في المستشفيات التي يعصف بها النقص الطبي، فإن البقية منا مطالبون بالعمل من المنازل والقيام بالتباعد الاجتماعي.

مع إن الأمر الاحترازي بالبقاء في البيوت يبدو بسيطاً في مستهل الأمر، ثبتَ أنه يمثل تحدياً كبيراً لكثير من الناس. فعدم رؤية الأصدقاء، وعدم الخروج من المنزل، وعدم حضور الفصول الدراسية يزعج شعورنا بأننا حيوانات اِجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التباعد الاجتماعي صعبٌ لأولئك الذين يعانون من أمراض عقلية مثل الاِكتئاب أو القلق. وقد شهدَ الخط الساخن لمكافحة الانتحار بالفعل ارتفاعا في النداءات مع شعور الناس بالتأثير الحاد للعزل الإجباري. حتى لمن لا تُشخص إصابتهم بالاكتئاب أو القلق طبياً. فوسائل الإعلام طوال الأربعة وعشرين ساعة مستنفرة ومكتظة بالمعلومات المضللة والكلام الفارغ.

لم تكُ أرندت بغريبة عن الأزمنة العصيبة. فهي يهودية من أصل ألماني درست الفلسفة مع مارتن هايدغر وكارل ياسبرز، وهربت من التهديد النازي إلى الولايات المتحدة في سنة 1941. في كتابها بشر في أزمنة مظلمة، المنشور في 1968 خلال فترة أخرى من الاِضطراب والهيجان، اِعتبرت أرندت بإيجاز حالة الهروب من الواقع طريقة للبقاء في عالم مضطرب ورفضتها:

“إلى أي حد نبقى ملزمين بالعالم، حتى عندما نُفصل عنه، أو ننسحب منه؟ كم كان مغرٍ، مثلا، أن نتجاهل ببساطة الهراء الغبي بصورة لا تطاق للنازيين. غير إنه وإن كان جذابا الرضوخ لمثل هذه الإغراءات واختباء المرء في ملجأ النفس، ستكون النتيجة دوما فقدان الإنسان إنسانيته فضلا عن خذلانه الواقع.”

لا يكون التفكير مفيداً أو جيداً لنا عندما يُوظف يهذه الطريقة. كم شخصٍ منا يتوقف عن الاِنتباه حين ترامب أو غوغائي آخر يشرع بالحديث، لا لشيء سوى العودة لأنفسنا ولأفكارنا. تشجب أرندت هذا النوع من الاِغتراب عن العالم. حيث إن التفكير لا ينبغي أن يغدو موضع اختباء نتقهقر إليه باستمرار عندما ينهكنا العالم بكل أمراضه وشروره. بدلا من ذلك، تدعونا أرندت إلى أن نأخذ على عاتقنا الموقف الأقسى من ممارسة الحب للعالم، رغماً عن كل الشر والمعاناة التي يحتويها.

في حين أن بعضنا يخاطر بالاختفاء داخل أفكاره وينسحب من العالم، بعضنا الآخر عاجز على أن يكون وحيداً مع أفكاره. فنحن نجد ذلك غير مطاق وننتقل إلى اللهو أو الإسراف في الأكل والشرب أو مشاهدة مقاطع الفيديو على اليوتيوب أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي دون اِنقطاع. إن هذا الخيار خاطئ أيضا. إذ ينبغي علينا بدلاً منه أن نجد سبيلا لنكون مع أفكارنا من دون الانفصال عن العالم.

إن ما تعلمنا إياه أرندت في عصر التباعد الاجتماعي بسبب COVID-19 هو أن نفكر بشأن التفكير في الطريق المناسب. يمكننا البدء في ذلك عبر إدراك تمييزٍ حاسمٍ بين الحالات الوجودية للوحدة والعزلة -تمييزاً قدمته أرندت في عملها الأول حياة العقل. فالعزلة هي الحالة التي لا نحظى فيها إلا بأنفسنا من أجل الرفقة، وفيها نفتقر للرفقة الإنسانية. أما الوحدة فهي الحالة التي لا نحظى فيها حتى بأنفسنا من أجل الرفقة.

بعد اِنتهاء المكالمات مع أصدقائنا أو أقربائنا، فإننا لا نحظى إلا برفقة أنفسنا لنتطلع إليها. قد يبدو هذا شاقاً إلى حد ما­- مع ذلك، كلما سارعنا بإدراك أنه من غير الممكن، إطلاقا، أن نكون وحيدين ما دمنا منخرطين بالتفكير، كلما كان ذلك أفضل. وكما وضعتها أرندت بالاِعتماد على محاورة جورجياس لأفلاطون: “التفكير هو حوار صامت للأنا مع نفسها”. فحين أفكر أنا أمسي إثنان-في-واحد، وأكون قادراً على رؤية نفسي باعتبارها مُحاوِراً. وبالرغم من كوني لا أستطيع الانسحاب إلى هذا الحوار الصامت للأبد، فإنه بوسعي أن أُرجع بثماره إلى العالم، إذ أنها تمتلك تأثيرات فعلية.

يشير الإلزام “لنفكر بما نفعله” إلى أن الفكر ينبغي أن يعود دوماً إلى العالم. علاوة على ذلك، فالتفكير، كما أقرت أرندت في الشرط الإنساني، من الممكن ترجمته إلى فن، وأدب، وموسيقى، وأمور أخرى من شأنها أن تجلب الراحة للتجربة الإنسانية وتُسهم بها.

غير أنه ثمة معنى آخر للتفكير مجدت به أرندت أهمية التفكير: ويُقصد به ما يدرأ الشر. إذ بالرغم من أنّ التفكير لوحده غير قادر على القضاء على الشر، فإن عدم التفكير لن ينتج غير الشر، وهو ما أظهره إيخمان وآخرون عديمو التفكير طيلة التاريخ. في الأزمنة الحديثة، نحن مطلعون على نطاق كامل من المسائل الاجتماعية والأخلاقية لم يفاقمها إلا COVID-19. فقد كشف الوباء لنا المواقف الإشكالية العميقة تجاه كبار السن والمعاقين، وتجاه القيم التي وضعناها في العمل والخدمة. لم تكُ مشكلة أرندت مع مصطلح “الاقتصاد السياسي” واضحة كما هي الآن، حين تبدو السياسة والاقتصاد على خلاف أكثر من أي وقت مضى. فالسياسة من وجهة نظرها لا يمكنها أن تُشغل نفسها بالأداتية الاقتصادية: ينبغي أن تتم رؤيتها ذات قيمة في حد ذاتها، واعتبارها النشاط الأصيل والأكثر منحاً للحياة في المجال العام. بطبيعة الحال، تعتقد أرندت أن المجال العام كان في تناقص منذ فترة طويلة؛ وهو ما أكده صعود مجتمع الحشود والتقهقر الفرداني إلى المجال الخاص من الأسرة. يهدد الوباء بانهيار المجال العام إذا ما تم إختزال أهمية كل شيء بمقدار إسهامه بالاقتصاد أومجرد البقاء.

ينبغي علينا الآن أكثر من أي وقت مضى الانخراط في حوار صامت مع أنفسنا الداخلية، وطرح السؤال، “هل بإمكاني العيش مع نفسي الداخلية؟” هل بإمكاننا العيش مع أنفسنا إن ضحينا بكبار السن والعاجزين، لا سيما عندما نفعل ذلك من أجل الاقتصاد؟ حتى آدم سميث شجب الإهتمام المحض بالذات ودافع عن الخيال التعاطفي للمرء. مثلَ أرندت، هو يذكرنا بأنه من الضروري التفكير بما نقوم به لأنه ينبغي علينا الحياة مع أنفسنا. تسأل أرندت في حياة العقل عمن يرغب بأن يكون صديقاً لمجرم -وتجيب سؤالها بالقول بأنه حتى القاتل نفسه لن يكون مرشحا جيدا لذلك.

إن التفكير اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لهو الأداة التي نحتاج تحريكها فيما وراء اللامبالاة، والملل، والوحدة. في مقدمتها لطبعة 2018 من كتاب الشرط الإنساني، تكتب دانيل آلين عما تقدمه تأمُّلات أرندت لعصرنا:

“تتحرك الحياة أسرع من العلم، سواء كان ذلك طبيعياً أم اجتماعياً. تنغلق المعامل، ويجد الناس أنفسهم عاطلين عن العمل ومصابين بالإحباط، يموتون، ويُقتادون إلى السجن خلال السنوات التي يقضيها العالم في الفرض وجمع البيانات والتأكُد والدحض وتكرار الاختبار. ويستمر الأمر على هذا المنوال. حين نواجه المشاكل الاجتماعية الأصعب- مثل الحبس الجماعي أو الاضطراب الاقتصادي كما هو مسبب عبر العولمة أو التغير المناخي- فإنه من الضروري أن نُعجل من خطى اكتسابنا للفهم. وينبغي علينا أن نتسخدم كل أداة متاحة للتفكير بما نفعله”.

ومن أجل أن نجد حلولا جديدة للمشكلات التي تنهض في عصرنا، فإنه لا بد من الاِنخراط بما أسمته أرندت “التفكير بلا سور”. ينبغي علينا أن نتخلص من الأسيجة الحاجزة التي تحدد تفكيرنا من أجل أن نواجه التحديات الجديدة لزماننا بروح الإبتكار ورباطة الجأش. حيث إن الحوادث التي تميز العصر كما هو الحال مع وباء COVID-19 تتطلب طرقَ تفكيرٍ تتحدى العصر. في الشرط الإنساني، تقارن أرندت –في مقارنة شهيرة– العالم بطاولة يجتمع الناس من حولها: طاولة تربط الناس وتفصلهم في الآن ذاته. ليس بإمكان أرندت أن تخبرنا عن الطريقة التي بها نواجه COVID-19، لكنها تعيد بنا إلى فن التفكير، فنٌ من شأنه مساعدتنا في استعادة عالمنا وإعادة ترتيب الطاولة المدمرة مثلما هي عن طريق قوىً ضمن سيطرتنا أو تتجاوزها. وما دمنا نحتفظ بالقدرة على التفكير- من دون الذهاب، مع ذلك، إلى حد خسارة أنفسنا في الأفكار والرجوع دوما إلى العالم في النهاية- فإننا لا نكون وحيدين بالمطلق. وفي الختام، تُجبرنا آرنت على التشوق إلى الأمل- بلفت الانتباه إلى حقيقة أنه ” حتى في الأزمنة الأشد ظلاما، لدينا الحق في أن نتوقع بصيصا من النور”.

تدقيق لغوي: حفصة بوزكري

الصورة الافتراضية
فريق العمل
المقالات: 37

اترك ردّاً