لم يكن لزاما أن تسير الأمور على هذا النحو.

إن سؤال “ماذا يعني المنزل؟” ليس سؤالاً تجريدياً في خضم جائحة، إذ يصبح سؤالاً مادياً حول أين ومع من تريد أن تكون محجوراً – إذا كنت محظوظا بما يكفي لاختيار ذلك، فهذا ما يعني “المنزل”.

في منتصف ديسمبر، سافرت من لندن إلى مدينتي فورلي في شمال إيطاليا. كنت حاملاً في الأسبوع الخامس والثلاثين في ذلك الوقت. على الرغم من العيش والعمل في الخارج لمدة خمسة عشر عاما، شعرت بالرغبة في العودة، كما فعلت قبل ولادة طفلي الأول قبل عامين. كانت الخطة هي كسب إمتيازات نظام الرعاية الصحية الإيطالي الممتاز، بالإضافة إلى وجود عائلتي الكبيرة، قبل أن أعود إلى وظيفتي الجامعية في المملكة المتحدة في مايو.

جاءت عطلة عيد الميلاد وذهبت، وفي منتصف يناير استقبلنا ابننا الثاني. لقد أولينا القليل من الاهتمام لتقارير ظهور فيروس كورونا جديد في الصين. كنا مشغولين بمولودنا الجديد، وأردنا أن نصدق ما كانت تقوله منظمة الصحة العالمية حول إمكانية الاحتواء.

كان الربيع يبذل قصارى جهده لإلهائنا أيضًا. تقع فورلي في الجزء الشمالي الشرقي من وسط إيطاليا في إقليم إميليا رومانيا، وتحدها فينيتو من الشمال الشرقي، ولومباردي من الشمال الغربي. تقع بين سفوح جبال الأبينيني والبحر الأدرياتيكي، والأراضي الزراعية حول مدينة فورلي هي سلة الفاكهة في إيطاليا. بحلول أواخر شهر فبراير، بدأت أزهار الكرز والخوخ والمشمش تتفتح، وزادت درجات الحرارة فوق 20 درجة مئوية. قضيت فترة بعد الظهر أشاهد طفلي البالغ من العمر عامين يتسلق معدات اللعب في الحدائق المحلية، وأتحدث مع الآباء الآخرين وأسمح لطفلي الصغير بامتصاص بعضا من فيتامين د.

في صباح أحد الأيام، نزلت إلى المقهى أسفل شقتنا وطلبت قهوة إسبرسو، قبل أن أجلس لقراءة إحدى الصحف المحلية. وقفت جنبا إلى جنب مع الزبائن الآخرين في بانكون (مطعم وبار إيطالي)، قمت بتصوير الأخبار المتعلقة بتفشي الفيروس التاجي في لودي (بلدة في لومباردي على بعد 260 كيلومترا من المكان الذي كنت أقف فيه). يُزعم أن المريض رقم صفر كان يبلغ من العمر 38 عاما، وقد أصيب بالمرض بعد لقاء صديق عاد مؤخرا من الصين. على الرغم من أننا كنا جميعا منزعجين قليلا بشأن الأخبار، كان جيراني يحاولون الاستخفاف بها. وقارن الخبراء في الصحيفة بين أعراض كوفيد-19 -إذ أن المرض الناجم عن الفيروس معروف الآن- بأعراض الأنفلونزا الموسمية، وهي أقوى بقليل.

في اليومين التاليين، تضاعفت عدد الحالات في لومباردي، وسجلت المنطقة أولى وفياتها. أغلقت الحكومة الإيطالية حدود المدن المتضررة، وبدأت في تعقب الأشخاص الذين كانوا على اتصال مع المرضى. في المقهى، كان الإجماع على أن رد فعل الحكومة الإيطالية كان “في القمة”. كنا نقول لبعضنا البعض، “نحن لسنا مثل الصين”، أين يمكن حبس الناس في منازلهم. كان موسم الكرنفال، وفي ذلك الأحد، كان لدينا حفلة في الجوار. ارتدى ابننا الأكبر زي الملك آرثر، بعباءة حمراء وسيف رغوي، واستمتع بإلقاء الأشرطة الملونة والحلويات مع عشرات الأطفال الآخرين.

تبدو أحداث الشهرين الماضيين في إيطاليا وكأنها حدثت قبل عام. أصبح ما كان لا يمكن تصوره مؤخرا هو القاعدة في المجتمعات حول العالم. في وقت كتابة هذا النص، تم إغلاق المدارس والجامعات والمتاحف والمكتبات والمسارح ودور السينما وصالات الألعاب الرياضية؛ تم تطويق الحدائق والملاعب (وتقوم بحراستها طائرات درونز)؛ تم إغلاق جميع الشركات والمطاعم باستثناء متاجر البقالة والصيدليات وبعض خطوط إنتاج المصانع الأساسية؛ حتى المشي والجري للترفيه ممنوع؛ يحظر التجمعات من أي حجم، سواء في الأماكن العامة أو الخاصة. تحتاج إلى ملء استمارة للمصادقة على سبب خروجك. يقوم رجال الشرطة بدوريات في الشوارع. المقاعد في الساحة المحلية مطوقة، لردع الناس ومنعهم من الجلوس في الشمس الدافئة وترك آثار فيروس نعرف الآن أنه يمكن أن يعيش لعدة أيام على أسطح معينة.

بصفتي عالمة في أخلاقيات علم الأحياء، لا يسعني إلا أن أفكر في الموقف وأنا مرتدية قبّعتي المهنية. كانت القضية الأخلاقية الرئيسية خلال الأزمة الإيطالية، هي أن الأطباء قد تم دفعهم إلى موقع المسؤولية لتخصيص موارد الرعاية الصحية في ظل ظروف الندرة الحادة وغير المتوقعة. بعد تفشي الفيروس في مدينة لودي، بلغت المستشفيات في لومباردي طاقتها الاستيعابية القصوى بسرعة، مع أسِرَّة موضوعة في حالة شبيهة بالمخيمات، ووجود عدد غير كاف من أقنعة التنفس وأجهزة التنفس الاصطناعي لجميع المرضى الذين يحتاجون إليها. حاولت الكلية الإيطالية للتخدير، التسكين، الإنعاش، العناية المركزة جعل معايير القرار للحصول على العناية المركزة شفافة، لتخفيف بعض الضغط الواقع على الأطباء. تهدف الوثيقة التي نشروها في أوائل شهر مارس إلى ضمان أجهزة التنفس الاصطناعي للمرضى الذين لديهم أعلى احتمالية للنجاح العلاجي – أي أولئك الذين لديهم “أمل كبير في البقاء على قيد الحياة”. المعايير المعتمدة كانت نفعية: العمر والحالات الطبية الموجودة مسبقا، كانت عوامل دفعت المريض إلى أسفل الخط.

شرفنا، أخفى واقع موارد الرعاية الصحية المحدودة.

أثارت الوثيقة ضجة كبيرة، وتغذت وسائل الإعلام عليها ونشرت الذعر. كان الوضع في إيطاليا استثنائيا بالتأكيد بسبب العدد الهائل من الحالات التي يتم التبليغ عنها كل يوم. من المرجح أنها المرة الأولى التي يواجه فيها العديد من هؤلاء الأطباء (وخاصة الشباب منهم) مثل هذه الخيارات المروعة. ومع ذلك، من وجهة نظر أخلاقية، لم تكن الوثيقة “لا مثيل لها” أو “ثورية”. في سياق آخر من الموارد النادرة – التبرع بالأعضاء – يتم تصنيف المرضى بشكل روتيني في قوائم الانتظار باستخدام خوارزمية. تُطابق المعايير القياسية الأعضاء المانحة مع المتلقين باستخدام حساب فرص نجاح الزرع وبقاء المريض. يمكن تطبيق معايير أكثر إثارة للجدل أيضًا. على سبيل المثال، إذا كان شخص ما مصابا بتلف الكبد الناجم عن الإفراط في شرب الكحول، فإن مسؤوليته الشخصية في التسبب في الحالة ستكون عاملا ضده للحصول على عملية الزرع في بعض الحالات.

لا مفر من مثل هذه المعضلات في نظام الرعاية الصحية لدينا، والذي سيكون له دائما قدرة استيعاب محدودة. بصفتنا متخصصين في أخلاقيات علم الأحياء، نحن مدربون على التفكير في كيفية تطوير المعايير المناسبة، والسؤال عما يتطلبه الإنصاف، والتفكير في الميزات إن وجدت، التي تجعل حالة معينة مشابهة أو مختلفة. في الوضع الحالي، من المسلم به أن هناك اختلافا واضحا بين تخصيص الموارد النادرة لأحد الأعضاء واستخدام أجهزة التهوية النادرة: في حين يمكن للمرضى العيش لسنوات على غسيل الكلى إذا كانت الكليتان فاشلتان وتحتاجان إلى عملية زرع، سيموت قريبا كثير من الأشخاص الذين يعانون من أعراض كوفيد-19 الخطيرة إذا لم يتمكنوا من التنفس. هذا التمييز هو ما يجعل الأمر صعبا على الأطباء، ويصعب على الشعب قبول ذلك، مع ذلك، يجب اتخاذ مثل هذه القرارات. ومع ذلك، لا يوجد شيء مرعب جوهريا بشأن استخدام المعايير – في الواقع، من المناسب والمريح أن تعرف أن الأطباء مسؤولون عن المعايير الموضوعية عند تحديد من يجب أن يكون في مقدمة قائمة العلاج.

إن حقيقة أننا نحن الإيطاليون نعتقد أن هذه القرارات استثنائية، تكشف عن الطرق التي أخفى بها شرفنا واقع موارد الرعاية الصحية المحدودة. كايتلين غاردنر، واحدة من طلبتي في أخلاقيات علم الأحياء، وطبيبة الحوادث والطوارئ في المملكة المتحدة. ذكرتني بأن مثل هذه الموازنة هي القاعدة في بلدها الأصلي جنوب أفريقيا. هناك، كما أخبرتني، جزء صغير من المرضى الذين “ليسوا مرضى للغاية (ليسوا متقدمين في السن، لا يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، ليسوا مرضى جدا أو في مراحل مبكرة من المرض، أو إذا كانوا أطفالا)” يحصلون على رعاية مكثفة. تعد الوفاة بسبب مرض السل (مرض تنفسي معدي آخر) بعد حرمان المصابين من العناية المركزة أمرا طبيعيا. هناك دروس يمكن تعلمها من جنوب الكرة الأرضية، مثل كيفية إجراء مناقشات إنسانية ولكن مفتوحة حول تحديد أولويات المرضى. من الأفضل إجراء هذا النوع من المحادثات في حالة غير طارئة عندما لا تكون مشاعر المرضى والأقارب والأطباء عالية جدًا. يمكن القول أنه يجب علينا مناقشة أمور أخرى غير “من يمكنه الاستفادة من التنبيب”، ولكن أيضا عن موعد سحب التنفس الاصطناعي إذا وصل مريض لديه فرصة أفضل للنجاة. ما وراء سياق الوباء، لا تواجه البلدان المتقدمة عادة هذه المعضلات، وهو ما يفسر المحنة الأخلاقية على مستوى الأجنحة المخصصة للمصابين بفيروس كورونا في شمال إيطاليا، حيث تم الإبلاغ عن أطباء وممرضات يبكون في الممرات.

آخر تواصل إجتماعي لي، كان عشاء في منزل واحدة من أقدم صديقاتي مساء يوم سبت في أوائل شهر مارس. لقد عرفت هذه المجموعة من النساء منذ أن كنا أطفالا نلعب ألعاب الكرة معا في الشارع، حين تطول الظلال خلال فترات ما بعد الظهر الطويلة في الصيف. ومع ذلك، فإن المزاج الرائع في تلك الليلة أفسدته الأنباء المسربة من وكالة الأنباء الإيطالية “ANSA” – المكافئ لرويترز في إيطاليا – بأنه سيكون هنالك مزيد من إجراءات الإغلاق الصارمة في اليوم التالي. كانت أجزاء من لومباردي، إميليا رومانيا، وفينيتو تخضع لقيود مختلفة طوال الأسبوعين الماضيين، لكننا علمنا الآن وبشكل مروع، أنه سيتم منع الناس من دخول أو مغادرة المناطق الأكثر تأثرا بالفيروس – وهي خطوة بدت غير مسبوقة وسريالية في دولة ديمقراطية مثل إيطاليا. في حين تم إنقاذ فورلي في الوقت الحالي، كنا نعرف أنها مسألة وقت فقط قبل أن ندخل “المستوى الأحمر” لانتشار الفيروس، ونضع قيودا على تحركاتنا. قلنا وداعا، فنحن لا نعرف متى سنرى بعضنا البعض مرة أخرى. سجلت فورلي أول حالة إصابة بفيروس كورونا نهاية ذلك الأسبوع. وبحلول يوم الثلاثاء، كانت البلاد بأكملها في حالة إغلاق.

كشفت الأزمة جوانب جديدة من الشخصية الوطنية الإيطالية. من المثير للاهتمام بشكل خاص أن مركز تفشي المرض يقع في الشمال، ويضرب تلك المناطق التي تعتبرها الصور النمطية مناطق مجتهدة وكادحة. في تبادل للأدوار، يمكن لجنوب إيطاليا أخيراً أن يلوم الشمال على مشاكله – حرفيا، حيث سارع الناس إلى ركوب القطارات الأخيرة المتجهة جنوبا من ميلانو، بولونيا، وتورين يوم سَبتِ الإغلاق، ونشر الفيروس في كل مكان. تاريخيا، كان الأمر عكس ذلك، حيث ألقى سكان شمال إيطاليا باللوم على سكان الجنوب لإهدار الموارد التي تراكمت بسبب عملهم.

التخلي عن هذه التحية يعدو أن يكون طرحا لغريزة تجسّدت مدى الحياة.

إيطاليا ليست مكانا وطنيا بشكل خاص – على الأقل، ليس حتى الآن. فوجئ زوجي الأمريكي في رحلته الأولى بملاحظة أننا نحن الإيطاليون لا نقوم بتعليق الأعلام في منازلنا أو شققنا، ولا نغني النشيد الوطني تقريبًا (باستثناء مباريات كأس العالم لكرة القدم، وحتى ذلك الحين، لا نعرف كلمات نشيدنا الوطني). الآن، ولأول مرة في حياتي، أرى بشكل روتيني أعلاما إيطالية تنبت من النوافذ مصحوبة أحيانا بعلم أوروبي، وأحيانًا شعار مدينة فورلي الأبيض والأحمر. يغني الناس من شرفاتهم النشيد الوطني، بالإضافة إلى أغاني من أوبرا فيردي أو بوتشيني. ربما وأخيرا، تعلمنا نحن الإيطاليون كيف نقف في الطابور (وترك مسافة بين بعضنا البعض عند الوقوف).

لكن التباعد الاجتماعي يأتي أيضًا على حساب عادات وطنية معينة. فالمصافحات والقُبَل كوسيلة للتحية قد أصبحت من الطابوهات. إن التخلي عن هذه التحية التقليدية ليس بالأمر البسيط، بالنسبة للإيطالي، فهو يعدو أن يكون طرحا لغريزة تجسدت مدى الحياة، شيء يدخل مباشرة إلى قلب المجتمع الإيطالي. قد تكون الانطباعات الأولى مضللة، لكن جدتي علمتني ألا أثق في شخص يصافح بضعف.

كنت أتساءل عما ستقوله جدتي عن كوفيد-19، لو كانت لا تزال على قيد الحياة. على الرغم من أنها لم تختبر جائحة إنفلونزا H1N1 (الأنفلونزا الإسبانية) في 1918-1919، لكنها ترعرعت في أعقابها؛ تشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 30.000 شخص ماتوا في إميليا رومانيا لوحدها. ساهمت جدتي بدور عظيم في تربية أحفادها، كما يفعل العديد من الأجداد في إيطاليا اليوم. إن أحد أكثر ملامح الوباء حزنًا، هو الخلاف الذي نشأ بين الأجيال، حيث أصبح الأحفاد نواقل محتملة للمرض لإصابة كبار السن والمعرضين للإصابة.

قبل أسبوعين فقط من بدء عمليات الإغلاق، جاء أهل زوجي الأمريكي إلى إيطاليا للقاء حفيدهم الثاني. عندما اصطحبناهم من مطار بولونيا، كنا نمزح ونسمع كلمات من أغنية “فندق كاليفورنيا”، قائلة أنهم قد يغادرون إيطاليا، لكنهم لن يتمكنوا من المغادرة أبدا. سرعان ما أصبحت حقيقة، فقد تم إلغاء رحلة عودتهم إلى ديارهم، وصاروا يتساءلون حول ما إذا كانوا سيعودون على الإطلاق. لقد عملنا من خلال السيناريوهات، مع الأخذ بعين الاعتبار مختلف التوزيعات العائلية المحتملة للصحة والمرض، والوحدة والتفرقة. في النهاية، قرر أهل زوجي العودة إلى ديارهم في وقت أبكر مما كان مقرراً، لأسباب مماثلة لتلك التي أعادتني إلى فورلي قبل ولادة إبناي. يريد المرء أن يحيط به أشخاص وأماكن مألوفة عندما يتخيل نفسه ضعيفا.

لقد جعلني فعل الانفصال هذا أتأمَّلُ أخلاقيات ما بين الأجيال حول كيفية استجابة الدول لهذه الأزمة. يبدو فيروس كوفيد-19 معتدلاً نسبيا لدى الأطفال، وفقًا للبيانات المتاحة حتى الآن، في حين أن الأعراض الأكثر خطورة والمهددة للحياة تتجمع بشكل غير متناسب (وإن لم يكن محصورا) بين الأشخاص الأكبر سنًّا، وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. وهذا ما يميزه عن جائحة الإنفلونزا الإسبانية، التي كان الأشدَّ تضررا فيها هم كل من الأطفال (تحت سن الخامسة) والأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما. والأكثر غرابة هو أن الإنفلونزا الإسبانية أصابت كذلك الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاما، بشكل غالب لدى الرجال، لأسباب لا نفهمها تماما. ومع ذلك، فإن إجراءات الحجر الحالية تعامل كل فرد بنفس الطريقة. بعض الدول، بما فيها المملكة المتحدة اقترحت في بداية تفشي المرض سياسات تركز على عزل الضعفاء، إلا أنه تم التخلي عنها بشكل واسع لصالح الحجر الشامل. في مدينتي، تجوب دوريات الشرطة الشوارع بمكبرات صوت، مذكِّرة إياي بالمستقبل الديستوبي الذي لم أحلم أبدا أنني سأعيش فيه.

لا وجود لشيء يدعى نموذج مجرد من القيمة – يجب احتساب التأثيرات طويلة الأمد للحجر.

عند مواجهة نماذج علماء الأوبئة التي تُظهر أن تدابير معينة ستنقذ عددا من الأرواح، يكون من الصعب على السياسيين ألا ينفذوها -خاصة إذا كانت دول أخرى تقوم بذلك. من الواضح أن إنقاذ الأرواح على المدى القصير عن طريق حماية نظام الرعاية الصحية وتسوية منحى العدوى هو هدف مصيريٍّ. إلا أنه لا يمكن أن يكون الوحيد. يملك الحجر الاجتماعي تداعيات حقيقية، اقتصادية وعلى الصحة العقلية لشريحة كبيرة من السكان. سيكون قياس الأضرار والوفيات التي يسببها أصعب من قياس تلك التي يسببها فيروس كوفيد-19 بشكلٍ مباشر، لكنها ستظل موجودة. كما جادل الإحصائيّ الإيطالي ماوريتزيو بيجيتا، فإن هذه ليست مجرد مسألة علمية، ولكنها مسألة أخلاقية أيضا عن أي القيم التي يجب أن نمنحها الأولوية. 

لا وجود لشيء يدعى “نموذج مجرَّد من القيمة”. إنما العزل الذاتي والحجر الصحي أعباء جسدية وعقلية أثقل بكثير بالنسبة لأولئك الذين يعيشون لوحدهم. جادل جون إيونيديس، البروفيسور في الطب بجامعة ستانفورد الذي عرض “أزمة التكرار” في علم النفس الاجتماعي وما بعده، جادل منذ بداية الجائحة بأن آثار الحجر الاقتصادية، الاجتماعية والعقلية ينبغي أن تُحتسب في حسابات التكلفة والمنفعة للصحة العامة بما في ذلك الوفيات الناتجة عن تمزق النسيج الاجتماعي. قال إيونيديس أنه قد ينتهي بنا المطاف ننظر إلى  الفيروسات التاجية كـ”دليل إخفاق مرة في القرن”.  هناك حاليا أدلة قليلة على أن الإجراءات الأشد عدوانية تعمل، وإذا استمرت، فقد ينتهي بها الأمر مُحدثةً ضررا أكثر على المدى الطويل من ركوب موجة وبائية شديدة. ومع ذلك، فإنَّ خصم المستقبل هو تحيُّز بشري نمطي- كما يعلم اقتصاديو الصحة جيُّدا من الدراسات عن كيف يفكِّر الناس حول عواقب التدخين، الشرب أو عدم ممارسة الرياضة.

في ظلِّ غياب بيانات قوية، يمكن تبرير السياسات باللجوء لـ”المبدإ الوقائي” الذي يقوم على أنه من الأفضل أن تكون آمنا على أن تكون آسفًا. قد يكون هذا أيضًا الأساس للاستمرار بالحجر لفترة مطولة من الزمن. ولكن حتى مع هذه التحذيرات، سياسة الحجر ليست الحل الوحيد لتفشي المرض. دربت السويد تقييد الحريات فقط لأكثر شرائح السكان الأكثر عرضة للخطر. وأبقت على المدراس، الحانات والمطاعم مفتوحة. أظهرت الأبحاث التي أُجريت في كلية لندن الجامعية، أن منافع إغلاق المدارس محدودة جدا مقارنة بالتكلفة الاقتصادية والاجتماعية على المدى البعيد. عوضا عن تقييد حرية الحركة، تهدف إحدى المقاربات لتقليل السفر في أوقات معينة من اليوم فقط، عن طريق إنشاء جدول زمني لساعات العمل المتداخلة ومناوبات عمل، لتجنب الازدحام في وسائل النقل العام. تم استعمال هذه السياسة ببعض النجاح في مدينة نيويورك خلال الإنفلونزا الإسبانية.

تعتمد هذه السياسات على البيانات المتاحة (مع أنها متاحة جزئياً) والتي تُظهر مجموعات خاصة ومحددة لمن هم أكثر عرضة للمرض. كما إنها تعتمد على “مبدأ التناسب”، والذي يجب أن تتلائم من خلاله شدة التقييدات مع أرجحية وثقل المخاطر التي تعادلها- وخاصة إذا كانت هذه الإجراءات ستُفرض لمدة من الزمن- هذا المبدأ هو أحد المعايير الأخلاقية الأساسية التي توجه النظام الإداري للأمراض المعدية الناشئة، كالذي تقدم عليه منظمة الصحة العالمية، ومجلس نوفيلد لأخلاقيات البايولوجيا في المملكة المتحدة، ومجلس الأخلاقيات الألماني. إن إخوتي الثلاثة الأصغر سناً، جميعهم في العشرينات من أعمارهم، وبذلك لديهم سبب ضئيل للخوف من كوفيد-19 من منظور حالتهم الصحية، فحسب الأدلة المتاحة، نسبة الوفيات جراء الإصابة بالعدوى ذات صلة مباشرة بالعمر، ومعدل الوفيات في فئة الأعمار التي تتراوح بين 20 إلى 29 سنة هو 0.1 بالمئة في إيطاليا (أثناء وقت كتابة المقال). هذا لا يعني أن الأشخاص تحت سن ال30 لا يمكن أن يتوفوا جراء الإصابة بالمرض، لكنه أمر غير مرجح بشدة.

بعد مطالبة الأصغر سناً بفعل الكثير، ربما علينا أن نمنحهم شيئا في المقابل.

لقد طُلب من الأجيال الأصغر أن يقدموا تضحيات كبيرة للأجيال الأكبر، مع توقع فوائد محدودة للغاية لصحتهم الشخصية – وبعض التداعيات الكبيرة على رفاهيتهم الجسدية والعقلية، من ضمنها غلق الجامعات وخسارة فرص للعمل. إنه أيضاً  الجيل الذي سيتعين عليه سداد الجزء الأكبر من الديون التي نجمعها الآن لسداد حُزم المساعدة الحكومية. ما عدا الروابط العائلية، فإن الأساس الأخلاقي لهذا الطلب ليس واضحاً. فمن ناحية، قد طالبنا الأصغر سناً بفعل الكثير، دون تبرير هذه السياسات حقاً. ومن ناحية أُخرى، حينما يطالب الجيل الأصغر الجيل الأكبر بمواضيع -حول تغير المناخ والصحة المستقبلية للكوكب على سبيل المثال – فإن الأشخاص الأكبر الذين يملكون السلطة يجدون صعوبة في قبولها. بعد مطالبة الأصغر سناً بفعل الكثير للكبار خلال الأزمة، ربما علينا أن نمنحهم شيئا ما في المقابل.

إن أخلاقيات جعل حياة فئة معينة ذات أولوية على حساب أُخرى، وعلى أية أسس، تتجاوز مسألة إيجاد تصنيف مُبَرر حول كيفية تخصيص مصادر الرعاية الصحية الشحيحة. إحدى التداعيات الملموسة لجائحة كوفيد-19 والتي لم تؤخذ بجدية، هي التوقف شبه التام في مجال صناعة التجارب السريرية، في حين استنفرت المستشفيات مواردها ومختبراتها لتسريع العثور على عقارات جديدة لتلقيح وعلاج كوفيد-19. بالنسبة لمن يعانون من أمراض أُخرى تهدد حياتهم، ممن استنزفوا خيارات علاجهم، فإن التوقف في مجال صناعة التجارب السريرية هو كارثة. يمكن أن يكون الخضوع لاختبار عقار “تجريبي” أو “تحقيقي” أفضل فرصهم من أجل حياة تُحتمل -أو حتى الحصول على فرصة للنجاة. تعاني إحدى صديقاتي في الولايات المتحدة من المرحلة الرابعة من سرطان الثدي النقلي، وقد كانت في اِختبار لأكثر من سنة قبل الجائحة. أما الآن جعلت الجائحة من المستحيل لها زيارة مشفى الأبحاث حيث يُجرى الاِختبار، لأنها ستكون معرضة لأن تواجه أعراضا شديدة اذا ما أصيبت بالفيروس.

وضحية أُخرى للأزمة هو تأخير أو إلغاء برامج التطعيم الروتينية للأطفال حول العالم. في حين تحاول الحكومات وقف انتشار المرض. بصفتي أم لرضيع، أريد لطفلي أن يأخذ لقاحات ضد مرض الحصبة، الحصبة الألمانية، شلل الأطفال، والعديد من الأمراض المعدية الأُخرى التي تشكل تهديداً ملموساً على حديثي الولادة. ربما يكون هنالك مبرر لإعطاء أولوية لمن يعانون من كوفيد-19، ومع ذلك كمجتمع نحن بحاجة على الأقل لأن نجري حواراً صريحاً حول الثمن الإنساني الذي ندفعه لهذه الرعاية.

 هذه الأمور التي باستطاعتي فعلها (عند تاريخ كتابة المقال): الذهاب إلى الصيدلية أو السوق لشراء حاجيات المنزل، شريطة أن أذهب لوحدي وأرتدي الكمامة (الكمامات الآن إلزامية عند الخروج في فورلي)، أصطحب أطفالي في تمشية في المناطق المجاورة للمنزل وأصطحب الكلب في تمشية إذا كان لدي واحد. لا يمكنني الخروج للركض، وهو نوعي المفضل من التمارين – فقد مُنع ذلك إثر ضغط اِجتماعي حتى في مواقع التواصل الاجتماعي لمنعه. أخبرتني صديقتي التي تعيش لوحدها في ميلان، وهي أيضاً عداءة، أخبرتني أن الناس بدؤوا ينهالون عليها بالشتائم من الشرفات حتى قبل أن يصدر لديهم قرار المنع. وما يثير القلق أكثر، هو أن التقارير الاِخبارية تسجل هجمات على عدائين حول العالم.

أصبح الجيران مُراقِبين، آخذين على عاتقهم دور فرض القانون. إن الناس يبحثون عن ناشر للمرض، كبش فداء، شخص لإلقاء اللوم عليه -كما فعلوا في الجائحات السابقة. استكشف الكاتب الإيطالي أليخاندرو مانزوني قي القرن التاسع عشر ظاهرة في روايته The Betrothed، ظهرت أثناء تفشي وباء الطاعون في لومباردي في 1630، اعتقد عامة الناس أن بعض الشباب الفرنسيين، عُثر عليهم وهم يلمسون ستارا ومقاعد خشبية داخل كاتردائية في ميلان، وبأنهم كانوا ينشرون المرض متعمدين، وبذلك أصبح العامة أكثر عنفاً وإرتياباً من كل الأجانب.

 حين ناقشت أمر منع الركض مع أصدقائي، باحثةً عن غضب تعاطفي، لقد فوجئت بأن أجد معظمهم مؤيدين له. سألتهم :على أي أساس؟ لا يوجد مؤسسة علمية تسند إدعاء أن الناس ينشرون الفيروس بمجرد خروجهم للمشي أو الركض. أليس هذا تقييدا غير مبرر لحريات البشر الأساسية؟ وهو كذلك وفقاً لمعظم علماء الصحة والأخلاق. إن إمكانية الخروج تساعد على تخفيف الضغط أثناء هذه الظروف والتي تعدّ مرهقة نفسياً بنحو كبير، وسياسات الصحة العامة يجب أن تأخذ بعين الاِعتبار الآثار المترتبة على الصحة النفسية للمواطنين نتيجة الحجر. على أي حال، صديقتي كان لديها إجابة مماثلة على نحو ملحوظ: نبقى في المنزل اِحتراماً للأطباء والممرضين في الخطوط الأمامية؛ نحن نواجه الأمر نفسه، نضحي بحريتنا الشخصية لأجل المصلحة العامة: يجب أن نبدي اِحتراماً. فحسب أقوالهم الذهاب للركض أو المشي في الخارج يظهر قلة اِحترام.

لا أزال غير مقتنعة. إن معظم الدول تسمح (أو تشجع) بركض أو تمشية يومية على الأقل أثناء الحجر. حسب رأي الصحة العامة، يقف المنع الإيطالي بمنأى عن المعيار التناسبي، ويفتقد للأساس الاِستدلالي لتدخل الصحة العامة في حالة تفشي مرض معدي. على كلٍ، هل سأخرج للركض؟ لن أفعل. ليس لأنني أتفق مع المنع. ولكن التجربة ستفسد برمتها، عالمةً أن شخص ما سيبلغ عني الشرطة.

وجدت نفسي في وضع مميز بأن أكون معزولة مع عائلتي المكونة من أربعة أفراد، مع إمكانية الخروج للحديقة. أتخيل أني أخبر إبني عن كيفية قضائنا للأشهر الأولى من حياته. إن العالم الذي سيرثونه يحوي مزيجا اِجتماعيا مختلفا عن الذي نشأت فيه، يلعبون بلا رقابة في الأزقة المرصوفة بالحصى في فورلي. سيكون كوفيد-19 فجوة في حياتنا، فترة زمنية ستفصل بين ما ” قبل” و ما   “بعد” الجائحة. ربما نقول لبعضنا: هل تتذكرون عندما اِعتدنا الذهاب إلى المقهى بينما نقرأ جريدة شيوعية؟ أوه نعم، أتذكر، قبل فيروس كورونا. وبعد ذلك؟ لايزال من المبكر جداً أن ندلي بأي توقعات راسخة. أتمنى ألا يكون مجتمعاً حيث يرتدي جميعنا الكمامات، نحتسي قهوتنا الإسبريسو من على مسافة مهذبة، ونجري اِتّصالات فيديوية مع أفراد عائلتنا وأصدقائنا عن بعد.

المصدر

ترجمة: رامي نزلي، سماح صلاح، منال بوخزنة.

مراجعة وتدقيق لغوي: عمر دريوش.

الصورة الافتراضية
رامي نزلي
المقالات: 18

3 تعليقات

  1. الترجمة جيدة لكنها في ذات الوقت سيئة جدا فلا يوجد اي ذكر لاسم كاتبة المقال عدا عن عدم وجود توثيق للمصدر ! هذه إهانة للقارئ

اترك ردّاً