السّيلفي للكشف عن الأنا: بين الواقعيّة والرّقمية -حوارمع إلزا غودار

 أجرى الحوار: جوناثان دودي.

نشرت إلزا غودار 1 كتابها «أنا أوسيلفي إذن أنا موجود» في عام 2016، لمساءلة تحوّلات الأنا في العصر الافتراضيّ من خلال مرآة ظاهرة السّيلفي، وذلك ضمن أعمالها لتحضير شهادة التّأهيل الجامعيّ في الفلسفة وعلم النّفس التحليلي بجامعة باريس 7-ديدرو. وقد أتيحت لنا فرصة طيّبة لمناقشة كتابها لعلّنا نستطيع التّخفيف من الأحكام المسبقة التي أحاطت بالسّيلفي، واختبار منظورات متباينة لـ”الأنا” عرضتها الكاتبة في عملها.

بعيدًا عن تأثير الموضة والرّواج، قمتِ بفحص السّيلفي بكونه طريقة مستحدثة للعلاقة مع الأنا عند الأفراد. فهل هو حقّا فعل اجتماعيّ مناسبٌ لمساءلة تحوّلات الأنا هذه؟

     أصدرتُ هذا العمل، كدراسة فرعيّة لعملي حول التّأهيل الجامعيّ بعنوان «تحوّلات الأنا في العصر الافتراضيّ: من الأنا الفلسفيّ إلى أنا التحليل النفسيّ» وبعيدًا عمّا يوحي به “السّيلفي” من الانتهازيّة حين يحيلُ مباشرة إلى “الأنا”، فإنّ هناك ما هو أعمق وأشدّ كثافة يقبع بين ثنايا هذا السّؤال. يطرح هذا النّص سؤالَ تحوّلات الذات. وإذا علمنا أن السّيلفي هو تمظهر لـ”الأنا”، يصبح السّؤال بشكلٍ أدقّ: هل أصبحت علاقة العالم الافتراضي هذه تعمل على خلق سلوكٍ جديد، و”إيثوس2” جديد عبر طريقةٍ جديدة مختلفة للتّفاعل مع الكون ومع الذّات، لتقودَنا في النّهاية إلى ظهور ذاتٍ “مستحدثة”؟

  لقد قادني هذا السّؤال إلى التّفكير حول السّيلفي بشكلٍ مختلف، كموضوعٍ للوساطة، وأداةٍ للتّواصل، للمشاركة والاتّصال. وأكثر من ذلك، فقد أصبح السّيلفي بمثابة لغةٍ جديدة، لغة صوريّة3.. وبهذا المعنى عالجتُ مسألة “الأنا”. ولأشرح ذلك باختصار أفضل، أرى أنّ اعتبار فعل “التقاط السّيلفي” شكلا من تضخّم الأنا، من التمركز حول الذات ومن المبالغة في عرض “الأنا” والدّعاية لها، اختزالٌ مخلّ بالمسألة، إذ هناك عوامل أخرى تتعلّق بالسّيلفي وتعبّر عنه. وإضافة إلى ذلك، أجد أنّه من الضّروري أن أصرّ على أنّ “النّرجسية”، كما صاغها فرويد، جزءٌ أساسيّ من تشكّل “الأنا”.. فالنّرجسية بهذا المعنى هي أن يكون للمرء ثقة بنفسه، ويجعل لها قيمة عالية.

   لابدّ من الإشارة إلى جيل ليبوفتسكي4 الذي وصف “الفرد فوق الحداثيّ”  بـ”الفرد فوق النّرجسي”حين تحدّث في سياق مجتمعيّ. في كتابي القادم، سوف أتحدث عن قلقنا فوق الحداثيّ، أو ما سمّيته بـ “النّرجسية الاجتماعيّة”.. التي ميّزتها عن النّرجسية الفرويدية التي تشكّل الأنا.

 يمكننا القول أنّ مجتمعنا نرجسيّ بمعنى اجتماعيّ (متعلّق بوسائل التّواصل الاجتماعيّ)، دون اختزال السّيلفي إلى هذا المعنى أيضًا. وأثناء عملي حول تحوّلات الأنا في العصر الافتراضيّ، وصلتُ إلى نتيجة مفادها أنّ هناك “أنا” حقيقية، و”أنا” أخرى افتراضيّة يتراكبان. إذ تمثّل الصّورة الشّخصية على مواقع التّواصل ظهورًا وتأكيدا للهويّة الافتراضيّة. وتراكب هاتين الذّاتين هو ما أسمّيه بـ “الأنا الرّقمية/الدّيجيتالية”، وهي هويّة مركّبة تجتمع فيها أشكالٌ مختلفة للأنا. لماذا هذا المصطلح تحديدا؟ لأنّ “الدّيجيتوس”، أي الإصبع باللّاتينية، يوحي بهويّة نستطيع لمسها وتحسّسها؛ ويمكن ملاحظةُ شكلٍ من هذا التّحسس حين نلتقط صورة سيلفي ونعدّل عليها باستعمال أصابع اليد. لقد أصبحت الأنا الرّقمية نتيجة لهذا التّراكب هويّة متعالية، “أنا” متعالية، عبر تمثيلات الأنا في العالم الافتراضيّ.

   تحدّثت في كتابي “هل سيختفي التّحليل النّفسي؟” عن القلق والضّيق النّاتج عن “ما فوق الحداثة”، دون أن يبدو هذا القلق ظاهرة مرضيّة، لكنه يجعلنا متضايقين، نعاني. كما قلت، هو ليس ظاهرة مرضيّة اجتماعيّة بالمعنى الحرفيّ للكلمة، لكنّه يعقّد من علاقتنا بالعالم الافتراضيّ وسلوكنا داخله. ولذلك أتحدّث عن النّرجسية الاجتماعيّة التي تأخذ شكل سرد القصص، المبالغة في لفت الانتباه5 أو الدّعاية لـ”الأنا”.

بيّنتِ أنّ عمليّة “نرجسة” الذّات هذه عبر السّيلفي توحي بوجود عمليّة لبناء الهويّة، كشكلٍ من النّرجسية الأوّلية التي تثبّت أركان ذاتنا في المقام الأوّل. لكن أليست هناك إمكانية ألا تتمكّن الأنا الافتراضيّة داخل صورة السّيلفي من التحقّق الواقعيّ؟ وألا يبدو هذا خطرا؟ كأن يصبح لدينا ازدواجيّة في الشّخصية بين الأنا الرّقمية، والهويّة الواقعيّة اليوميّة.

  سؤالكَ في محلّه تمامًا.. ولكن هل من المفيد مقارنة الواقعيّ والافتراضيّ؟ هذا يذكّرني بـ “باسكال” الذي كان بالفعل يصف الذّات بالافتراضيّة في وقته: “أين هي هذه “الأنا” إذن؟ إن لم تكن داخل الرّوح ولا داخل الجسد؟”. وبمعنى آخر فإن ما يراه الآخر من “أناي” ليس غير صورة، وإذن، أليست هذه الصّورة غير المادّية وغير القابلة للتقييد افتراضيّة حقا؟ يقول مونتيني أنّ “الإنسان في جملته ليس إلّا خليطًا مركّبا”6 أمّا عند سارتر فـ “الأنا هي حشدٌ كبير”، كدلالةٍ واضحة على التّعدد الحميميّ داخل هذه الأنا.

   وبهذا المعنى، فبأيّ حقيقة يتوجّب علينا ربط “الأنا”؟ هل هي حقيقة داخليّة؟ حقيقة فهم الآخر واستيعابه؟ حقيقة “الآن وهنا”؟ إلّا أننا لا نستطيع اختزال هذه الذّات في فهمٍ واحد، ولا في نظرة أو صورةٍ واحدة، بل يبدو لي أنّ الأصحّ هو أن نعتبر “الأنا” جزءا من الذّات، أليس التقاطنا للسّيلفي، ونحن نربطه بنظر الآخرين، شبيها بالتّحديق في المرآة لأتأكّد من وجودنا وحقيقتنا، في محاولةٍ لحجز صورة لذواتنا التي نعلم أنّها أصبحت مهشّمة؟

  وإضافةً إلى كلّ هذا، تأتي هذه الإشكاليّة الخاصّة بعصرنا الحاليّ، بما فوق الحداثة.. وهي مسألة الهويّة المجّزأة، المشتّتة والمنفجرة الذي تحتاج إعادة تشكيلٍ للذّات. أعتقد أنّ هذه الرّؤية تتعلّق مباشرة ببحثنا عن هويّة خاصّة مستقلّة بنا. وهو تساؤل ربطته بالمراهَقة كفترة انتقاليّة، وذلك حين أتحدّث عن مجتمع مراهق. هذه المقاربة تروقني للغاية، لأنّها تقرّب فكرة “التحوّل” الذي يمكن فهمه كانتقال ومرورٍ من مرحلة إلى أخرى.

 يمكن اعتبار فعل التقاط السّيلفي، دون اختزاله إلى رؤية وتفسير واحد، استجوابًا للهويّة، أكثر من كونه إشكاليّة نرجسيّة فحسب. فحين يلتقط مراهقٌ صورة سيلفي باستعمال مرشحات صوريّة (فلاتر) ترمز إلى كلب أو قطّ أو ظبي، فهو لا يقصد أن “انظروا إليّ، أنا الأجمل، الأقوى والأفضل”، لكنّه يحاول استكشاف ذاته بطرح سؤال: “من أنا؟” أو بالأدقّ: “كيف سأكون إن كنت شخصًا آخر؟ ما الذي يميّزني؟”. وينطبق نفس هذا الموقف على المراهقين حين يختارون نمطًا من الملابس.

  يمكننا أن نختبر مثالا آخر يترجم بشكلٍ أوضح هذا التساؤل حول الهويّة. حين يفقد أحدهم وزنا كبيرا من جسمه، 30 أو 40 كيلوغراما، يبدأ يبحث طوال أيّام وسنوات عن صورةٍ “حقيقيّة” له، ويقضي ساعاتٍ طويلة أمام المرآة ينظر إلى نفسه، أمام واجهات المحلّات دون أن نلحظ في سلوكه جانبًا نرجسيّا، بالمعنى الأوّلي للكلمة؛ وذلك لأنّ الهدف في حالته ليس التحديق في شكله والإعجاب به، بل هو محاولة القبض على صورته الأولى، إذ أنّه لم يعد يتعرّف على هذه الصّورة الجديدة. من حسن الحظّ، هذا بحثٌ مشروعٌ وضروريّ عن الهويّة. أذكر ذلك الإجراء المثير للاهتمام في حالات علاج اضطرابات الأكل، حيث تُرسم عدّة تخطيطات لمحيط الجسم للمريض، ثمّ يُطلب منه أن يحدّد الصّورة التي يعتقد أنها تطابق شكلَه. في الغالب، لا يتمكّن المريض من تحديد صورته لأنّه لم يكن قادرا على رؤية نفسه أصلا.

    هناك رغبة في الاندماج مع ذاتٍ لم يتمّ استيعابُها بعد، ورغبة في إعادة جمع أطراف الهويّة المهشّمة من خلال هذه الصّورة. إنّها، بشكلٍ ما، محاولة استعادة صورة الذّات المجزّأة المتلاشية والمراوغة.

  ويمكننا أن نذهب أبعد من هذا في تحليلنا للسّيلفي، وذلك باعتمادنا على فلسفة ليفيناس ومجاز “الوجه”7. ورغم أنه لا يوجد الكثير من الميتافيزيقا في موضوع السّيلفي، لكن من الواضح أنّ هذه الصّور هي تمثيلات للوجه. فالهدف هو أن يصبح الوجه موضعًا للهويّة والتفرّد، موضعًا للذّاتية. لابدّ أن ندرك هذا، أنّ السّيلفي يستغلّ هذه الحاجة ويلعب عليها. وفي عالمٍ خاضعٍ للأعراف وللمعايير، هناك حاجةٌ ملحّة وميلٌ لكلّ ما هو فريد؛ وعبر السّيلفي تتبدّى هذه الحاجة التي تكشف عن ذاتٍ متعطّشة لتعبّر عن نفسها، لتبرز هذا التّفرّد، وتتمكّن من أن تقول: أنا!

  يقول روسو، في الجزء الأوّل من اعترافاته: “لقد صوّرت نفسي على حقيقتها”، وبذلك لا ينبغي لأحد أن ينتقده لكونه صادقًا.

لكن جان ستاروبينسكي يشير في كتابه “جان جاك روسو: عن الشفافية والعائق”، أنّ روسو، ومن أجل أن يبدو أصيلا ومختلفا، يخدعنا بأفضل طريقة من خلال الاستعراض. وأنتِ، وقد عملت بجدّ على مفهوم الصدق، هل تقولين، بهذا المعنى، أن نقد انعدام الأصالة بالاستعراض عن طريق التقاط السّيلفي غير فعّال؟


لن أقول أنه غير فعّال، إنما محدود. ففي اعتقادي، التظاهر لا يمنع بأي طريقة إبرازَ الذّات. ويجب التمييز بين وسائل استجواب الذات، وما يمكن ربحه أو خسارته من هذه الأسئلة، وبشكل دقيق ما يمكن أن يكون حقيقة الذات. هذه هي المعضلة. لكي تكون صريحا تماما، يجب أن يكون خالص الشفافية نحو ذاتك. بطريقة أخرى، يجب أن تكون هناك حقيقة ثابتة حول الذات، غير متغيرة وغير قابلة للتغيير، بل مُطْلقة، وهذا ما يبدو مستحيلا، إذ أن الذات في تطور وصيرورة مستمرين.  وبهذا المعنى فقط، يمكننا اعتبار أنّ هناك جانبًا مستقرًّا إلى حدٍّ ما في عدم القدرة على معرفة الذات بالكامل. وإذن، كيف يمكن أن نكون شفّافين تماما مع الآخرين في حين أنّنا لا يمكننا أن نكون شفّافين مع أنفسنا بشكل تام؟ ماذا نعطي للآخر إذا كنا غير قادرين على فهم أنفسنا؟

ما يعطي للصدق قوّتَه، ليس حقيقة أنه كامل وفعال كنيّته. بل هو مجهوده في حركة استجواب الذات حول نفسها لإبراز جزء منها.

باختصار إذن، ما هو الصدق؟ الصدق هو السؤال الذي يحاول معرفة «من أنا؟» وخاصة كذلك «ماذا أريد؟». السؤال الذي يطرح في عبارة «ماذا أريد؟» يتعلق بالرغبة التي نجدها بشكل قوي في التحليل النفسي لدى لاكان. كيف أبرر رغبتي؟ سؤال حيوي، أساسي، رئيسي وغير مكتمل في نفس الوقت. من غير الممكن الإجابة عنه، لكن استجوابه في حد ذاته خطوةٌ رئيسيّة، لأنني إذا لم أشكك في جوهر رغبتي كيف يمكنني توجيه وجودي؟

وللإجابة عن سؤالك، يمكننا تماما رؤية فعل التقاط السّيلفي كفعل تساؤل يبرر ذاتية الشخص، ليعي ارتباطه بذاته وارتباطه بالآخر في آن واحد، وكذلك لإظهار أي شكل من أشكال الصدق. سيكون من الاختزاليّة للغاية أن أقول أنني غير صريحة أو أصيلة لأنني أُظهِر نفسي عبر حزمة من المظاهر، الاستعراض وإعادة تشكيل نفسي. من أخبرنا أن رغبتنا في إعادة تشكيل أنفسنا ليست حقيقة كغيرها من الحقائق؟ هذا يعيدنا إلى ما قلته سابقا حول استعمال فلتر السنابشات من طرف المراهقين. لماذا لا يكون هناك بكل بساطة، فكرة تواصل أساسية وبسيطة جدا مع بعض الفكاهة، حيث نستطيع أن نمزح بخفة؟

هناك ما يشبه هذا في مثال نادل المقهى عند سارتر، ذلك الذي يلعب دور نادل في مقهى وأثناء انغماسه في هذا الدور، يكتشف نفسه كنادل مقهى…

تماما، شيء كهذا. وهذا ما أعنيه في كتابي “هل سيختفي التّحليل النّفسي؟” عندما أتحدث عن رؤية الذات اعتمادا على مثال سارتر. إذ يجب أن يكون نادلا في مقهى، ولا يصبح إلا نادلا في مقهى. بصياغة أخرى، فإنّ وجودَه يعتمد على ظهوره. وبدون إعادة تحليل سارتر كاملا، سأقول أنّ الـ«أنا» ليست سوى «لعبة». في البداية، كلُّنا عالقون في شبكة تمثيلنا وزيفنا. وفي أوّل الأمر هذا ليس سوى لعبة، ولا يقتصر إلا على كونه حقيقة. سأعطيك مثالا: كثير من الأشخاص يقللون مني اعتمادا فقط على ملفي الشخصي على الفايسبوك. الأشخاص الذين لا أعرفهم بعيدون عني آلاف الأميال يتخيلون ما الذي أفعله في الواقع. لكن، ما أدهشني أكثر، هم الناس المقربون جدا منّي، والذين سمحوا لأنفسهم بفعل أشياء مزيفة من هذا القبيل. إنه لأمر مدهش، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعرفونني جيّدا على ضوء ثلاث صور سطحية، يعرفون مسيرتي الفكرية والمؤلفات التي تمكنت من كتابتها، يختفون للأبد. كأنّ الوجود الذي يمثل جوهر “الأنا”، لم يكن له أثر إذا تعلق الأمر بالرؤية. لعبة المظهر قوية جدا لدرجة أنها تنكر الوجود وتنفيه. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لا بدّ من إعادة النّظر في نادل المقهى داخلنا، حين ندرك أن «اللّعبة» تصبح «أنا»: تعبّر عن الذات الرقمية، وإذن، يبدو كأنّنا فقدنا شيئا لم يعد ينتمي إلينا. هنا ندخل في حقول التّعتيم، الظّلام، وقلّة الوضوح في الاستعمالات التي يمكن أن نستفيد منها في تمثيل ذواتنا، والتي نحصل عليها من أنفسنا، أو من الآخرين أو حتى تلك التي يستمدّها منا الآخرون.

في السابق، من أجل الحصول على صورة لأنفسنا أمام معلم أثري، كنا نطلب من المارّة التقاط الصور لنا. الآن، باستعمال الكاميرا الأمامية، نفعل ذلك بأنفسنا. هل هناك في فعل التقاط السّيلفي هذا ما يشبه وقوف الطفل أمام المرآة ليعاين صورته، ليكتشف وجهه ويتعرّف على نفسه؟ هل من الممكن أن يكون في السّيلفي بحثٌ عن صورة حديثة للذات والتي بفضلها أعرف باستمرار كيف أبدو؟


 أصبح الهاتف الذكي يستعمل كمرآة جيب بشكلٍ اعتيادي وكلاسيكيّ أيضًا.  فمثلا وأنا في سيارة الأجرة، في طريقي إلى حصة تلفزيونية، أستعمل شاشتي كمرآة. وهذا يذكرني بمشهد في مسرحيّة سارتر: ” ليس هناك مخرج – Huis-clos ” حين تبحث إستيل عن مرآتها في حقيبة يدها: لكنهم أخذوها منها، لا شكّ أنها سُرِقت. وبالتالي فهي أصبحت محكومًا عليها وخاضعة لنظرة الآخرين. وفي اللحظة، في المشهد الخامس، تجيبُ بردٍّ مذهلٍ قائلة: «أشعر أنّي مضحكة. ألا يحدث لكم هذا؟ حين لا أرى نفسي ينتابني الشكّ إن كنت موجودة حقا». ثمّ تجيبها إيناس: «أنتِ محظوظة. أمّا أنا فأشعر بنفسي دائما من الدّاخل».

 فبتأكيد الصورة الخارجية، نتمكن من إصلاح هويتنا الداخلية. لهذا السبب تحدثت سابقا عن الهوية المشتتة، المجزّأة، المنفجرة. وما يعطي إعادة تشكيل الذّات دورَها، والقدرة على تأكيد وجودها، هي نظرة الآخر.

طوّر “إدموند هورسل” هذه الفكرة في تأمّله الديكارتي الخامس، إذ كان روبنسون يحتاج لـ”جمعة”8 بل وكان سيخترعه حتى لو لم يكن موجودا، فقط لكي لا يجنّ. فإذن، لتأكيد وجودي، أحتاج لنظرة الآخر. يمكن للمرآة أن تقوم بذلك، لكنها ليست كافية.

هذا يوظف إذن تأكيد الذات من خلال نظرة الآخرين، و«إعجاباتهم». فأن توجَد يعني أن تكون إنسانا محبوبًا ومُعجبا به، إذا أردنا أن نغيّر من صيغة بيركلي.9

هل سيكون الإقرار والتّأكيد عن طريق زرِّ الإعجاب إذن، إقرارًا بوجود الشخص؟

إن التحدي كله، للدخول بعمق في هذه الإشكالية، يتلخص في قضية “المشاهدة”.  ففي كتاب «« De visione Dei، أبرز “نيكولاس دو كو”10 أهمية الرؤية: أن ترى يعني أن تكون مُشاهَدًا. تكرّر هذا الموضوع خلال فترة العصور الوسطى وقد حُلِّلَ بعمق من طرف أفلوطين. نجد هذه الفكرة عن سر الرؤية في العلاقة بين المرئي والرائي عند ميرلو بونتي في كتابه «العين والروح»: ما الذي يجعل الفنان مرئيًّا؟ بالتوازي مع هذا، يمكن أيضا أن نطرح سؤال الظهور على شبكات التواصل الاجتماعي، عن طريق منشورات السيلفي وبمعنى أوسع كذلك. لماذا هذا التسابق من أجل الظهور؟  من الواضح أن للدّعاية للذات والتسويق لها أسبابًا ماديّةً تحفزهما. ولكن أبعد من ذلك يبدو أن السبب هو الإقرار بالوجود، والذي يمكن أن يصل إلى “شبق النظر” الذي تحدث عنه “فرويد” و”لاكان”. إذ تُصنع الأهمية والشهرة بعدد “المشاهدات”، وليس بالضرورة عدد الإعجابات: إنها “المشاهدات” من تتحكم في اللعبة.

هذا يدعو إلى ما أسميه بـ “عَرَضِ النظرة”، والتي تختبئ خلفها قضية الاعتراف.  يُشير تحدي القرن الحادي والعشرين من خلال العالم الافتراضي إلى إشكالية الاعتراف الأساسية (من “هيغل” إلى” هونيت” مرورًا “بريكور”). لماذا؟ إن مجتمع الحداثة المفرطة هو مجتمع متناقض (مفارقي). في عصر البيانات الضخمة (big data)، في سياق “تخمة معلوماتية”، في مجتمع جدِّ تواصليّ، ثمّة احتمالُ أن لا يُتَمَكَّنَ من قول أي شيء أو أن يُسمع أو حتى ربما أن يُشَاهد. في سياقٍ معياريٍّ جدًّا، قد تبدو القدرة على القول، ثمَّ القدرة على قول “أنا” أمرًا معقَّدًا. أحيلكم إلى حلقة ”  Nosedive(سقوط حر)” من مسلسل المرآة السوداء Black mirror أين نجد مجتمعا مطهَّرًا، غارقًا في علم النفس الإيجابي. كلمة زائدة وستفقد نقاطًا وتفقد مصداقيتك. في حين أنّ هذا عدمُ تسامحٍ مع ما يصنع جوهر الإنسان، لأن الإنسان ليس كائنا عظيما بطريقة غير عادية معجونا بنوايا حسنة. كل ما هو جزء من الظلام، الاسوداد، الرداءة والكذب هو جزء من الإنسانية. لا ينبغي مطلقا تطهير الدناءة، الانحطاط، الغضب، الشتائم، الصراخ والقلق. ولكننا نعيش في مجتمعات تميل نحو ذلك، حيث كل شيء ينبغي أن يكون صافيا كالنيكل وموزونًا، وقليل من الحماس يجعلك تبدو تبدو كهستيري.

أخيرا، أنت تعالجين أبعادا مختلفة تتشابك فيما بينها، واصفةً منظوراتٍ متعددة لفهم الصورة الذاتية “السيلفي” وعلاقتها الأساسية بالذات. كيف ترين العلاقة مع حالة البورتريه الذاتي؟ هل الرسام ومستخدم الانستغرام يستهدفان الأمر ذاته من خلال نشر محاكاة لذواتهما؟

في أعمالي عن الصّدق، انكببت على قضية البورتريه الذاتي. دون الدخول في التفاصيل، فالاستعمال الكلاسيكي للصدق ظهر نحو القرن الثاني عشر. إنه العصر الذي تظهر فيه الأنا على أنها وعي ذاتي، بالحديث عن المفرد كما عند تشالرز دو بوفالز. للوصول إلى هنا، كان ينبغي أن نتخلص من المركزية التوحيدية للوصول إلى شكل من مركزية الإنسان. النظر لم يعد مصوَّبًا بعد الآن نحو العالم كما عند الإغريق أو نحو الإله كما بالنسبة للمسيحية. القضية الكبرى، التي ستكون قضية الإنسانية، هي “من هو الإنسان؟”. في هذا السياق، وفي بداية عصر النهضة، القرن السابع عشر انبثقت أوائل البورتريهات الذاتية، في نفس حركة انبثاق الصدق، الوعي الذاتي، أي “الأنا”. كان الرسام يصوّر مشهدًا من الحياة اليومية ويمثِّل نفسه في شخصية صغيرة. كان ينبغي في لحظة ما أن يقرر الفنان تحويل نظرته، وأن يصبح هو ذاته موضوع عمله. 

لن أتحدث إذن عن “السيلفي” كاستمرارية للبورتريه الذاتي، ولكن كنوع مستقل لوحده. إذا كان من الممكن أن تكون هناك أسئلة مماثلة لسؤال البورتريه، خاصة قضية مبحث الهوية، فإن الفائدة تتمثل في رؤية أنه في أزمان مختلفة توجد الإرادة أو الحاجة لتمثيل الذات لمعرفة من نكون، لإدراك صيرورة الأنا في خضم التحول، بشكل دائم. يمكننا أن نقول أن التصوير الفوتوغرافي هو التقاط للذات. عندما يتحدث رونالد بارثيس عن “النقطة” في “الغرفة المضيئة”، عن هذه القدرة على البزوغ، عن إدراك قوة اللحظة، كما لو أننا نقدر عن طريق الصورة على إيقاف الزمن لإدراك جزء من الذات أقل تذبذبا بقليل. السيلفي ليس فعلا بتلك السطحية كما تبدو أو التي نريد اختزاله فيها. إن من المثير جدا للفلسفة أن تلائِم الروح الجديدة التي نجدها في الوقت الحاضر وأن تجعل المواضيع غير المفيدة موضوعات حقيقية للتفكير. التفكير هنا في المكان غير المُفَكّر بِه هو الذي يهمني كثيرا.

الهوامش:

  (1) إلزا غودار: فيلسوفة ومحلّلة نفسية، وباحثة مساعدة في جامعة باريس-شرق كريتيل إضافة إلى كونها مديرة أبحاث التّحليل النّفسي في جامعة باريس 7-ديدرو. حاملة لدكتوراه في الفلسفة بعنوان: “الكائن الصّادق: تصاعد فلسفة الصّدق وإعادة تأهيلها” عام 2005، دكتوراه في علم النّفس وعلم النفس التحليلي بعنوان: “الإرادة اللّاواعية: مسألة الإرادة في غياب الأنا” عام 2011.

(2) إيثوس (يمكن ترجمته بعقيدة الأمّة): جملة المبادئ والأخلاق والمعتقدات التي تشكّل فكر أمّة ما وتصوغ سلوكها وأسلوب حياتها.

(3) اللغة أو المحادثة الصّورية Pic (picture) Speech: لغة تتكوّن من عناصر صوريّة أيقونيّة ثابتة ومتحرّكة (صور، فيديوهات، ملفات جيف، إيموجي)، متداخلة مع نصوص وجمل مقتضبة ومختصرة.

(4) جيل ليبوفتسكي، كاتب وفيلسوف وبورفيسور لغة فرنسي. ارتبط اسمه بفكر ما بعد الحداثة، ومفاهيم “فوق الحداثة”، و”فوق الفردانية”. من أهمّ مؤلفاته: “عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة،1983″

(5) لفت الانتباه Ego trip: مصطلح يقصدُ به المبالغة في تضخيم أهمّية الذّات وإنجازاتها، للفت الانتباه إليها.

(6) الاقتباس الأصليّ:  L’homme, en tout et par tout, n’est que rapiècement et bigarrure 

(7) إيمانويل ليفيناس: فيلسوف ليتواني فرنسيّ يهوديّ، كتب الكثير من تفاسير وشروحات التّوراة، وتمركزت فلسفته على موضوع الأخلاق وأخلاقيّات الغيريّة القائمة على القبول دون الاحتواء.

(8) وردت هذه الفكرة في رواية “جمعة Vendredi ” للكاتب الفرنسيّ ميشال تورنيير، حيث أعاد بناء قصّة روبنسون كروز الكلاسيكيّة بالتّركيز على علاقة روبنسون بجمعة.

(9) عبارة جورج بيركلي الأصليّة ” Etre c’est être perçu: أن توجد يعني أن تُرى”.

(10) نيكولا دو كو أو نيكولاس الكوزاني: كاردينال ألمانيّ، وفيلسوف لاهوتي، عاش في أواخر العصر الوسيط وترك مؤلفات غزيرة عن الرّياضيات والفلك واللّاهوت.

المصدر الأصليّ: un philosophe

ترجمة: منال بوخزنة، هبة مركانتية وأميرة بوسجيرة.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
BOUSDJIRA Amira
المقالات: 0

اترك ردّاً