مراجعة فِلم “احتراق”: جوع وغموض.

يتركنا سادس أفلام المخرج الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ “احتراق (2018)” المقتبس من قصة قصيرة للكاتب الياباني “هاروكي موراكامي”، وسط نار باردة من الأسئلة الكثيرة، هو من تلك الأفلام العبقرية التي تسأل عن إجابات موجودة، وتجعلك لا تنفك عن التفكير فيها، وفي ألغازها ورمزيَّاتها وتفاصيلها. سرد خطي وقصة بسيطة داخل جوّ في عوالم موراكامي التي يثريها كمّ هائل من السوداوية، الاستعارة، المجاز، الغموض والثنائيات: الخيال/الوهم، الفقر/الغنى، الذاكرة/النسيان، الأنانية/السذاجة، الوجود/العدم. في هذا المقال سردٌ لبعض من أحداث النصف الأول من الفلم، التي قد تساعد من شاهده على فهمه بشكل أفضل، وتمهد لمن لم يشاهده أرضية لرمزيته المكثفة.

الذاكرة والنسيان.

يبدأ الفلم مباشرة بمشهد لقاء شخصيتين من شخصياته الثلاث الرئيسية، تدفعاننا لأول سؤال: من يكونان؟ بسرعة نتعرّف على جونغ سو، شاب أنهى دراسته، خدمته العسكرية، يشتغل في أعمال بدوام جزئي، ويطمح أن يكون روائيا. صفات من شخصية رومانسية حالمة، تعرف طريقها ومتوترة حول ما تريده وما تسعى إليه، تقابلها نسخة الشابة هيمي، جارة قديمة لجونغ سو، فتاة مرحة وواهمة، عدمية تبحث عن المعنى بحريتها ولا تعرف طريقها، تقوم بالأشياء لأنها تجد فيهم متعة فقط. تذكره بنفسها وبأحداث جرت في صغرهما، فيما يبدو أنه لا يتذكر مطلقا، تسأله مباشرة إن كان يملك صديقة، وإذا ما أراد الخروج من أجل شرب شيء لاحقا.  

أنت لا تتخيل أن برتقالة موجودة هنا، بل تحتاج إلى نسيان أنه لا برتقالة هنا. 

الوهم والخيال.

يذهب الشابان للعشاء والشراب، وبينما يتبادلان الحديث، نعرف أن جونغ سو قليل الكلام على نقيض هيمي، التي تشرع بإخباره عن نيتها في السفر لأفريقيا وهي تقوم بتمثيل إيمائي لتقشير برتقالة ثم أكلها. عندما يسألها لماذا أفريقيا، تتجنب إجابته وتخبره أن الذي تقوم به هو تمثيل إيمائي، وأنها تتعلمه مؤخرا، جونغ سو بذهنية الذي يعرف ما يسعى أن يكونه يسألها إذا ما كانت تريد أن تصبح ممثلة، فتخبره مرة أخرى أنها تقوم بهذا من أجل المتعة فقط، وتشرح له فلسفة التمثيل الإيمائي قائلة: “ليس للأمر علاقة بالموهبة، إنه هنا (تشير إلى رأسها)، أنت لا تتخيل أن برتقالة موجودة هنا، بل تحتاج إلى نسيان أنه لا برتقالة هنا”. 

هيمي تتحدث لجونغ سو بينما تقوم بتمثيل إيمائي.

هكذا يرسم لنا المخرج شخصيتيه وفضاء الفلم، ثم يغرقنا أكثر في أجوائه وعالمه عندما تشرح هيمي لجونغ سو مفهومي الجوع الصغير والجوع العظيم عند شعب “البوشمن” في صحراء “كالاهاري” بأفريقيا، جوع الجسد للطعام، وجوع البحث عن المعنى من الحياة أو السبب الذي نعيش من أجله، مفهومين يجد المشاهد نفسه يحاول إسقاطهما على الشخصيات مع تطور الأحداث، من يحتاج للمعنى؟ من وجده؟ وفيما وجده؟ وماذا يحدث إذا ما خسره؟ 

تطلب الشابة من بطلنا معروفا، أن يقوم بإطعام قطها في فترة ذهابها لأفريقيا، وهو الأمر الذي يقوم به لأيام من دون أن يرى القط أصلا، حتى عندما ذهبا لمنزل هيمي أول مرة ونادت على القط، لم يظهر (رغم أن المنزل عبارة عن غرفة واحدة صغيرة، باردة، ولا يدخلها الضوء)، الأمر الذي دفعه لسؤالها إذا ما كانت تريد منه أن يأتي لمنزلها من أجل إطعام قطة خيالية.

هكذا يضعنا لي شانغ دونغ في عالم موراكامي القصصي الساحر، أين تكتمل أحداث الفيلم في ذلك المكان بين الخيال والواقع، هل القط موجود أم لا؟ هل الأحداث التي جرت في صغرهما حدثت حقا أم لا؟ هل ما سيحدث لاحقا حدث بالفعل أم لا؟

بين، بين الغنى والنرجسية. 

تتصل هيمي بسونغ جو لاستقبالها في المطار، أين نتعرف على شخصية بين، شاب وسيم ولطيف تعرفت عليه هيمي أثناء رحلتها، لكنته الكورية غريبة وغير محلية، ثري جدا ولا يعمل، الأمر الذي يدفع سونغ جو بوصفه لاحقا بأنه “غاتسبي” (إشاره للشخصية الرئيسية من رواية غاتسبي العظيم). يذهب ثلاثتهم لتناول العشاء، ويستمعان للفتاة وهي تتحدث، في مشهد يعكس جوهر الفيلم، عن تجربتها في أفريقيا وما عاشته، عن غروب الشمس الذي رأته، وعرّاها أمام وحدتها، وأمام شعور رغبتها في الموت والاختفاء مثلما اختفت الشمس بغروبها، بالرغم من اعتبارها للموت مفهوما مخيفا. 

هيمي تحدث جونغ سو عن تجربة الغروب.

في إطار كاميرا المشهد، تظهر هيمي وهي تتحدث وتذرف دموعا، تنظر لجونغ سو الذي يطأطئ رأسه خجلا، جونغ سو لا يجيد التعامل اجتماعيا، ولا يعرف كيف يعبر عن عواطفه، في تلك اللحظة يتدخل بين قائلا أنّ دموع الآخرين تشعره بالافتتان، وبالتعبير الكوري الذي استعمله قصد بالآخرين “النوع البشري” كأنه تعبير عن تعاليه عن هذا “النوع”، عندما يسأل لماذا، يضيف أنه لم يبك من قبل، وربما لم يشعر بالحزن أبدا؟ رغم أنه يظهر بشكل الجذاب الذي يعيش رفاهية غاتسبية يتمناها الجميع (ثروة ولا عمل) إلا أن الحوار يثير تساؤلات عن طبيعة تلك الحياة، وطبيعة بين، الشخص الذي يعيشها، ما المعنى الذي يعيشه من أجله فيها؟

الاستعارة والمجاز:

يضطر سونغ جو، الشاب الفقير الملغز بتعقيد العالم، العودة إلى منزلهم، بعد أن ارتكب والده جنحة ورفض الاعتذار نتيجة طبعه الغاضب والعنيد جعلته يقبع وراء القضبان وأمام المحاكمة. وفي ظل غياب أخته التي تزوجت، ووالدته التي هجرتهم وهو صغير بسبب ضغوطات الحياة، لم يكن له خيار غير العودة للاعتناء بالبيت وبالعجل الذي في حظيرتهم.

جونغ سو مع العجل.

يأتي بين وهيمي لزيارة جونغ سو في منزل عائلته، يقضيان بعض الوقت قبل أن تنهض هيمي لتؤدي رقصة الجائع العظيم على وقع موسيقى جاز وقت غروب الشمس في آخر مشهد لها في الفيلم قبل أن تختفي بشكل غريب، تبدأ الرقصة بمرح وفرحة، وتنتهي بذرف الدموع، تنام بعدها هيمي ليبقى الشابين لوحدهما، يتحدث جونغ سو عن أبيه وأمه، فيما يخبره بين أن هوايته هي حرق البيوت البلاستيكية، هل هذا ما يعيش بين من أجله؟ متعة حرق البيوت البلاستيكية؟ يشرح فلسفته: إنها جريمة من الناحية الفنية… لكنها بسيطة حقا…يستغرق الأمر أقل من عشر دقائق، يمكنك أن تجعله يختفي كما لو أنه لم يوجد أبدا. يضيف مجيبا على سؤال “ماذا لو يقبض عليك؟”: الشرطة الكورية لا تهتم بهذه الأشياء، في كوريا هناك الكثير من البيوت البلاستيكية، وهناك بيوت بلاستيكية قذرة وعشوائية، كأنها تنتظرني حتى أحرقها. أنا لا أحكم (إذا كانت عديمة الفائدة أو لا)، أنا فقد أتقبل الحقيقة، حقيقة أنها تنتظر أن يتم حرقها.

بين، يتحدث عن حرق البيوت البلاستيكية.

بين العجل الذي يرمز لقيود جونغ سو التي ورثها من بيئته، والأب الذي يمثل الصدع بين الجيل الجديد والقديم الذي يأبى قبول التغيير، بين حرق البيوت البلاستيكية التي تنتظر أن تحترق وهيمي الوحيدة التي ترغب بالموت والأم التي هربت من ضغط الحياة، بين الجوع العظيم والعلاقات الإنسانية، بين متعة الحرق ومعنى الإحتراق تكتمل عناصر الاستعارة والمجاز، ولا يبقى للمشاهد إلا أن يربط بينها ويفكر فيها حتى يتقبل مشهد النهاية غير المتوقع ورمزيته، وأن يبحث عن اليقين في: أين اختفت هيمي؟

الصورة الافتراضية
عمر دريوش
مدون ومترجم، محب للفلسفة والتصوف.
المقالات: 35

اترك ردّاً