أسطورة سيزيف وجائحة كورونا.

ألبير كامو هو كاتب فرنسي-جزائري اشتهر بكتاباته في المدرسة العبثية، ويعد ثاني أصغر من نال جائزة نوبل للآداب من الأدباء. هذه الأيام كانت روايته “الطاعون” هي من حظيت بالاِهتمام بشكل كبير وطبيعي في ظل جائحة كورونا. في هذا المقال، بدلًا من ذلك، أفكِّر في ما تكشفه كلاسيكية كامو الفلسفية “أسطورة سيزيف” عن حالة حياتنا مع كوفيد-19.

في “أسطورة سيزيف”، يطرح كامو مجموعة من الأسئلة الفلسفية حول كيفية تقدير حياتنا، بما في ذلك ما إذا كانت الحياة تستحق العيش فعلا، وكيف أن الحياة عبثية، وما الذي يمكن أن يجعل للحياة معنى. يجيب كامو على هذه الأسئلة من خلال إبراز صورة سيزيف (شخصية أسطورية من اليونان القديمة). تعامل سيزيف مع بعض الآلهة بقلة احترام مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت الصخرة إلى الأسفل، فيعود لرفعها إلى القمة مجددا، ويظل هكذا إلى الأبد. إنَّها صورة كلاسيكية لحياة عبثية وبدون معنى. “هل حياتنا هكذا؟” سأل كامو والعديد من الفلاسفة بعده. حسنا، هم كُثر الآن، هذا إذا لم يكونوا كذلك من قبل.

الحياة مع فيروس كورونا.

قمت برش مُطهِّر على أسطح مطبخي. يبدو أن الحوض، الثلاجة، الموقد، وغسالة الصحون خالون من 99.9٪ من جميع الجراثيم المعروفة. بعد وضع المطهر جانبا، أستخدم مطبخي كالمعتاد. أدركت لاحقا أن زجاجة المطهر نفسها لم يتم تطهيرها. من الواضح أن البلاستيك يحتفظ بفيروس كورونا لمدة تصل إلى ثلاثة أيام، واشتريت الزجاجة من المتجر – ومن يدري من لمسها هناك؟ -البارحة فقط. أقوم بتطهير المطبخ بالكامل مرة أخرى، بما في ذلك زجاجة المُطهِّر.

لقد أخبرت أطفالي عن أهمية التباعد الاِجتماعي، لكنّني سمحت للمراهق بالذهاب واللعب مع صديق واحد في الحديقة. بعد كل شيء، يجب أن يكونا على بعد مترين من بعضهم البعض للّعب. قام صديقان آخران في هذه الأثناء بمراسلته، ثم سرعان ما انضم إليهما في الحديقة. تأتي عاصفة رعدية بشكل غير متوقع، ومع كونه مراعيا لشعور الآخرين، يدعوهم جميعا إلى مكانه القريب، بينما أنا في الخارج بحثا عن الطعام. أصل إلى المنزل لأجد أربعة مراهقين متجمعّين معا وهم ينظرون إلى شاشة الكمبيوتر. أقوم مجددا بإخبار أطفالي عن أهمية التباعد الاجتماعي.

بينما كنت في السيارة عند الإشارة الضوئية، استخدمت منديلا لتنظيف مقابض الراديو، مقبض الباب، ذراع ناقل السرعة، وعجلة القيادة. ثم أدركت أن المنديل نفسه يحتوي الآن على فيروس كورونا، بافتراض أن الفيروس كان في سيارتي. ويدي بالطبع تمسك المنديل. أستخدم بشكل غريزي منديلا آخر على يدي مرة أخرى، ولكن بعد ذلك أرى أن هذا المنديل أيضا الذي كنت ألمسه سيحتوي الآن على فيروس كورونا. نظرا لأن الضوء قد تحول الآن إلى اللون الأخضر، فإنني أمضي في لمس عجلة القيادة …

لقد صارت هذه القصة تبدو شعرية، ولكن أتوقع أنها تبدو حقيقيّة. لاحِظ أنه ليس فقط على المستوى الفردي أن يجد المرء مثل هذه النماذج، ولكن أيضا على المستوى الاجتماعي: يبدو أنه بعد حوالي ستة إلى عشرة أسابيع من الإغلاق، ينخفض معدل انتقال فيروس كورونا، إلى الحد الذي يصبح فيه خطر العدوى منخفضا. عند هذه اللحظة، تسمح الحكومات بشكل طبيعي للناس بالخروج من منازلهم، لاستئناف الحياة الطبيعية. لكن الأمر لا يتطلب سوى حفنة من الأشخاص الذين يعانون من أعراض أو بدون أعراض ظاهرة من الخارج لإعادة الفيروس إلى مجتمع يفتقر إليه بعد الإغلاق. ونحن نعلم مدى سرعة انتشاره.

بمجرد عودة الفيروس التاجي إلى الجزء الخاص بنا من العالم، ستلزمنا حكوماتنا مرة أخرى بالإغلاق لبضعة أشهر. ثم سنعود لإعادة مشاهدة مسلسل “Friends”، والمحادثات المتكلفة والرسمية على تطبيق Zoom، والسؤال اللعين، “إذن، ماذا يوجد للغداء؟”. يمكن أن يستمر توسيع وتقلص الحياة الاجتماعية إلى أجل غير مسمى.

فيروس كورونا ومعنى الحياة.

جزء من مشكلة سيزيف هو أن حياته متكرِّرة، فهو فقط يقوم بدحرجة صخرة كبيرة. جزء آخر من مشكلته هو أن حياته لا معنى لها، فهو لم يحقق شيئا أبدا من خلال دحرجته للصخرة. جزء آخر أيضا من مشكلته هو أن سيزيف مضطر لدحرجة الصخرة، فزيوس لم يعطه أي خيار آخر. ومن ثم، سيزيف يشعر بالملل بالتأكيد.

على عكس الحجر الكبير، يعد الفيروس التاجي صغيرا جدا، ومع ذلك فإن نضالنا ضده هو بالضبط مهمة سيزيفية (عبثية): ليس لدينا خيار سوى دفع الفيروس التاجي بعيدا، والقيام بذلك مرارا وتكرارا، وليس لدينا أمل كبير في أن يحدث فرقا حقيقيا.

السؤال المهم في هذه المرحلة، الذي أتركه دون إجابة هنا، هو كيفية التعامل مع فقدان المعنى. ألاحظ فقط أن الاستراتيجيات لن تكون هي نفسها مثل تحسين وظيفة الرئة أو تنويع أصول الحوافظ المالية.

المقال الأصلي.

تدقيق لغوي: عمر دريوش.

الصورة الافتراضية
رامي نزلي
المقالات: 16

اترك ردّاً