الحرب على الجراثيم

في أوائل القرن التاسع عشر، توفي العديد من المرضى في المستشفيات بسبب العدوى التي تم التقاطُها أثناء الجراحة أو الولادة. بحلول منتصف القرن، بدأ العلماء في فهم أن العدوى ناتجة عن جراثيم غير مرئية. قاموا بحملة لتحسين نظافة المستشفيات، لكنهم واجهوا معارضةً من الأطباء الذين رفضوا قبول النظريات الجديدة. لأنه كان من الصعب على الأطباء والناس العاديين على السواء أن يصدّقوا، أن هناك مخلوقات غير المرئية ولا يمكنك رؤيتها بعينك لكنها تقتل المرضى.

المطهّر الأول والصابون الذي يقتل الجراثيم

في ستينيات القرن التاسع عشر اتخذ الجراح البريطاني جوزيف ليستر (Joseph Lister) الخطوات العملية الأولى لمنع العدوى المنقولة بالهواء أثناء الجراحة. قام بتنظيف الجروح بحمض الكربوليك – أول مطهر (مادة كيميائية تقتل الجراثيم المسببة للأمراض). 

يعود اكتشاف حمض الكربوليك (أو الفينول) عام 1834 من طرف الكيميائي الألماني فريدليب فرديناند رانج (Friedlieb Ferdinand Runge). بحلول نهاية القرن التاسع عشر كان هذا المطهر متاحًا على نطاق واسع لعامة الناس في شكل ألواح صابون منتجة بكميات كبيرة.

والذي تم استخدامه بالفعل كوسيلة لتنظيف المجاري ذات الرائحة الكريهة وتم النصح به تجريبيًّا كضمادة للجروح في عام 1863. استخدم ليستر أسلوبه الجديد بنجاح في 12 أغسطس 1865.

 قام ليستر أيضًا بإعداد آلة ترش رذاذًا خفيفًا من حمض الكربوليك عام 1967 أثناء عمله. مما يقلل بشكل كبير من معدلات الإصابة. يقوم ممرض مساعد بتشغيل البخاخ ورش غرفة العمليات لجعلها معقمة وخالية من الجراثيم. الطريقة التي تنتشر بها العدوى لم تكن مفهومة تمامًا آنذاك، لكن ليستر عرف أنه منذ أن بدأ في استخدام حمض الكربوليك خفت العدوى أثناء العلمية بشكل كبير ونجى المرضى.

الجراح البريطاني جوزيف ليستر (joseph lister)  يستخدم رذاذ حمض الكربوليك في واحدة من أولى عملياته الجراحية المطهرة  حوالي عام 1865.
الجراح البريطاني جوزيف ليستر (Joseph Lister) يستخدم رذاذ حمض الكربوليك في واحدة من أولى عملياته الجراحية المطهَّرة حوالي عام 1865.

ما هي الاحتياطات الأخرى التي اتخذها ليستر؟ ولماذا هي مهمة؟ وضع ضمادات غارقة في الكاربوليك على الجرح، وتم تنظيف الأدوات الجراحية به، وغسل يديه في الكاربوليك لتطهيرها. تُعرف الطريقة بأكملها بالتعقيم -لمنع العدوى.

ترك ليستر الرذاذ في نهاية المطاف عام 1887 حيث وجد أن الجراثيم التي تحملها الأصابع والضمادات وجلد المريض تشكل خطرًا أكبر. يشكل الرذاذ أيضًا خطرًا لأن استنشاق حمض الكربوليك ضار للرئتين.

وفيما بعد كشف بحث جديد أن المطهرات لم تكن الطريقة الوحيدة للسيطرة على العدوى. فقد أظهر العالم الألماني روبرت كوخ (Robert Koch) أن الحرارة الجافة والتعقيم بالبخار كانت فعالة مثل المطهرات الكيميائية في قتل الجراثيم.

وبحلول تسعينيات القرن التاسع عشر أدى القبول الأوسع لنظرية الجراثيم إلى ظهور علم الجراثيم.

أطقم طبية معقمة

بدأ الأطباء بعد تأثرهم بأفكار ليستر بغلي أدواتهم الجراحية لتعقيمها (التخلص من الجراثيم) قبل إجراء العمليات الجراحية. 

 في عام 1886، أسّس الصّناعي الأمريكي روبرت وود جونسون وإخوانه شركة الأدوية الرائدة سميت (Johnson & Johnson) لا تزال قائمة إلى اليوم، ويُقال أن الإخوة جونسون كانوا مصدر إلهام لبدء الأعمال التجارية من أجل إنشاء مجموعة من الضمادات الجراحية الجاهزة للاستخدام، بعد سماع خطاب جوزيف ليستر  عام 1885. 

لعمل ضمادات معقمة ومعدات جراحية. بعد عامين، بدأوا في تصنيع أول مجموعات للاسعافات الأولية التجارية في العالم، وجلبوا الرعاية الطبية المعقمة للجماهير وتحسين ممارسات الصرف الصحي.

تم استخدام مجموعة الاسعافات الأولية هذه عام 1930 في مصنع أو بيئة صناعية حيث كانت الإصابات من الآلات الثقيلة والمواد الكيميائية والمعدات الحادة منتشرة.

حتى أوائل القرن العشرين كان تطبيق ضمادة على قطع صغير تجارة شاقة تتطلب عادة شخصين. في عام 1920، توصل إيرل ديكسون Earle Dickson (المخترع والموظف الأمريكي لشركة Johnson & Johnson) إلى حل الضمادات اللاصقة. كانت عبارة عن مربعات صغيرة من الضمادة متصلة بشريط لاصق. تم تصنيعها تحت اسم Band-Aid، وهي تستخدم الآن في جميع أنحاء العالم.

الجراحة الآمنة

أعطى اكتشاف المضادات الحيوية في أربعينيات القرن الماضي طريقة جديدة لمعالجة العدوى من داخل الجسم، وبدى لفترة أن التعقيم قد يكون أقل أهمية.

لكن ظهور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية مثل العنقوديات الذهبية (MRSA) كان بمثابة تذكرة مخيفة بأن معركة السيطرة على العدوى لم تنتصر أبدًا، وأن ممارسات التعقيم والمعقم لا تقل أهمية عن أي وقت مضى.

يتخذ الجراحون الحديثون العديد من الاحتياطات للحماية من العدوى. وتشمل هذه ارتداء أقنعة الوجه، والقبعات الجراحية، والملابس الجراحية، والقفازات المطاطية. استخدام المطهرات جنبًا إلى جنب مع هذه الاحتياطات يستمر في المساعدة على تطهير المساحات الجراحية الحديثة.

المصادر:

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
Hammad Benaissa
المقالات: 0

اترك ردّاً