عندما كان أينشتاين بوهيمياً

إقامته القصيرة في براغ ساعدته على العمل على نسخ أوليّة من النسبيّة العامة وعلى الاحتكاك بكُتاب، فلاسفة وسياسيين.

لقد كان  ألبرت أينشتاين مثالاً حياً للعبقرية المتجسدة ويبرز التجسيد المميز لأينشتاين من العدد الكبير من  الصور واللقطات المتناثرة في ربوع ثقافتنا المعاصرة، شعره المنكوش، عيناه الناعستان وابتسامته الساخرة. إنّ تجاهله وعدم مبالاته بالموضة وبالأخص في سنواته الأخيرة جعله يحصل على لقب “البوهيمي-الصوفي”، ملامحه فريدة جداً إلى درجة أنّه يمكن لرسام كارتوني رسمه بتفاصيل قليلة جداً. نحن نراه ونعرف من هو أينشتاين.

نحن لا نفكر في العادة بالأماكن التي كان بها. وعندما نفعل عدد قليل من الأماكن يبرز إلى السطح:  مكتب براءة الاختراعات في العاصمة السويسرية بيرن سنة1905، الطرق المشجرة الواسعة لبرلين ما بين الحربين العالميتين،  والضاحية الهادئة  في برينستون، نيوجيرسي، حيث عاش آخر عقدين له.

تصوَر أينشتاين في كل من هذه الأمكنة وستحصل على قصة مختلفة. كان أينشتاين السويسري العبقري السابق لعصره الذي أطاح بالفيزياء الكلاسيكية عن طريق النسبيّة الخاصة ونظرية الكم. كان أينشتاين البرليني مشهوراً عالمياً، محبوب الملايين الذين اعتبروه نيوتن العصر الحديث، وأثناء ذلك كان يكسب الأعداء بسبب آراءه العميقة حول السلمية، القومية والصهيونية. أما أينشتاين برينستون فقد كان حكيم القرن العشرين، و لطالما كان محذراً من مخاطر المستقبل تحت ظل القنبلة الذريّة. أخبرني أين يتواجد أينشتاين، وسأخبرك من هو.

إذاً ماذا يحدث عندما ننظر إلى أينشتاين البوهيمي؟ ولا أعني الشكل الأشعث الغريب الذي ينسب عادةً إليه – بل أقصد البوهيمي“Bohemian”. من أبريل 1911 وحتى أغسطس 1912 احتل أينشتاين مقعد الفيزياء الرياضيّة في الجامعة الألمانية في تالث مدينة لما كان يسمى الإمبراطورية النمساوية المجرية: براغ، عاصمة مملكة بوهيميا في العصور الوسطى.

 عند النّظر إلى الوراء لا تبدو هذه النقطة مثيرة للاهتمام بشكلٍ خاص في حياته. فبعد كل شيء هي لم تدم سوى 16 شهراً. فهو تقريباً كان في طريقه للعودة إلى سويسرا منذ اللّحظة التي أفرغ فيها  حقائب وصوله. فما نوع أينشتاين الذي قد نحصل عليه إن تتبعناه في براغ، إن تعقبنا العلاقات التي بدأها هناك وبرزت خلال حياته؟

النتيجة هي أينشتاين جديد، أينشتاين الذي تقلبت سيرته بطرق مختلفة، حيث نجده يتفاعل ليس فقط مع العلماء بل مع الكُتاب، الفلاسفة، السياسيين و-عن طريق تنويري براغ- أحد أهم  المؤثرين في أدب القرن العشرين.

لكي ترى كيف تم ذلك، تخيل وضع أينشتاين عندما دخل المدينة برفقة زوجته وولديه الصغيريين (لقد كان الطفل تيدي يبلغ من العمر أقل من سنة).  لقد كان فيزيائيا مشهوراً على مستوى قاري، ولكنّه لم يكن مشهوراً وسط الناس العاديين. هذا الشيء سيحدث بعد نجاح بعثة الكسوف  البريطانية في 1919 التي أثبتت نظرية أينشتاين عن الجاذبية، النسبية العامة.(1)

عند وصوله إلى براغ، لم يكن للنظرية أي وجود، بل حتى أن الفيزيائيين لم يبدأوا بالعمل عليها بعد. في صيف 1911، من شقته ومكتبه المقابل لضفة نهر فلتافا Vltava_الذي عٌرف باسم مولداو  Moldau بالألمانيّة، لأينشتاين الذي لم يكن يجيد التشيكية_، حوّل أينشتاين تركيزه  من نظرية الكم الواعدة نحو نظرية جديدة للجاذبية. لقد أثبتت النسخة التي عمل عليها في براغ والمعروفة بنظرية السكون “static theory” بأنّها فاشلة، ولكنها دعمت افتراضاته الأوليّة عن انحناء ضوء النجوم حول الكتل العملاقة وجهوده الأوليّة لدعم بعثات مراقبة الكسوف. إن التركيز على براغ يبرز للضوء تاريخ هذه النظرية الحاسمة في حياة أينشتاين.

فبالنسبة لأينشتاين لم تكن براغ مجرد مكان للعمل على النسبية العامّة. فبينما كان هناك قام بتدريس ثلاث فصول فيما عرف بالجامعة الألمانية، وقد سميت بذلك بعد أن انفصلت جامعة تشارلز-فيرديناند  Charles-Ferdinand University  في براغ سنة 1882 إلى مؤسستين منفصلتين بناءً على أسس لغوية: جامعة تشيكية، وجامعة ألمانية. (لقد مثّل الألمان فقط سبعة بالمائة من سكان المدينة عندما كان أينشتاين يعيش هناك). لقد كان  التوتر المتزايد للنشاطات القوميّة فوق  الحدود اللّغوية  يحيط  بأينشتاين من كل جانب. ولقد علّق حول هذا الموضوع على أنّه استفزاز بسيط_وقد كتب في رسالة إلى زيورخ: “أن أغلب السكان لا يجيدون الألمانية ويتصرفون بعدائية نحو الألمان”_  لكن رغم هذا فقد قيدت هذه الظروف أفعاله على المستوى الاجتماعي في المدينة، ملقية إيّاه في حلقات من المثقفين المتحدثين بالألمانيّة.

بعضهم كان صهيونياً مثل هوغو بيرغمان Hugo Bergmann وماكس برود Max Brod، اللذان كانا أول من عرف الفيزيائي للحركة. لقد وجدها في ذلك الوقت قومية بشكل مفرط  ولذلك أعتذر عن الانخراط بها, وعلى الرغم من ذلك فعندما وجد نفسه في نهاية ذك العقد يدعم بعض  أوجه الصهيونية، فإنّ ارتباطه بالحركة قد تم عبر بعض المعارف التي التقى بها في براغ. (وقد انفصل عن هذه الحركة مع بدء حركة العنف في فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي).

إنّ الفلاسفة المتحدثين بالألمانية سواء أكانوا ممن أشادوا بالنسبيّة على أنهّا منارة العلم الحديث أو أولئك الذين شجبوا النظرية واعتبروها مجرد رطانة (وغالباً مع لهجة  واضحة من معادة السامية) قد كانوا متمركزين في نفس الجامعة التي تركها أينشتاين في 1912.  لقد كان أينشتاين يراقب  برعب من خلف الأطلس، عندما أصبحت تشيكوسلوفاكيا ضحية لتوسعات أدولف هتلر العسكرية في خريف سنة 1938.  لقد عبّر عن ردة فعله  للنازيّة عادة عن طريق التشبيه والإشارة لوضعه هو عندما كان من الأقلية الألمانية في براغ.

وأخيراً، لقد كان هناك المجاميع المجمعة من الكُتاب في براغ، سواء من المتحدثين بالتشيكية أو الألمانية الذين جعلوا أينشتاين موضع عملهم حتى بعد موته سنة 1955. ما عدا كاتب واحد بارز والذي يبدو أنه كان منيعاً لهذه العدوى عقداً قبل موته ونشر رواياته “القلعة والمحاكمة”. التقى فرانز كافكا الشاب الذي يعاصره في صالون في ربيع 1911.  كلا المفكرين اليهوديين لم يتذكر هذا اللقاء بعد حدوثه. إنّ أينشتاين البراغي وبراغ الخاصة بأينشتاين يمثلان رموزاً قوية من رموز القرن العشرين، ولكن ليس بطريقة كافكاوية.

لقد افترض أينشتاين من بين أشياء عدّة في نسبيته العامة أن نسيج الزمكان قابل للطي. وأنّ الأجسام التي تملك كتلة تقوم بطي هذا النسيج هو ما يسبب الجاذبية لهذه الأجسام وكلما زادت كتلة الجسم زاد حجم التقعر الذي يحدثه في النسيج وبالتالي تزيد جاذبية الجسم. ولذلك افترض أينشتاين لإثبات نظريته أنّه عند حدوث كسوف يمكن رؤية بعض النجوم التي تقع خلف الشمس مباشرة لأنّ كتلة الشمس العملاقة تسمح بطي نسيج الزمكان من حولها فيمكن رؤية الأشياء التي خلفها.

المصدر.

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً