الهويات القاتلة عند أمين معلوف.

كتاب يحاول فيه مؤلفه فهم أسباب الصراعات الناتجة عن الاختلافات الدينيّة، العرقيّة، والقوميّة موضحاً اختياره لتسميتها بالهويات القاتلة، فيأخذك الكاتب معه بأسلوبه المنساب في بناء أفكاره منطلقاً من فكرة أن اختزال الفرد في هوية واحدة وغض النّظر عن مكوناتها الأخرى يؤدي إلى خلق الهويات القاتلة في أيّ نوع من المجتمعات وليس العالم الإسلامي فقط.

يتناول  قضية الهوية في محاولة لدراسة لها، يبدأ كتابته بسرد تجربته الشخصية فيحدثنا في أول الكتاب عن هويته المركبة، فقد ولد أمين معلوف في لبنان من والدين من الأقليات المسيحية، عاش الحرب الأهلية في لبنان وهاجر إلى فرنسا في أواخر عشرينياته، هو مؤرخ، مفكر، صحفي، وروائي باللّغة الفرنسيّة، يسرد كيف أنّ كل من هذه العوامل ساهم في بناء شخصيته وصرح هويته وكيف أنّه تعلم أن يتقبل كل جزء منها، وتعايش معها رغم قدرته على التّعصب لها بسهولة لأنّه ينتمي إلى أحد الأقليات العالميّة فهو مسيحي يجيد العربيّة، لغة القرآن، تأقلم مع المجتمع الفرنسي وهو لبناني، فنظرته إلى هويته جعلته يرى فرديته و يدرك أنّ الهوية تتكون مع حياة كل إنسان فهي ليست كاملة أو مجزأة بل مترابطة وتغلب عليها الأحداث التي يعايشها الإنسان أكثر من ما يرثه من تاريخه فالإنسان وليد عصره.

فيما يلي طرح الكاتب العديد من التساؤلات، سلسة الطرح كانت حول دور العرقيّة، القوميّة، اللّغة، الدّين ومختلف التوجهات السياسيّة والأحداث التّاريخية في خلق الهوية الفرديّة والاجتماعيّة.  حيث بنى وجهة نظره من خلال فقراته التي تتسم بالأسلوب الأدبي، على أساس تحليل قائم على ملاحظاته الشخصيّة، أبحاثه التاريخيّة وتتبعه للأحداث في الفترة التي كتب فيها الكتاب لكونه صحفي.

لا ينكر الكاتب ريادة الإسلام في التعايش مع الديانات المغايرة والتسامح الذي دعا إليه عبر التاريخ مذكراً بانغلاق المسيحيّة في الماضي ويتساءل عن سبب انقلاب الموازين في الزّمن الحديث، فيحاول الإجابة عن ذلك حسب وجهة نظره مصححاً المغالطات المرتبطة بالأسباب، هنا يلجأ الكاتب إلى طرح سؤال مهم حول تأثير الشعوب على الأديان، ويوضح التّأثر المتبادل ودوره في بناء الحضارة فهو يقلب المعادلة التي جلعت من الدّين عاملاً أساسيّاً في بناء الحضارة، ويوضح كيف أنّ المسيحيّة مثلاً صارت أكثر تسامحاً بفضل الحضارة التي عصرنتها لتخدم مبدأ التسامح والتعايش الذي لم يكن في تاريخها، ويذكر على سبيل المثال مسلمي الأندلس الذين أبيدوا أوهاجروا بعد خروج الدّولة الإسلامية من إسبانيا. 

كما يتطرق إلى إظهار الفجوة التي تدفع بفردٍ ولد في دولة فقيرة، كيف أن الفراغ السياسي والضعف الاجتماعي يدفع به إلى البحث عن ما يميزه عن فرد ولد بدولة غنيّة، فلا يجد إلاّ اختلاف الدّين فيكون الوازع إلى اسثناء من هو مختلف عنه والتعصب ضدّه. 

يحاول بعدها الإجابة عن سبب كون الدّين العامل الغالب في عجلة الهوية، وكيف زادت قوته في ظل العولمة حيث نتواجد في زمن تسارع فيه التّطور وتبادل المعارف، و غلبت فيه الحضارة الغربية وأعرافها _خاصة الثقافة الأمريكيّة_ ، فصار الكوكب بكامله تابعاً لها و بالتالي يسعى الأفراد إلى تأكيد العوامل التي تميّزهم عن أقرانهم الذين أصبحوا يشتركون معهم في العديد من العوامل، نفس الأكل السريع، نفس الأغاني، أسلوب العيش واللبس، فيحاول كل منهم إبراز اختلافه عن طريق الدّين، أو عوامل أخرى كالعرق أو التوجه. يظهر المؤلف أنّ نوع العامل متعلق غالباً بالمحيط الذي يعيشه الإنسان، فأن تولد أسود البشرة في نيجيريا ليس له نفس الوزن مثل أن تولد أسود البشرة في إفريقيا الجنوبيّّة التي كانت تعيش في ظل سياسة الأبارتيد مثلاً، كما يوضح علاقة الخوف مع التّوجه نحو الميل إلى غلبة عامل ما، فهذا الشعور والذي وصفه بالتّهديد هو ليس بالضرورة عقلاني و لكنّه يحرك تصرفات البشر.    

خلال اطلاعك على الكتاب ستجد العديد من النقاط المهمة التي كان الكاتب قادراً أن يتعمق في طرحها إلاّ أنّه لم يفعل، وهذا قد يكون عائداً إلى أنّ ما كتبه عبارة عن اسنتاجاته الخاصّة بتجربته الشخصية وليس دراسةً معمقةً.

يختم الكاتب بدعوة إلى التّعايش في ظل الإنسانيّة، وأن تتمسك المجتمعات بقيمها المشتركة، ويترك الدين كحريّة أساسيّة خاصّة بالفرد نظراً لحاجة الإنسان الرّوحانيّة ولكن لا يربط ذلك بالانتماء. الكاتب لا يقدّم الحلول العمليّة إلاّ أنّه يطرح التساؤلات المثيرة للاهتمام التي تدفعك إلى الرّغبة في الغوص أكثر في موضوع الهويّة، الإنتماء، العولمة والإنسانيّة.  

تدقيق: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
MAZOUZ IHCENE
المقالات: 0

اترك ردّاً