غاري كاسباروف: “ليس هناك مجال للّعب”

أجرت الحوار: إما ربرتسون.

مقدمة سريعة

الاسم:  غاري كيموفيتش كاسباروف.

تاريخ الميلاد: 13 أبريل 1963.

محل الولادة: باكو، أذربيجان.

المهنة: أستاذ كبير* ومؤلف.

سيد كاسباروف، لقد كنت مشهوراً مهاباً لاستعداداتك  لما قبل المباراة ودراستك المكثفة لتحركات خصمك أثناء فترتك كأستاذ كبير. فهل مفتاح النجاح في  الشطرنج هو الاستعداد؟

إنّ الاستعداد هو مفتاح النجاح في كل مكان!  لا أستطيع فصل الشطرنج عن النشاطات الفكريّة الأخرى  لأنّ الاستعداد يعني أنّك تحلل البيانات الموجودة، أنّك تفهم خصمك، وأنك تفهم هيكل اللعبة، وعندها تحاول قدر استطاعتك خلق أكثر الشروط مناسبةً لمعركتك. عندما يكون لديك لاعبان محترفان، ستعتمد النتيجة على الأرجح على كونك لعبت اللّعبة وفق شروطك الخاصة.   

لقد بدأت بلعب الشطرنج بشكل احترافي في ثمانينات القرن الماضي، كيف استطعت العثور على ذلك النوع من المعلومات الحساسة من دون عون من الإنترنت؟

أنت محق ففي أيام شبابي لم نكن نملك إمكانية الوصول إلى كميات كبيرة من المعلومات. مع ذلك كانت هنالك استعدادات، فقد كان بإمكانك الاستعداد للألعاب، يمكنك جمع معلومات الألعاب من المجلات،  ويمكنك التّعلم عن خصمك وعن التحركات الافتتاحية الجديدة… ولكن كانت المعلومات تنتقل ببطء! كان الشطرنج مشهوراً جداً في روسيا، يوغسلافيا، وفي صربيا وكرواتيا، وقبل 50 سنة كان اللاعبون في الجزء الحر من العالم  يتذمرون من أنّهم لم يستطيعوا قراءة المجلات الروسيّة.  وحتى أنّهم  كانوا في بعض الأحيان يتعلمون القراءة بالروسيّة فقط لكي يتأكدوا أنّهم يملكون إمكانية الوصول لهذه المعلومات.    

يجب أن تكون منضبطاً خارج اللوح لكي تتأكد من أن حياتك لا تضر بقدراتك للتحضير لأكثر المباريات أهمية.

غاري كاسباروف

لماذا كانت لعبة الشطرنج شهيرة جداً في روسيا؟

لقد كانت شهيرة في روسيا _ولنكن أكثر دقة في الاتحاد السوفيتي_ والدّول الاشتراكيّة والشيوعيّة لسبب بسيط جداً:  لقد كانت اللّعبة تعتبر أهم سلاح أيديولوجي لتبيين التفوق، الفكري للأنظمة الشيوعيّة أمام الغرب المنحط. وأنا آخر شخص يتذمّر من هذا الشيء لأنّي استفدت من هذه البرامج حيث هنالك أعداد كبيرة من الطلبة يُدخلون لعالم الشطرنج ويُدعمون من قبل جهاز الدولة ذو الكفاءة العالية. رغم ذلك، يجب أن تكون منضبطاً خارج اللوح، لكي تتأكد من أنّ حياتك ونشاطاتك  لا تضر بقدراتك للتّحضير لأكثر المباريات أهمية.

هل كان من الصعب المحافظة على تلك الوتيرة، أم هل استمتعت باللعبة لأنّك أردت الفوز؟

أوه، لم تكن تحدياً بالنسبة لي! لقد استمتعت بها. ودائماً ما أعترض على الأشخاص الذين يقولون:” أوه، إنّ هذا الشخص لا يملك تلك الموهبة الفذّة ولكنّهم هو أو هي يعملون بجد.” أنا أعتقد أن العمل بجد هو جزء من موهبتك، إنّه جزء جوهري في نجاحك. وهذا ما يفصل ما بين اللاعبين الجيدين، والعظماء.

إذاً فأنت لم تصبح البطل العالمي للشطرنج بناءً على مواهبك الطبيعيّة فقط؟

لا. يمكنك الوصول لمستوى معين ولكن التّحضير والاستعداد هو ببساطة جزء لا يتجزأ من كل لاعب. بعض اللاعبين بدأوا مسيرتهم بالفعل في عمر السابعة أو الثامنة. نحن نملك بعض الموهوبين اليافعين في أعمار 10،11،12 وهم يملكون بالفعل معلومات حول لعبة الشطرنج تتفوق بأشواط على أي شيء كان يملكه (بطل الشطرنج الأمريكي) بوبي فيشر  قبل50 سنة من الآن، أو حتى أي شيء كنت أملكه أنا قبل 25 سنة.

هل يمكنك أن تقول أنّه يجب أن تكون ذكياً لكي تتفوق في الشطرنج؟

بالتأكيد، أقصد أنّك تحتاج لأن تكون ذكياً لكي تلعب الشطرنج. تحتاج لأن تكون ذكياً لكي تلعب أي لعبة، بوكر، أو أي شيء. لقد آمن العباقرة مثل ألفريد بنيت Alfred Binet مخترع اختبار الIQ، أنّ الشطرنج هي المفتاح لكشف أسرار الذكاء البشري، لكن ما أعرفه عن الشطرنج أنّه إن كنت تملك موهبة في الشطرنج فأنت تملك موهبة في الشطرنج. إن كنت جيداً في لعبة البوكر، فأنت جيد في الرياضيات أيضاً وتعرف كيف تراهن، لكن الشطرنج لا تجعلك جيداً أو سيئاً في أي شيء آخر.

إذن ما الذي يصنع لاعب شطرنج عظيم؟ هل هي الثّقة أم نوع من الكاريزما التي تخلق الأضواء من حولها؟

بالتّأكيد، الكاريزما هي دومًا إضافةٌ جيّدة للصّحافة، لكنّك إذا كنت ستلعب الشّطرنج، ففي نهاية الأمر ما يهمّ حقّا هو شخصيّتك. لقد كنت بطلاً عالمًّيا لمدّة خمسة عشر عاماً، وأفضل لاعب شطرنج لمدّة عشرين عام، إنّها مسيرةٌ حافلة. وكلّ ما كان يخطر في رأسي طوال هذه المدّة فكرتان: الأولى هي أنّه سيتوجّب عليّ اعتزال اللعبة في اللحظة التي سأشعر فيها أني لا أقدّم شيئًا جديدًا، لأنّ القضيّة أكبر من الفوز، إنها عن إحداثٍ فارقٍ وترك بصمة مختلفة. فما الذي كنت أساهم به في عالم الشّطرنج بفوزي في هذه الجولة المقبلة؟ وحين أدركت أنّني لم أعد أساهم بشيء اعتزلت. أمّا الفكرة الثّانية فكانت أنّه إن كنت ستبقى في القمّة، فأكبر عدوٍّ لنجاحك هو نجاحاتك المستقبليّة المتوقّعة.

لأنّك ستركن بسهولة إلى الرّضا عن نفسك..

تمامًا، أو أنّك ستفقد قدرتك على نقد وتحليل طريقة لعبك. إذ أنّني كنتُ قاسيًا للغاية في تحليل مبارياتي ونقد نفسي، بل وصلتُ إلى حدّ إدانتها واتهامها على كلّ الأخطاء والقرارات الخاطئة. كنت أحاول أن أبعث نفسي من جديد في كلّ مرّة، بينما أتأقلم مع التغيّرات، خاصّة حين أصبحت اللّعبة خاضعة لثورة الكمبيوتر. وأعتقد أنّ هذا يعطيك فكرة جيّدة حول هذه التركيبة من المهارات التي كنت أمتلكها والتي خوّلتني أن أبقى في القمّة.

كيف أثّرت الثورة التكنولوجية على لعبة الشّطرنج؟

    مثلًا، حين تواجهت مع أناتوليكاربوف في 1985، لعبنا المباراة، وثمّ في اليوم التّالي كان كلّ شيء قد اختفى. كان بإمكاني حينها أن أخاطر وأبدأ بحركة لستُ متأكّدا تماما من صحّتها، ولعلّها كانت ستصبح مفاجأة. أمّا الآن، فالأمر قد اختلف، ولا يمكنني أن أفكّر بهذه الطّريقة، لأنّ الآلات أصبحت بين يديّ. أستطيع أن أضغط أيّ زرّ لأحصل على المعلومات التي أبحث عنها. لم يعد هناك مكان للاحتيال. لقد غيّرت التكنولوجيا من طريقة تحضيرنا للمباريات.

يجب أن تصبح أكثر إبداعًا، وأن تطوّر من ذخيرة معرفتك ومهاراتك بشكلٍ يوميّ

غاري كاسباروف

تبدو كأنّك تأقلمت بشكلٍ جيّد، فقد كنت أوّل لاعب شطرنج يبدأ بالاستعانة بالكمبيوتر من أجل التّحضير لمبارياته، كما اشتهرت مبارياتك القليلة مع ديب بلو Deep Blue النّسخة الأوّلية لحاسوب IBM في 1996.

نعم، لعبت مباريات ضدّ كمبيوتر IBM ببعض التّهور لأنّه لم يكن لديّ فكرة عن “ديب بلو”، كما أنّ جولاته الأولى المصمّمة لم تكن مناسبة لي. كان عليّ أن أتكيّف مجدّدا للّعب ضدّ خصم لا يُبدي أيّ تغيّرات نفسية أثناء المباراة. إذن، أصبح التّحضير المسبق للمباريات ضرورة مهمّة.

“إذا لم تستطع هزيمة هذه الآلات، فلتنضمّ إليها !”، هذا ما تعلّمته بعد أوّل مباراة. كنتُ أوّل من استعمل قاعدة بيانات وأوّل من اعتمد جهاز كمبيوتر للتّحضير للمباريات في المنزل. أمّا الآن، يكاد الأمر لا يُصدّق! أصبحنا نعرف عن كلّ مباراة مهمّة لُعبت في جميع أنحاء العالم، إذ أنّها تُرفع مباشرة إلى الإنترنت. قد يقول البعض أنّ هذا سيقتل الإبداع، لكنّني أقول العكس، أنّ كلّ هذا يعزّزه ويدفعك إلى أن تصبح أكثر إبداعًا، وأن تطوّر من ذخيرة معرفتك ومهاراتك بشكلٍ يوميّ.

وهل يقلقك هذا التّطور التكنولوجي الذي لا يتوقّف؟

انظر، إنّ الفرق بين برمجيّة شطرنج تشتريها وتثبّتها على جهازك، وبين ماغنوسكارلسن، بطل الشّطرنج العالميّ الحاليّ شبيه بالفرق بين يوسين بولت** وبين سيارة فيراري، لأنّه ليس هناك مجالٌ للتّفوق على هذه الآلات، وأعتقد أنّ هذا عظيم. إذ يفترض بالإنسان أن يصنع هذه الآلات ويطوّرها، وليس أن يتنافس معها. وإلى الآن، لا تزال الآلات بحاجةٍ إلينا، ولعلّنا قريبًا سنصبح مجرّد رعاةٍ ندفع قطيع الخوارزميّات الذّكية هذه إلى الاتجاه الصّحيح. لكنّني أعتقد أنّنا سنسير بحتميّة إلى أن تتجاوز الآلات مرحلة التّطور، وتبدأ بالتّحكم بنا.

المصدر: The Talks

الهوامش:

(*)الأستاذ الكبير: أستاذ دولي كبير ‏ هو أكبر لقب يحمله لاعب شطرنج ويمنحه الاتحاد الدولي للشطرنج مدى الحياة لمن يستوفي الشروط اللازمة

(**): يوسن بولت: عدّاء جامايكي صاحب رقمٍ قياسيّ عالميّ في سباقات المئة متر، وأطلق عليه لقب “البرق بولت”، و”أسرع إنسان في التّاريخ”.

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً