وداعا “تنين” برشلونة.

“افتتاني بالتنين يعود إلى زمن بعيد. برشلونة مدينة تنانين، تزيّن أو تحرس العديد من واجهاتها، وأخشى أنني الآن واحد منهم. ربما هذا التضامن مع الوحش الصغير هو السبب الذي جعلني أجمعهم وأحميهم في منزلي لسنوات، مما يجعله مخبأ مناسباً. يكشف تعدادي الأخير أنه لدي أكثر من 400 مخلوق مرتبط بالتنين وأن العدد يتزايد كل شهر. بالإضافة إلى أنني ولدت في عام التنين، لدي الكثير من القواسم المشتركة مع هذه الوحوش الخضراء التي تتنفس النار. نحن مخلوقات الليل، ولسنا اجتماعيين، ونكره الفرسان المتجولين ويصعب التعرف علينا”*. هكذا عرَّفت بنفسك ذات تدوين؛ ابن برشلونة الذي لم يحدَّ عن الأسطورة التي تربط المدينة بالتنانين، فصرتَ واحدًا منهم.

تقول الأسطورة الكتالانية أن فارسا يدعى “سانت جورج” دخل في قتال شديد مع أحد تنانين المدينة الشرسين حينما أراد أن يأخذ ابنة الملك قربانا له، فأرداه قتيلا بعد أن غرز سهما في صدره. ويُقال أن دم التنين حين تدفق غزيرا انبعثت منه وردة حمراء، وردة قدمها البطل لابنة الملك كعربون محبة. تماما مثلما تدفق حبرك غزيرا فانبعثت منه روايات أسطورية ستُخلِّد اسم كارلوس زافون “التنين” على صفحات الأدب؛ قبل أن يرديك سهم المرض قتيلا فجأة دون سابق انذار صبيحة ذات جمعة من شهر جوان، السرطان كان سهمَ سان جورج عليك ، لكنه أقسى، فذاك قتل التنين لانقاذ ابنة الملك، وهذا قتل عديد الأرواح التي تسكن حكاياتك وقلما مبدعا سيفتقده الأدب العالمي وما أحوجه هو لأقلام كهذه وأغلق عليك سراديب مقبرتك للكتب المنسية لكنها لن تبقى منسية من بعدك.

هكذا أظلمت وادلهمت فوق شوارع برشلونة سماوات من رماد؛ والشمس التي انصبت مثل اكليل نحاسي سائل على شوارع لوس أنجلوس اختفت وبهت بريقها خلف غيوم الحزن التي حلت صباح الجمعة كثيفةً محملة بأسى شديد.

فكما هي سنة الحياة دوما؛ الجميلون؛ المبدعون يثيرون شهية الموت .. فارقتنا مبكرا جدا زافون ؛ هل كنت تقصد نفسك حين كتبت على لسان نوريا مونفورت رسالتها الأخيرة ل دانيال سمبيري؟ : “نحن نستمر في الحياة في ذاكرة من يحبنا، أذكرني دومًا يا دانيال حتى لو في سرّك، في إحدى زوايا قلبك، حافظ عليّ في قلبك إلى الأبد” أحقًا أُغلقت مقبرة الكتب المنسية إلى الأبد ؟ ولن نرى قصصا جديدة ل فيرمين روميرو دي توريس .. دانيال سيمبيري .. خوليان كراكس .. آليثيا غريس .. بياتريس آغيلار .. دافيد مارتين .. إيزابيلا .. هذه الشخصيات التي خلقتها كإله فعشنا معها أقدارها كبشر يشبهوننا لا كشخصيات من حبر وورق حتى أن لهم مشاعرهم الخاصة فهي أيضًا تنعيك بعدما أغلقت باب المقبرة الذي يحمل مقبضه شكل ملاك، هذا الملاك الذي أرجعك اليوم إلى موطنك الذي كنت تنسج لنا منه حكاياتك .. منزل السحاب .. فوق الغيم فأمثالك يلامسون سقف السماء ولا يطئون سطح الأرض إلا بما هو أثيري وعريق من حبر و ورق وأفكار ..

ألم تقل بأن “الحياة ترزق الناس العاديين أولاداً، فيما ننجب نحن الأدباء كتباً ” ظل الريح .. لعبة الملاك .. سجين السماء .. متاهة الأرواح .. “كل كتاب تعيش فيه روح ما، روح من ألفه، وأرواح من قرأوه، وعاشوا، وحلموا بفضله” تراك تدرك أي إرثٍ تركته ؟ وأي أثرٍ خلفته؟ سيبقى رحيلك ندبة على جبهة الأدب لا تُمحى ما دامت هذه الصفحات تُقرأ..

بالنسبة لنا نحن القراء العرب؛ من يستحق العزاء الأكبر هو صديقك الذي لم تلتق به سوى بين ورق ولغة، “معاوية عبدالمجيد” الذي نقل لنا رباعيتك الخالدة بروحك وخفة دمك حتى لنحسب أنكما كتبتما من ذات المحبرة، هو الذي نعاك بقوله : “زافون الذي رسم برشلونة طولا وعرضا، وقدس الكتب وباعة الكتب وقدم لنا أعمالا روائية لا تنسى، غصة كبيرة ولوعة ملايين القراء عبر العالم لم تكن متوقعة لكنها تناسب عوالمك الأسطورية أستاذي ومعلمي وملهمي.. كارلوس زافون.. وداعا “

أترى أي حزن تركته؟ زافون أنت لم تغادرنا، أنت خالد للأبد بين حكايات عائلة سيمبيري، بين آمال ايزبيلا المراهقة و تخيلات مارتين و خفة دم فيرمين بنكته الوجودية والبذيئة وشفافيته بالمقابل كأنه مرآة لما هو كامن فينا ؛ بين أحلام خوليان و متاهات المقبرة .. مقبرة الكتب المنسية التي ستُبقى أبوابها مُشرعةً في شارع لاس رامبلاس الذي منه إبتدأت الحكاية والمتاهة ومنه فَتحت متاهات جديدة لن تفنى برحيلك .

أنت الذي سردت لنا حكايا غلب فيها جانب الإثارة والغموض على القضايا السياسية ببراعة، فعشنا أجواء اسبانيا الفرانكوية وكشفت لنا أسرار برشلونة على طريقة أوجين سو الكاتب الفرنسي. وجعلت من هذه المدينة العتيقة محبوبتك تماما كما لندن عند ديكنز رغم أنك وصفت برشلونة مرارا ب “مدينة الملعونين” إلا أن أبطال رواياتك ما لبثوا يحاولون إعادة بنائها وإحياء ذكرياتها.

برشلونة التي قلت عنها أنها “شخصية في حد ذاتها”، غادرتَ العالم قبل أن تعود إليها، كيف أمكنك التخلي عن شخصيتك الرئيسية هكذا ببساطة، ألم تدعُنا كثيرا لزيارتها؟ كيف نزور حدائقها، شوارعها، ومكتباتها وبناياتها الغريبة ومقابرها -التي لن تحتضن جسدك- وقد رحل آخر تنانينها؟

ألم تهمس لنا من بين صفحات الكتاب أن “الجسدُ الذي رقد في تلك الحفرة كان جزءًا منهُ فقط. أما رُوحه فتسكنُ في الحكايات التي قَصّها “ ؟ أم تراك نسيت أنك قلت لنا “ بأننا موجودون طالما يتذكرنا أحد ما” نطمئنك ونقول لك بأن ذاكرة برشلونة التي رسمتها ستبقى حاضرة في أذهاننا وستلاحقنا دائما بقصصها التي نسجتها بنفسك ..

* من الموقع الرسمي للكاتب.

الصورة الافتراضية
بوخالفي بشرى
طالبة صيدلة، مهتمة بالأدب العالمي، الفلسفة والترجمة.
المقالات: 22

اترك ردّاً