تجاربنا مع الحزن تختلف كاختلاف بصمات أصابعنا.

“من أجل الأحياء والأموات يجب أن نستشعر أحزان بعضنا البعض”

-إيلي فيزيل

إن كلًّا منا يحزن بطريقة فريدة تميزه عن الآخرين تماماً مثلما تختلف بصمات أصابعنا. لكن النقطة التي يشترك فيها الجميع هي أنهم بغض النظر عن الطريقة التي يحزنون بها، فإنهم يتشاركون الحاجة لأن يشهد الآخرون حزنهم. هذا لا يعني الحاجة إلى شخص ليقلّل من حزنهم أو ليغير من طريقتهم في عيش حالة الحزن. إنما الحاجة لشخص ما بأن يقدر تماماً حجم خسارتهم دون أن يحاول الإشارة إلى الجانب المضيء من الأمر. هذه الحاجة متجذرة فينا، لأن عواطفنا تربطنا ببعضنا البعض، وهذه الروابط هي مفتاح نجاتنا.

منذ لحظة ولادتنا، ندرك بأننا لسنا وحيدين. فأدمغتنا مزودة بخلايا عصبية مرآتية، ولهذا عندما تبتسم الأم، يرد الطفل لها الابتسامة. ويستمر هذا حتى سن البلوغ. أتذكر وأنا أمشي في الشارع ذات يوم عندما قال لي أحدهم: “مرحباً/هاودي” وأنا لست عادة ممن يستخدم هذه الكلمة، لكن رددت التحية له “هاودي” بشكل عفوي. هذا أكثر من مجرد استنساخ لتعبيرات بعضنا البعض. بل هو عن العواطف الكامنة في هذه التعبيرات.

تمكن الخلايا العصبية المرآتية الأم والطفل من الاستجابة لعواطف بعضهم البعض. إن الدكتور ادوارد ترونك هو جزء من فريق علم النفس الذي صنع فيديو قصير حول ما يحدث عندما لا يشعر الأطفال بأن عواطفهم منعكسة ومفهومة بالنسبة للناس من حولهم. أولاً نرى طفلاً رضيعاً في الشهر العاشر من عمره يجلس على كرسي عالي، عيناه على اتساعهما ومثبتة بفرح على ابتسامة أُمه. يستجيب الرضيع وأمه لعواطف بعضهم البعض، الأول يضحك، فتضحك الأم، يشير الطفل وتنظر الأم في الاتجاه الذي يشير إليه الطفل. لكن لاحقاً حسب تعليمات الباحثين، تشيح الأم بنظرها، وعندما تعود بنظرها إلى الطفل، يكون هناك تعبير جامد على وجهها. يفعل الطفل المرتبك أي شيء ليحصل على رد فعل منها. فيبكي ويصرخ بحزن.

وهذا مستوى فطري من اللاوعي بأنهم بحاجة إلى الآخرين للنجاة. اذا كانت نجاتهم تعتمد على شخص آخر غير قادر على أن يكون حاضراً معهم بكل جوارحه، فإنهم يعانون. الشيء ذاته ينطبق على الراشدين. إذا كانوا في حالة حزن، فهم بحاجة لأن يشعروا بأن حزنهم معترف به ومنعكس على الآخرين. لكن بالنسبة لعالم في قمة انشغاله، فإن الحزن قد تم التقليل من شأنه وفقد معناه. إذ تحصل على إجازة من العمل لمدة 3 أيام حين يتوفى لك شخص، ثم يتوقع الجميع منك أن تمضي قدماً في حياتك وكأن شيئاً لم يكن.

هنالك فرص أقل وأقل للآخرين بأن يشهدوا ألمك، مما يسبب الشعور بالعزلة.كنت أتجول في أستراليا حين التقيت بباحثة أخبرتني عن العمل الذي كانت تقوم به وهو دراسة طريقة العيش في القرى الشمالية المحلية في استراليا. أخبرها أحد القرويين بأن في الليلة التي يتوفى فيها أحدهم، يُخرج جميع من في القرية قطعة أثاث أو شيئا آخر إلى الفناء. في اليوم التالي، حين تستيقظ العائلة المنكوبة وتنظر إلى الخارج، ترى بأن كل شيء قد تغير منذ وفاة ذلك الشخص -ليس بالنسبة لهم فحسب ولكن بالنسبة للجميع. هذه هي الطريقة التي تشهد وتستجيب بها هذه المجتمعات للحزن. إذ يُظهرون بطريقة محسوسة أن وفاة شخص ما أمر مهم. حيث يكون إحساس الشخص بالفقد أمراً واضحاً بالنسبة للآخرين.

في هذا البلد أيضاً، كان أمراً شائعاً بأن نقف معاً كمجتمع لنشهد الحزن الذي يخيم عند وفاة شخص محبوب. لكن في ثقافتنا الحالية، يوضع الحداد ليشعر الشخص بأنه بالرغم من أن عالمه قد تداعى، فإن عالم الآخرين مستمر وكأن شيئاً لم يكن. هنالك عدد قليل جداً من الطقوس لإحياء ذكرى الحداد، والقليل جداً من الوقت المخصص له.

ينبغي على الحزن أن يوحِّدنا، إنه تجربة عالمية. إذا كنت أتحدَّث مع شخصٍ لديه اعتلالٌ جسدي، يمكنني الاستماع والتعاطف، ولكنني قد لا أعيش تلك المشكلة بعينها إطلاقا. حينما أكون مع شخصٍ مات أحدُ أحبائه، أعلم أنني سأكون في مكانه يومًا وأحاول أن أفهم مشاعره. ليس لأغيرها، بل فقط للإحاطة بها بالكامل. أشعرُ بامتيازٍ ما عندما يشاركُني أحدهم حزنه وألمه. يمكن لفعل شهادةِ ضعفِ شخصٍ ما أن يخرجه من العزلة إذا تمت الشهادة دون إصدار أحكام.

إن الحزن هو ما يجري بداخلنا بينما الحِدادُ هو ما نفعله في الخارج.

في أحايين كثيرة قد يقترح الغرباء بنيَّة حسنةٍ على الشخص المحزون بأنه أوانُ المُضيِّ قُدُمًا، معانقة الحياة، وترك الحزن. ولكنَّ الحزن يجب ألا يكون موضع حُكم. أولئك الذين يفهمون ما تمرُّ به لن يحكموا عليك أبدا أو يعتقدوا بأن حزنك  مُهوَّلٌ أو مُطَوَّلٌ جدا. إن الحزن هو ما يجري بداخلنا بينما الحدادُ هو ما نفعله في الخارج.  الحزن في جوهره هو عملية معالجة ورحلة. ليس لديها أبعادٌ محددة ولا تنتهي في تاريخ معين.

حينما يسألني الناس إلى متى سيحزنون، أسألهم: “إلى متى سيظل محبوبكم ميتا؟ هذه هي المدة. لا أعني أنكم ستتألمون إلى الأبد. ولكنكم لن تنسوا ذلك الشخص أبدا، لن تكونوا قادرين أبدًا على ملء ذلك الفراغ الفريد الذي خُلِّفَ في قلوبكم. يوجد ما أطلقُ عليه اسم خرافة السنة الواحدة- أي أن علينا أن نكون قد أكملنا وانتهينا من كل الحزن في سنة واحدة. وهذا لا يمتُّ للصحة بصلة. في السنة الأولى من فقدك، المرجح أن تكون في حدادٍ وتحزن بشدَّة. بعد ذلك، من المحتمل أن يتذبذب حزنك. سيبدو أنه يقلّ، ثمَّ سيثيره شيء ما، وستجد نفسك مجدَّدًا في كامل ألم الفقد. مع مرور الوقت ستتأذى بشكلٍ أقلٍّ في كثير من الأحيان وبشدَّةٍ أقل. ولكنه سيكون هناك دائما.”

هذا هو القدْر الذي يمكنني الوصول إليه من التحديد في الإجابة على هذا السؤال. على قدر فضفاضيتها، مازالت لا تغطي كل الاحتمالات. على مرِّ سنوات عديدة من العمل على الحزن، أدركتُ أنني لو رأيتُ شخصًا حزِنًا، فإنني أكون قد رأيت هذا الشخص فقط في حالة حزن. لا يمكنني أن أقارن محزونًا بآخر، حتى لو كانا في نفس العائلة. تبكي شقيقة ما كثيرًا ولا تفعل الأخرى. ابنٌ ما غير محصَّن وهشٍّ. والآخر يريد فقط المُضيَّ قُدُمًا. بعضُ النَّاسِ معبِّرُّون .ويُحجم الآخرون عن مشاعرهم. البعض يمتلكون مشاعر أكثر، والبعض الآخر يمتلكون مشاعر أقل. البعض أكثرُ إنتاجية وعمليَّةً في أسلوب حزنهم. لديهم عقلية “استعدَّ وامضِ قُدُمًا”. يمكن أن نعتقد خطأًً بأن الأشخاص الذين لا يظهرون أيَّ علامات مرئية للألم ينبغي أن يذهبوا لمجموعة معالجة حزن، أن يكونوا على اتصال بمشاعرهم ويشاركونها. لكن إن لم يكن هذا هو أسلوبهم في الحياة، فلن يكون كذلك في الحزن أيضا، ينبغي أن يخْبُرُوا الفقد على طريقتهم الخاصة. لن يكون اقتراح طرقٍ أخرى مخالفةٍ مساعدًا لهم.

في عالمنا المعاصر، كثيرًا ما يكون حزننا مشهودًا على الانترنت، عندما أنشر اقتباسات عن الحزن على مواقع التواصل الاجتماعي، ألاحظ أنواعا مختلفة من الاستجابات. إذا نشرتُ اقتباسات مفعمة بالأمل ومتفائلة عن التعافي، فإنها تمنح أملاً للعديد من الأشخاص، ولكن لا يتردد صداها على آخرين. لا يكون أولئك القابعون في مكان مظلم مستعدين للسماع عن الأمل، غالبًا لأنهم يكونون في بداية معالجتهم للحزن وحزنهم أبلغُ من أن يأذن لأيٍّ من المشاعر الأخرى. هم فقط يريدون لظُلمةِ حزنهم أن تكون مرئية ومُعترَفًا بها. دموعهم هي برهان حبِّهم، دليلٌ على أنَّ الشخص الذي مات هو شخصٌّ يهمهم أمره عميقًا. إذا نشرتُ شيئًا مثل: “يبدو الألم اليوم كما لو أنه لن ينتهي أبدا” أو “يبدو الحزن كسحابة مظلمة تغطي السماء بأكملها”، فسيتردد صدى هذا عليهم. إنها تعكس مشاعرهم وتُصادِق عليها، والذي يمكن أن يكون أكثر عزاءً من محاولة إيجاد شيء إيجابيٍّ في الوضع.

يحزن البعض بالظلام، البعض الآخر بالنور، والبعض بكليهما، يتعلق الأمر بمكان وجودهم في دائرة الحزن. سيكون من الخطأ استنتاج أن أحدهما أفضل من الآخر أو أن هناك طريقة صحيحة للحزن. هناك طرق عدة للحزن، مشاعر مختلفة يستدعيها فُقدان شخص عزيز. ينطبق هذا على علاقتنا بالأمل أيضا. يمكن أن يكون الأمل مثل الأكسجين لمن هم حزِنون. أما بالنسبة لآخرين، خاصة في المراحل المبكرة، يمكن أن يبدو بأنه مبطلٌ لمشاعرهم. “كيف تجرؤ أن تطلب مني الشعور بالأمل وأنا حزِنٌ… عن ماذا؟ هل تحتاجني أن آمل حتى أجعلك تشعر براحة أكبر؟ “

للأمل علاقة وطيدة بالمعنى. بنفس الطريقة التي يتغير فيها معنانا، كذلك يفعل الأمل. أحيانا عندما أعمل مع شخص عالق في الحزن، أقول له، “يبدو أن الأمل قد مات مع محبوبك. يبدو أن كل شيء قد فُقِد”. تتغير ملامحهم على نحو مفاجئ: “نعم، هذا هو.”

يشعرون بشهود حزنهم. كثيرا ما أقول، “إن وفاة شخص عزيز أمر دائم، وهو مفجع للغاية. لكن أعتقد أن فقدانك للأمل يمكن أن يكون مؤقتا. إلى أن تتمكن من العثور عليه، سأحتفظ به من أجلك. لدي أمل لك. لا أريد أن أبطل مشاعرك كما هي، لكنني لا أريد أيضا أن أعطي الموت قوة أكبر مما لديه بالفعل. الموت ينهي الحياة، ولكن ليس علاقتنا، حبنا، أو أملنا”.

أحيانا أقابل شخصا حزِنا، يخبرني أن أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء قال شيئا فظيعا – والذي غالبا ما يتبين أنه نوع من “الوقت يشفي الجميع” أو “كن سعيدا أن محبوبك في سلام الآن”. مثل هذه العبارات يمكن أن تجعل الفاقد يعتقد أن مشاعره لم يتم شهودها. يريد معظمنا أن يقول شيئا مفيدا، ولكن قد لا ندرك أن توقيتنا وتوصيلنا خاطئان. إذا كان الحزِن بحاجة إلى البقاء في مكان مظلم لفترة من الوقت، فإن محاولة تقديم نوع من التشجيع المبهج سيكون مؤلما للغاية. يجب أن نرى حقا الشخص الذي نحاول أن نريحه. يمكن للخسارة أن تصبح ذات معنى – وأكثر احتمالا – عندما تنعكس، وتنعكس بدقة، في عيون الآخرين.

علينا أن نتذكر أيضا أن أفكارنا حول الشخص الذي مات لا علاقة لها بالموضوع. ربما نعتقد أن والدة صديقنا كانت شنيعة لدرجة أنها لم تستحق أن يُحزن عليها. أو نعلم أن زوج أختنا لم يكن مخلصا ونتساءل لماذا تبكي على موته. ما نعتقده ليس له علاقة إطلاقا بمشاعر أولئك الذين يحزِنون عليهم، ولن يشعروا بالارتياح عندما يسمعوننا ننتقد أحباءهم على أنهم لا يستحقون حزنهم.

غالبًا ما يعلق الأشخاص الذين هم في حداد لفقدان حيواناتهم الأليفة على قلة فهم الناس لحزنهم. في الأشهر التي أعقبت وفاة ابني، عانى أحد أصدقائي الأعزاء من فقدانه الخاص. مات كلبه المحبوب وهو في السادسة عشرة من عمره. عندما اتصلت به للتعبير عن تعازي، فوجئ بها. قال: “خسارتك أسوأ بكثير من خسارتي”. لم أستطع رؤية دموعه أو أعتقد أن خسارته كانت أقل إيلاما أو ذات مغزى من خسارتي. كل فقدان له معنى، وكل فقدان يجب أن يليه حزنه – وأن يُشهد. لدي قاعدة بشأن فقدان الحيوانات الأليفة. “إذا كان الحب حقيقيا، فإن الحزن حقيقي”. الحزن الذي يأتي مع الخسارة هو الطريقة التي نختبر بها أعماق حبنا، والحب يتخذ أشكالاً عديدة في هذه الحياة.

المقال الأصلي: هنا.

الصورة الافتراضية
Samah Salah
المقالات: 0

اترك ردّاً