الموت رياح تنطفئ.

الموت ليس فلسفة منعدمة من إجابات لا طائل في تحقيق أمرها؛ ولا متخلق بكاهن جدير بالثقة يُقرِع بطبول عن قدوم غير آجل. وليس أيضاً اهتداء غامض يبعث لأريحية مُطمئنة، تحقق مكاسب لا يُنظر لأمرها حين قدومه.

الموت ما هو إلا مولد للحياة؛ يُجليها لأجيال تحمل إرث السابقون في حملته، وكأنه يُفضي إلينا أنه يهب لنا على حين غرة مع كل مرتحل عن الدنيا وافِد جديد بقدوم مولد منتظر ومن لا يزال يتلق الدعم في مهد طفولته.

أتسائل حيناً لِما لا يكون الموت معياراً للحياة؛ وليس كما يعتقد البعض بأنه في منافسة معها وأسبقية الحسم تكون فى كفه لفروغه من الدلالات عن التنبؤ به؛ فهو قد يخطف مولداً منتظراً أو شاباً لا يزال في طياش مضاربته للإدراك.

الجميع مخطئ في ظنه بأن الموت لا يورث سوي المكالب في الأحزان، ومخطئ أيضاً حين يحيز عن قدومه لقريب به بأنه لا سعي أمامه سوي إعلان الاستسلام.

في ظني أنني لستُ بحاجة لمواجهته؛ لأنني من أواجُه.. في كل صباح أستيقظ من بعثاته، على أملٍ وثيق، بأن أحقق شيئاً، لا ألوم عنه من فواتير سداد استحقاق ما كان مُستهلكاً في اليوم. والمواجهة تكرر مع كل شهيق وزفير ألحقه في رصيد عمري، الذي يُهدده من أؤتمر على قبض الأرواح. فللموت موعد واحد، لا يعلمه الكثيرون، حينما يُبدي أحداً ما عن جدوى بقائه!

وفي أحقية التحليل عن مفاد كل قدمناه؛ نُريد أن نزعُم أولاً بتساؤل أحرى بأن يكون، هل يُسمح بأن نختار ألا نموت؟!

لكني لن أجيب بتوهج في بكيرة، سأريك أولاً كيف يمكن للأمر أن يكون ولو على سبيل ضمني…

ليس هناك من ازدواجية في الطرح حينما أبدي لك أنه يوجد حياتين لكل مرء يجب أن يحظى بهما معاً، وليس كما يسير بالأقاويل بأن هذا الرجل قد ظفر بالآخرة وذاك بالدنيا؛ ويجب أن تعلم أيضاً أنه من الممكن أن تهدرهما في لمحة من الكفر وغمضة من السهو في التساؤل عن جدوى بقائك. ومن هذا الأخير يوجد مساكين كُثر، ينحرون أنفسهم بأيديهم لحظة تلو الأخرى، لأجل تعلق بآمال لحياة أخري لم تُفرز لهما في مُجمل حياتهما ولو كانت تِلك الآمال متعلقة بحياة زائفة؛ ويدعون ذلك بالانتحار، أو رمي بالنفس للهلاك، شاء صاحب التسمية ما سُمي؛ لكن ذلك ليس سوي مفر للهروب. وكيف ذلك…

هاجس الخوف من الموت لم يعُد له وقع كما كان، بل أصبح لا يخشاه الفاجر، والأولي بذلك البار، لكن دعونا نضفي نحو واقع حديث المولد يصاحبه مرض ليس بجديد يلتهم العالم بأشد الفتك لسكانيه…

تشير معظم التقارير والدراسات أن كل عام ما يفوق الثمانمائة ألف يهربون نحو الموت من دواعي الاكتئاب وما قوبلوا من حادثة صادمة أو مكابد دفعتهم نحو تحقيق انتحار مما سيفسر عما قريب عن مليون حالة كل عام؛ وأصبح العالم ينعى وفقط بأشد الأسف عن عملية انتحار ناجحة ومرصودة في غضون كل أربعون ثانية! لذلك سيستمر الوضع بسقوط حلقة تلو الأخرى كي يبدوا جميعها حلقات مفرغة لا تُعد ولا تُحصي بعد انقضاء حِسبة من الأعوام!

وللناظر بأن يتمني أن يوجد أحد علاج لكل ذلك أو على أقل القليل أن تسعي الحكومات لبث توعية أو ما شابة؛ لكن السعي وراء من أراد الإنهاء لا يُؤخره من كان السبب في نمو جروحه! فتظل الأسرة راقدة بأسهم النظر لرضيعها البائس، لتؤنبه وتستجيره للخنوع طواعية لأمرها؛ دون أن تبحث عن مفاد ما وصل إليه! أوليس المنتحر من دفعه لجرمه بيئته وعوالمه المحيطة؛ أم أنه أصبح فجأة لا يقتدر على الحِراك، جميعناً ننعى بعدما يقع، دونما أن نوقِع بوسيلة انتحاره الذي نراها بُعداً عن دفعها عن عبث سواعده. وللموت ركيزة أساسية فيمن يطلبه؛ في أنه يجعل الجميع يبدون أسفاً عليه، إلا أنه يزيدهم الموت حيرة في قدوم كُل مولِد جديد.

وبالشطر الأخير.. عن الذي يُمنح له في أن يختار ألا يموت، هو الذي فقط من يصارع الموت بالحياة. لأنه وببسطاته هذا العالم الذي أعتاد عليه الناس ليس سوي مناخ مليء بالأكاذيب.. ولا ينعون فقط سوي ما قدمه غيرهم، ولو أنهم قد نعوا ما قدموه لصارعوا الموت بالحياة.. وهكذا يمكن إحقاق القول بأن الموت رياح تنطفئ بما نُريد أن نقدمه حقاً ويتعاش على إرثه الباقين!

الصورة الافتراضية
Mohamed Ali
المقالات: 0

اترك ردّاً