هل أصبح الاستماع فنا مفقودا؟

إنّ المستمعين السيّئين ليسوا بالضرورة أشخاصًا سيئين. من المحتمل أنّ يكون لديك صديقٌ مقرّبٌ، فردٌ من العائلة، أو ربما شريكٌ رومانسيٌّ يُعَدّ مستمعاً مُريعاً. ربّما أنت نفسك لست أفضل مستمع. وقد تكون معذورا، لأنّك وبطرق عديدة قد كُيِّفت على عدم الاستماع. فكر رجوعاً إلى الماضي عندما كنت طفلاً صغيراً. إذا قال أحد والديك “استمع إلي” (ربّما يكون ممسكاً بك بقوة من كتفيك)، بدون أدنى شك لم تكن لتحب ما سيلي. أو عندما يقول معلمك، مدرب الدوري الصغير، أو مستشار المخيم “استمعوا” فما يلي يكون عادةً مجموعة من القواعد والتعليمات والتقييدات لمتعتك.

وبالتأكيد أن مزايا الاستماع لم تُعزَّز عبر الإعلام أو الثقافة الشعبيّة. حيث أنّ نشرات الأخبار وبرامج الأحد الحوارية تعرض المباريات أو التّمارين بطريقة قمعية للآراء بدلاً من الجلسات النقاشيّة المحترمة لاستكشاف وجهات النّظر المختلفة. كما أنّ البرامج الحواريّة التي تُعرض في وقت متأخر من الليل غالباً ما تميل نحو الحوارات الذاتيّة والنكات بدلاً من الاستماع إلى آراء الضيوف وتشجيع التّوسع لتجاوز التفاهة والسطحيّة. وبالنسبة لبرامج الصباح والنهار، فإنّ المقابلات عادةً ما تكون معدّة ومصمّمة من قبل الصحافيين ومستشاري العلاقات العامّة حيث يتحدّث الجمهور والضيف بالضرورة سطوراً معدّة مسبقاً بدلاً من تبادل حوار حقيقي.

كما أنّ المشهد الدرامي للمحادثة على التلفاز وفي الأفلام على نفس الشاكلة، إذ أنّها غالباً ما تميل لأن تكون خطابيّة وأحاديث فرديّة أكثر منها أحاديث متبادلة، سلسة ومفصلة. أُشيد بكاتب السيناريو آرسون سوركن على سبيل المثال بصفته سيد الحوار. فكّر بالمزاح الذي يحبس الأنفاس والتبارز اللّفظي لشخصياته في “الجناح الغربي، بضعة رجال جيدين” و “الشبكة الاِجتماعيّة.”، إنّ مشاهد الحوار المرافقة للمشي والمواجهات الملحميّة في الكتاب، والتي لها ما لايحصى من التصنيفات على اليوتيوب، من الممتع مشاهدتها. هي مليئة بالسطور العظيمة – “لا يمكنك تقبّل الحقيقة!” لكنّها ليست إرشاديّة حول كيفيّة الاستماع حتّى تحظى بمحادثة ذات استجابة متبادلة وفائدة.كل هذا، بالطبع، في التّقاليد العظيمة للاستعراض الحواري الذي يعود تاريخه إلى الغونكين راوند تيبل(طاولة الغونكين المستديرة) – وهم مجموعة من الكتّاب والنّقاد والممثلين في عشرينات القرن الماضي، كانوا يلتقون يوميا على الغداء في فندق الغونكين في مانهاتن لتبادل التّعليقات الساخرة والطرائف والتلاعب بالألفاظ. إذ أنّ روحهم التنافسيّة وسرعة بديهتهم -والتي نُشرت في صحف رئيسيّة في ذلك الحين- أسرت البلاد ويمكن القول بأنّها لا تزال تعرف المحادثة الذكيّة في الخيال الشعبي.

كانوا فقط بانتظار فرصة، بانتظار شخص ما أن يلتقط نفَسًا، حتى يتمكنوا من إطلاق العنان لانفعالاتهم اللّفظيّة.

ومع ذلك، فإنّ العديد من الأعضاء المنتظمين في راوند تيبل كانوا أشخاصاً مكتئبين ووحيدين بشدّة، بالرّغم من أنّهم جزء من مجموعة حيوّية تلتقي كل يوم تقريباً. على سبيل المثال، أقدم الكاتب دوروثي باركر على ثلاث محاولات للانتحار، أمّا الناقد المسرحي أليكساندر وولكوت الذي كانت تسيطر عليه مشاعر احتقار الذات بشدّة، قال قبل وفاته بوقت قصير بسبب أزمة قلبيّة: “لم يكن لدي أبداً ما أقوله” لكن بعد كل هذا، هي لم تكن مجموعة حيث يستمع الأشخاص لبعضهم البعض. لم يكونوا يحاولون حقًّا التّواصل مع بعضهم حول الطاولة. كانوا فقط بانتظار فرصة، بانتظار شخصٍ ما أن يلتقط نفَسًا، حتّى يتمكنوا من إطلاق العنان لاِنفعالاتهم اللّفظيّة. قالت دوروثي باركر في سنواتها اللاّحقة الأكثر تأملاً “راوند تيبل كان عبارة عن مجموعة كبيرة من الأشخاص يلقون النكات ويخبرون بعضهم البعض كم أنّهم جيّدون. فقط مجموعة من الأفواه الصاخبة التي تتباهى. يحتفظون بنكاتهم لأيام، بانتظار فرصة لإطلاقها.. لم يكن هنالك صدق في أيٍّ ممّا قالوه. كان اليوم السيء هو يوم تبادل الملاحظات الساخرة لذا لم تكن هنالك حاجة لأي صدق.”

إنّ قادتنا السياسيين كذلك ليسوا مستمعين مثاليين. خذ مشهد جلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي على سبيل المثال، إنّها ليست جلسات استماع أكثر منها مناسبات لأعضاء مجلس الشيوخ لتقديم الموعظة، استغلال، وتوبيخ أو بالأحرى مقاطعة حديث أيٍّ كان غير محظوظ بما يكفي ليظهر أمامهم. من أشهر ميزات نصوص جلسات الاستماع في الكونغرس هو كثرة إدراج الحروف الكبيرة لعبارة “حديث تداخلي” والتي تشير إلى أنّ الجميع يتحدثون مقاطعين بعضهم البعض، والناسخ أو المسجل للجلسة لا يستطيع تمييز ما يقوله الجميع.

والأمر ذاته ينطبق على الاستجواب الأسبوعي لرئيس الوزراء البريطاني من قبل أعضاء البرلمان، فهو أشبه بمسرح كابوكي أكثر منه ممارسة للاستماع. إذ بلغ الاستعراض مبلغاً كبيراً حتّى أنّ الكثير من أعضاء البرلمان توقفوا عن الحضور. صرّح المتحدث باسم مجلس العموم البريطاني جون بيركو للبي بي سي قائلا: ((أعتقد أنّها مشكلة حقيقيّة. عدد من البرلمانيين المخضرمين، غير الخجولين و غير الحساسين على الإطلاق، يقولون: “هذا أمر سيء جداً بأني لن ألعب دوراً، لن أحضر مرّة أخرى، أشعر بالإحراج بسبب هذا الأمر“)).

إنّ الاطّلاع على المحتويات الأكثر شعبيّة على مواقع التّواصل الاجتماعي أو إجراء دراسات استقصائيّة على الإنترنت، يُنظر إليها على أنّها وسائل فعالة ومعتمِدة على بيانات، وبذلك فهي إلى حدٍ كبير الطريقة المعتمدة في الاستماع في القرن الواحد والعشرين

إنّ عامل التبجح مسؤول جزئيّا عن الاضطرابات والانقسامات السياسيّة القائمة في الولايات المتحدة وخارجها، حيث يشعر الناس بفقدان التواصل بشكل متزايد وبكونهم غير مسموعين من قبل النافذين في السلطة. وهذه المشاعر تبدو مبرّرة، حيث أنّ القادة السياسيين ووسائل الإعلام الرئيسيّة، والمراتب العليا من المجتمع كانوا منذهلين من السخط الذي تمخضت عنه نتائج الانتخابات، والذي لوحظ بشدّة إثر فوز الرّئيس دونالد ترامب عام 2016 والتّصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي في السنة ذاتها. فالمصوتون قاموا بما يعادل إلقاء قنبلة انتخابيّة لجذب انتباه القادة. القليل فقط تنبؤوا بذلك.

أثبت التصويت بأّنه بديل ضعيف للاِستماع الحقيقي للنّاس في مجتمعاتهم وفهم واقع حياتهم اليومّية والقيم التي توجه قراراتهم. لو استمع المتنبئون السياسيّون بعناية وجديّة وبشكل موسّع لما كانت نتائج الانتخابات مدعاة للمفاجأة. إنّ البيانات المستقاة من العينات غير التمثيليّة (أي الأشخاص الذين يجيبون على أرقام غير معروفة تظهر على كاشف هويّة المتّصل والذين يجيبون بصراحة عن أسئلة المستطلعين)كانت مشتتة. إذاً أيضاً، كانت تغطية إعلاميّة رمت بثقلها على مواقع التّواصل الاجتماعي لقياس الرّأي العام.

ومع ذلك، فإنّ نشاط وتصويت مواقع التّواصل الاجتماعي يستمر باِعتباره ممثلاً لما يفكّر به “الأشخاص الحقيقيون”. حيث يشكل عاملا السهولة وسرعة الصول على ما يبدو عناصر اجتذاب، فالآن أصبح من المألوف للنّشرات المطبوعة والتلفاز والصحف والمعلقين التلفزيونين الاقتباس من مواقع تويتر وفيسبوك بدلاً من النزول إلى الشّارع واقتباس الأقوال من أفواه أناس حقيقيين. إنّ الاطلاع على المحتويات الأكثر شعبيّة على مواقع التّواصل الاجتماعي أو إجراء دراسات استقصائيّة على الإنترنت ينظر إليها على أنّها وسائل فعالة ومعتمدة على بيانات، وبذلك فإنّ تلك وإلى حدٍ كبير هي الطريقة المعتمدة في الاستماع في القرن الواحد والعشرين من قبل الصحافة، السياسيين، جماعات الضغط، النشطاء وذوي المصالح التجاريّة. لكنّها مشكوك فيها حيث أن نشاط مواقع التواصل الاجتماعي يعكس المجتمع ككل.

كشفت تحريات متكرّرة بأنّ الحسابات المزيفة أو البوتات (برمجيات تقوم بعمل مهام تلقائية على الإنترنت) مسؤولة عن معظم المحتوى. يقدر بأنّ من 15 إلى 60 بالمئة من حسابات مواقع التواصل الاجتماعي لا تعود لأشخاص حقيقيين. فقد أظهرت إحدى الدراسات بأن 20 بالمئة من التغريدات المتعلقة بانتخابات الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 أتت من بوتات.كما كشفت تحريات لحسابات بعض الفنانين الموسيقيين على تويتر من ضمنهم تايلور سويفت، ريانا، جستن بيبر وكيتي بيري بأنّ غالبية عشرات الملايين من متابعيهم كانوا بوتات.

ربمّا أكثر انتشاراً من ذلك على مواقع التّواصل الاجتماعي هم “المتربصون”. وهم الأفراد الذين يقومون بفتح حسابات لمعرفة ما ينشره الآخرون ولكنّهم أنفسهم نادراً ما ينشرون أي شيء. تنص قاعدة الواحد في المائة، أو قاعدة الـ 90-9-1 لثقافة الإنترنت على أنّ 90 في المئة من مستخدمي منصّة معينة عبر الإنترنت (وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات، مواقع الويكي ومواقع الأخبار وما إلى ذلك) يراقبون ولا يشاركون، 9 في المئة يعلّقون أو يساهمون بشكل مقتصد، ونسبة 1 في المئة الضئيلة تصنع معظم المحتوى. في حين أنّ عدد المستخدمين الذين يساهمون قد يختلف _إلى حد ما_ حسب المنصة، أو ربّما عندما يثير شيء خاص المشاعر في الأخبار، تبقى الحقيقة: الصامتون هم الغالبية العظمى.

علاوة على ذلك، يميل المستخدمون الأكثر نشاطًا في وسائل التّواصل الاجتماعي والمعلقون على مواقع الويب إلى أن يكونوا نوعاً خاصاً جدّا _وليس ممثلا_ من نوع الشخصيّة(أ) التي تعتقد أن العالم مخوّل لرأيهم و (ب) لديهم الوقت للتّعبير عنه بشكل روتيني. بطبيعة الحال، فإنّ ما يولد أكبر قدر من الاهتمام والانتباه عبر الإنترنت هو الغضب والانتقادات الحادة والمبالغة. لا تميل المشاركات المحايدة أو الجادّة أو المُقاسة إلى الانتشار أو اقتباسها في وسائل الإعلام. هذا يشوه الحوار ويغير فحوى المحادثات، ويلقي بظلال من الشّك على مدى دقة تتبع المشاعر المعبّر عنها لما قد يقوله النّاس في وجود مستمع حيّ ومنتبه.

للبحث في موضوع أنت لا تستمع، أجريت مقابلات مع أشخاص من جميع الأعمار، الأجناس والشرائح الاجتماعيّة، الخبراء وغير الخبراء حول الاستماع. من بين الأسئلة التي طرحتها كان: “من يستمع إليك؟” تقريبا دون استثناء، ما تلاه كان لحظة توقف، تردد. تمكّن المحظوظون أن يذكروا شخصًا أو اثنين، عادة ما كان يُذكر الزوج أو ربّما أحد الوالدين أو أفضل صديق أو شقيق. لكن الكثيرين قالوا، إذا كانوا صادقين، أنّهم لم يشعروا بأن كان لديهم أيّ شخص استمع إليهم حقًا، حتى أولئك الذين تزوجوا أو ادّعوا وجود شبكة واسعة من الأصدقاء والزملاء. قال آخرون أنّهم تحدثوا مع معالجين، مدربي حياة، ومصفّفي الشعر، وحتى منجمين، أي أنّهم دفعوا مقابل الاستماع إليهم. قال البعض أنّهم ذهبوا إلى راعيهم أو حاخامهم، ولكن في حال وجود أزمة فقط.

لقد كان من غير العادي عدد الأشخاص الذين أخبروني أنّهم اعتبروا أنّ طلب الاستماع إليهم من قبل العائلة أو الأصدقاء عِبءٌ، ليس فقط حول مشاكلهم ولكن حول أي شيء أكثر أهمية من التفاصيل الاجتماعيّة المعتادة أو المزاح المضحك. أخبرني أحد تجار الطاقات في دالاس أنّه “من الوقاحة” عدم إبقاء المحادثة خفيفة. إذا لم تفعل ذلك، فقد كنت تطلب الكثير من المستمع. قال لي أحد الجراحين في شيكاغو: “كلما كنت قدوة، كلما زاد دورك القيادي، وقلَّ إذنك لتفريغ مخاوفك أو التّحدث عنها.”

القدرة على الاستماع بعناية، مثل القدرة على القراءة بعناية، تتدهور إذا لم تمارسها بما فيه الكفاية.

عندما سُئلوا عمّا إذا كانوا هم أنفسهم مستمعين جيدين، اعترف بكل صراحة العديد من الأشخاص الذين استجوبتهم بأنّهم ليسوا كذلك. قالت لي المديرة التنفيذيّة لمنظمة فنون مسرحيّة في لوس أنجلوس: “إذا استمعت حقًا إلى الأشخاص في حياتي، فسوف أواجه حقيقة أنّني أمقت معظمهم” ولم تكن، إلى حدٍ بعيد، الشخص الوحيد الذي شعر بهذه الطريقة. قال آخرون إنّهم مشغولون للغاية للاستماع أو أنّهم لا يستطيعون تقبّل الإزعاج. واعتبروا أن الرسائل النصيّة أو البريد الإلكتروني أكثر فعاليّة، لأنهّم يتمكنون من تقديم الاهتمام بالقدر الذي يُشعرهم بأنّ الرّسالة تستحقه، يمكنهم تجاهل الرّسالة أو حذفها إذا كانت محرجة أو غير مثيرة للاهتمام. بالنسبة إليهم، كانت المحادثات وجها لوجه مشحونة للغاية. قد يخبرهم شخص بأكثر مما أرادوا معرفته، أو قد لا يعرفون كيفيّة الرّد. كان الاتصال الرّقمي أكثر قابلية للتحكم.

هكذا يتولد المشهد المألوف من حياة القرن الحادي والعشرين — في المقاهي والمطاعم وبيوت القهوة وطاولات العشاء العائليّة، بدلاً من أن يتحدّث النّاس مع بعضهم البعض، ينظرون إلى هواتفهم. أو إذا كانوا يتحدّثون مع بعضهم البعض، يكون الهاتف على الطاولة كما لو أنّه جزء من إعدادات المكان، يتم تناوله على فترات عرضيّة مثل السكين أو الشوكة، مما يشير ضمنيّا إلى أنّ الرفقة الحاليّة لا تنخرط بشكل كافٍ. ونتيجة لذلك، يمكن للنّاس أن يشعروا بوحدة مؤلمة، دون معرفة السبب.

ثم هناك أولئك الذين أخبروني أنّهم مستمعون جيّدون، على الرّغم من أن ادعاءاتهم كانت في الغالب تقوضها حقيقة أنّهم كانوا يتحدثون معي على هواتفهم المحمولة أثناء القيادة. قال محامٍ في هيوستن وهو يرّد على مكالمتي في سيارته أثناء حركة المرور في ساعة الذروة: “أنا مستمع أفضل من معظم النّاس”. “انتظر، انتظر لحظة، لدي مكالمة أخرى.” كان من غير المقنع أيضاً ادعاء الأشخاص الذين قالوا إنّهم مستمعون جيّدون، ثم تمحوروا فورا حول موضوع غير ذي صلة تماما، على سياق كاريكاتور لجريدة The New Yorker ، أين يقول رجل يحمل كوبًا من النبيذ في حفلة كوكتيل، “استمعوا، بينما أقود محادثتنا إلى مجال تخصصي الضيق”. كرّر مستمعون جيّدون آخرون -كما وصفوا أنفسهم- ما قلته للتو كما لو كان فكرة أصلية.

مرة أخرى، هذا لا يعني أنّ الذين يفتقرون لقدرة الاستماع هم بالضرورة أناس سيئون أو غير متحضرين. عندما ينهون جملك نيابة عنك، فإنّهم يعتقدون حقًا أنهم يساعدونك. قد يقاطعونك لأنّهم فكروا في شيء تريد حقًّا معرفته أو أنّهم تذكّروا نكتة مضحكة للغاية بحيث لا يمكن الانتظار لقولها لاحقا. هؤلاء هم الذين يعتقدون بصدق أنّ السماح بحقك في الكلام هو الانتظار بأدب حتى تتوقف شفتاك عن الحركة حتى يتمكّنوا من التّحدث. ربما يومئون بسرعة كبيرة لتمضي قدماً، أو يلقون نظرة خاطفة على ساعاتهم أو هواتفهم، أو يقومون بالنقر برفق على الطاولة، أو بإلقاء نظرة خلفك لمعرفة ما إذا كان هناك شخص آخر يمكن أن يتحدثوا إليه. في ثقافة مليئة بالقلق الوجودي والتسويق الشخصي العدواني، فإنّ الصمت هو التّخلف. الاستماع هو تفويت فرصة لتعزيز علامتك التّجارية وترك بصمتك.

لكن فكّر فيما كان سيحدث لو كنتُ مشغولة بدفتري عندما أجريت مقابلة مع أوليفر ساكس. كان عمودًا قصيرًا، وكل ما احتجته كان بضع إجابات محدودة منه. لم أكن بحاجة إلى الاستماع إليه ليتصيّر شاعراً وهو يتحدث عن مناخ العقل أو وصف تحدي العيش من دون حسّ “الشعور بالاتجاه”. كان بإمكاني مقاطعته وجعله يتحدّث عما أردته فقط. أو، إذا أردت أن أعبّر عن نفسي وأترك انطباعاً، كان بإمكاني القفز لمشاركة أشياء عن حياتي وتجاربي. ولكن بعد ذلك كنت سأعطل التّدفق الطبيعي للمحادثة، وأوقف الحميمية التي بدأت تتكشف، ولخسرت الكثير من فرحة التّفاعل. لم أكن لأحمل، ليومنا هذا، حكمته معي.

لا أحد منّا مستمع جيّد طوال الوقت. إنّه من الطبيعة البشريّة أن يتشتت انتباهك بما يحدث داخل رأسك. يتطلب الاستماع جهدًا. مثل القراءة، قد تختار مراجعة بعض الأشياء بعناية بينما تتخطى أشياء أخرى، حسب الموقف. لكن القدرة على الاستماع بعناية، مثل القدرة على القراءة بعناية، تتدهور إذا لم تمارسها بما فيه الكفاية. إذا بدأت في الاستماع إلى الجميع كما لو كنت تتفحّص العناوين الرئيسيّة على موقع لشائعات المشاهير، فلن تكتشف الشعريّة والحكمة داخل الناس. وأنت تحجب الهدية التي يرغب بها الأشخاص الذين يحبونك، أو يمكنهم أن يحبوك.

من كتاب < أنت لا تستمع> لكايت مورفي. هنا

تدقيق لغوي: بوسيف ميّادة.

الصورة الافتراضية
سماح صلاح
طالبة ترجمة، مهتمة بالأدب وعلم النفس.
المقالات: 36

اترك ردّاً