عالم كيركغارد، الجزء الأول: ما معنى أن تكون موجودا؟

بالنسبة لكيركغارد، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً للفرد هو معنى حياته أو حياتها.

إن عملية تصنيف سورن كيركغارد لهي مهمة صعبة: بالنسبة لبعض القراء فهو فيلسوف، وبالنسبة لآخرين فهو مفكرٌ مسيحي ولاهوتي. وقد كان أيضاً  عالماً نفسيّا حاذقاً وناقداً اجتماعياً شرسا. ولكن فوق كل شيء، كان كيركغارد كاتباً. لقد قضى أغلب سنين شبابه في التنزه حول شقته في كوبنهاغن، مؤلفاً وبصوت عالٍ الجمل التي كان سيعود لكتابتها واقفاً على مكتبه العالي.

لقد كان غزير الإنتاج بشكل فائق، مؤلفاً بمعدل زوجٍ من الكتب كل سنة خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. وبعضُ هذه  الأعمال المستفزة، الغير قابلة للتصنيف والتي تتناول مواضيع فلسفية ودينية، كتبت تحت أسماء عدد من الأسماء المستعارة التي كانت في الغالب تشير إلى شخصيات إنجيلية أو خيالية. والبعض الآخر عبارة عن مجموعات من الخطب الوعظية، التي كتبت خصيصاً لأجل التنوير الروحي للقراء. وجميع هذه الأعمال، كيركغاردية بامتياز، مميزة عن طريق نثره الجميل والمسهب، وحبه للتلاعب بالكلمات والسخرية والتناقضات، ومزيج فريد من السخرية اللاذعة والحساسية العميقة للوضع البشري. وأكثر ما يميزه هو محاولة كيركغارد لمخاطبة قرائه مباشرة وحثهم على التفكّر في حياتهم الخاصة.

لأولئك الذين يسعون لقراءة كيركغارد للمرة الأولى في حياتهم، فالكتاب  القصير المنشور سنة 1843 بعنوان الخوف والرعشة Fear and Trembling هو نقطة بداية جيدة، أو يمكن البدء بشقيقه الأطول قليلاً المعنون المرض حتى الموت  The Sickness Unto Death المنشور سنة 1849. فعلى الرغم من عناوينهم المخيفة، إلا أن هذين الكتابين من أكثر كتب كيركغارد شهرة وإثارة.

ويمكنا الآن البدء بسؤال يقع في قلب الفلسفة الكيركغاردية: ما معنى أن  تكون موجوداً؟ ففي كتابه المنشور سنة 1846 والمعنون قول الفصل في مخطوطة غير علمية – Concluding Unscientific Postscript –الذي يقع في 600 صفحة، مما يجعله واحداً من أطول المخطوطات في العالم- يقترح أن “نتيجة سيل المعلومات الكبير، فإن الناس في زمننا، قد نسوا ما معنى أن يوجدوا”. فعلى الرغم من أن كل شيء يوجد، إلا إنَّه بالنسبة لكيركغارد كلمة “الوجود” تمتلك معناً خاصاً عندما تتناول الحياة البشرية. هذا المعنى ينبثق من حقيقة أننا نملك وعلى الدوام علاقة ما موجهة نحو ذواتنا. فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نكون أكثر أو أقل إدراكا لذواتنا؛ يمكننا أن نتمنى أن نكون شيئا مختلف عما نحن عليه؛ يمكننا أن نثق أو لا نثق، أن نحب أو لا نحب أنفسنا. وحتى أنه قد يمكننا أن نقرِّر ما سنكون عليه في المستقبل.

فبالنسبة لكيركغارد، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً للفرد هو معنى حياته أو حياتها، والذي ينبثق من هذه العلاقة مع الذات.  وبالفعل, هذا هو ما يمكن تسميته بالسؤال الوجودي: فهو ليس مجرد سؤال فكري مجرد يُطرح من قبل الخبراء -من قبل الفلاسفة المتمرسين على سبيل المثال- ولكنه بحق سؤال مهم  لجميع البشر، بطريقة ملحة وعاجلة، لأنه يؤثر وبشكل مباشر على خياراتنا عن كيفية العيش. إن إلحاح كيركغارد على أهمية هذا النوع من الأسئلة قد أدى إلى اعتباره “مؤسس الوجودية”.

عندما يكتب كيركغارد أننا قد “نسينا” ما هو معنى وجودنا، فإنه لا يقصد أننا قد نسينا الإجابة عن هذا السؤال، ولكننا قد نسينا السؤال ذاته. ويرى كيركغارد أن كمية المعرفة – knowledge المتزايدة هي السبب في نسياننا. لا يدعي كيركغارد أن المعرفة شيء سيء، ولكنه يشير إلى أن السعي وراء المعرفة لأجل ذاتها، يمكنه أن يشتتنا عن المسائل الوجودية. وحتى لو توقفنا للتأمل حول  الغاية وراء المعرفة، وتوصلنا إلى أنًّها شيء يجب السعي خلفه لأجل تحسين ظروف الحياة، فما زلنا  مع السؤال حول معنى الحياة، ولم هي مهمة.

سوف أتوسع في توجهات كيركغارد نحو المعرفة في الأسبوع القادم، ولكن يمكننا البدء في التفكير بالطريقة التي يمكن للنمو المتزايد للمعرفة أن يرتبط بإهمال السؤال المتعلق بمعنى جودنا. وهذه التهمة موجهة بشكل مباشر نحو العصر الحديث، ويبدو أن الموضوع مازال وثيق الصلة في يومنا هذا مثلما كان في القرن التاسع عشر.  تميّز عصر كيركغارد بالتضخّم المتسارع للمعرفة -وبالخصوص المعرفة التاريخية، من ضمنها تاريخ الإنجيل والعقيدة المسيحية، والتي كان ينظر إليها بشكل متزايد، وعلى الرغم من أنها تدعي أنها توحي بحقائق خالدة، إلا إنها ظاهرة بشرية، تطورت عبر الزمن مثلها مثل أي أفكار، طقوس ومنظمات أخرى. وقد ظهرت آثار التوسع المعرفي في التطور التقني أيضا، مثل وسائل نقل أسرع وطرق طباعة جديدة سهلت، وللمرة الأولى، خلق ثقافة إعلام جماهيرية. بالتأكيد نحن نعيش بعد قرن ونصف، في عالم أكثر تطوراً وبشكل هائل في هذه النواحي. فلو ظن كيركغارد أنه يعيش في عالم يحوي سيلا من المعرفة، فبالتأكيد سيقول أننا اليوم نعيش في عصر يحوي سيلا من المعلومات – information.

فعلى الرغم من كل الفوائد التي واكبت هذا “التقدم- progress”، فقد نقلق من الأضرار التي يحدثها هذا الشيء للعالم الطبيعي. ولكن مخاوف كيركغارد الرئيسية كانت من الأضرار التي يحدثها هذا الشيء للجوانب الروحية والأخلاقية للكائن البشري. وحتى أنه قد يرى اهتمامنا الحالي بالمشاكل البيئية مجرد عامل آخر يساهم في إهمال السؤال، “ما معنى أن تكون موجوداً؟” -وربما قد يراه كعرض آخر من أعراض نسياننا الوجودي. فمن وجهة نظر كيركغارد، التي تشكلت بفعل تنشئته وآرائه المسيحية، فإن السؤال حول معنى الوجود هو سؤال ديني في الأصل لأن الذات – self التي نتماهى معها قد وهبت إلينا من قبل الله. وعلى كل حال، فكما كتب في قول الفصل في مخطوطة غير علمية “فلو نسي الناس ما معنى أن توجد دينياً – exist religiously، فعلى الأرجح أنهم قد نسوا أيضاً ما معنى أن توجد إنسانياً – exist humanly”. فلو كان كيركغارد يدافع ببساطة عن الأفكار المسيحية التقليدية، فسيكون من الصعب تفسير تأثيره العميق على فلاسفة قد رفضوا هذه الأفكار، مثل جان بول سارتر ومارتن هايدغر.

المصدر.

تدقيق لغوي: عمر دريوش.

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً