مراجعة كتاب: رحلة عقل، لعمرو شريف

بطاقة فنيّة للكتاب:

عنوان الكتاب: رحلة عقل
المؤلف: عمرو شريف
عدد الصفحات: ٢٨٧
الطبعة التاسعة: ٢٠١٥م
الناشر: مكتبة الشروق الدولية

عن الكاتب:

عمرو شريف. ولد عام ١٩٥٠م، أستاذ ورئيس أقسام الجراحة في كلية الطب بجامعة عين شمس، وهو عضو مؤسس للجمعية الدولية للجراحة، ومحاضر في موضوعات التفكير العلمي ونشأة الحضارات والعلاقة بين العلم والفلسفة وبين الأديان.
من مؤلفاته:
-أبي آدم: من الطين إلى الإنسان.
-رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية.
-المخ: “ذكر أم أنثى؟!”
-كيف بدأ الخلق؟
-حادي العقول.

مراجعة الكتاب:

مفاهيمنا المسبقة توجه تحليلنا للظواهر والبراهين والحجج، والصواب أن ندع للبراهين والحجج الجديدة أن تعيد تشكيل مفاهيمها وآرائنا.

أنتوني فلو

لا شك أنّ كل إنسان ذي عقل تلحّ عليه تساؤلات كثيرة حول وجوده ومساره ومآله، فقضية الوجود الإلهي والغاية من وجودنا وتحقيق الخلاص مفطورة في نفوسنا.

مع هذه التساؤلات وغيرها ومحاولة الإجابة عليها يبحر الكاتب معنا في رحلة عقلية بغية الوصول إلى ساحل اليقين الكامل الذي نرجوه.

ينقسم الكتاب إلى قسمين، وتمضي الرحلة على مرحلتين:
القسم الأول: هو ترجمة كتاب “هناك إله” لأستاذ الفلسفة البريطاني أنتوني فلو، الذي ذاع صيته في مجالات الفكر والفلسفة والإلحاد والتدين. وقد أثار كتابه هذا ضجة ودهشة بعد إصداره؛ لأنه كان من أهم منظّري الإلحاد في العالم لأكثر من نصف قرن، وصدر له الكثير من الكتب والدراسات تدحض الإله حسب براهين الطبيعة، ثم جاء كتابه يبدل فيه آراءه.
وفي كتابه هذا -الذي يجمع فيه بين العلم والفلسفة- يصحب القارئ في رحلة عقلية تبدأ من نمو بذور الإلحاد في نفسه وما أثمرته من كتب ودراسات ومناظرات بين الملحدين والمتدينين كان يترأسها على الدوام، ثم انتقاله المتدرج من الإلحاد إلى الشك ثم إلى الإيمان.
ويخبرنا “فلو” أنه عاش حياته يتبع الدليل الفلسفي الذي أرساه سقراط: “اتبع البرهان إلى حيث يقودك”، ذلك الدليل نفسه الذي قاده لاحقاً لوجود إله، حيث كان للاكتشافات العلمية الهائلة في القرن العشرين أكبر الأثر في تعديل مسار اعتقاده، بما أظهرته من التعقيد المذهل للكون والكائن الحي، وتناغم الوجود وتطابق ذراته وتوافق قوانينه وثوابته الفيزيائية مع احتياجاتنا، فهو مهيأ لاستقبالنا ونشأتنا مما ينفي أن تكون الصدفة هي من أوجدت الكون وأوجدتنا!
بل يشير إلى مصمم ذكي صاغ هذه القوانين التي اكتشفها أساطين الفيزياء الكلاسيكية والحديثة، لكن الدليل لم يوصله إلى العلاقة بين الإله والإنسان من خلال الوحي والأديان، فبقي منكراً لها معتنقاً الربوبية أو “الديانة الطبيعية”.

أما القسم الثاني من الكتاب، فيعرضه الكاتب “عمرو شريف” استكمالاً لرحلة “فلو“، ويحاول المضيّ بنا من حيث توقف هذا الأخير، مع تعديل بعض النقاط والإضافة على بعضها.
وهنا يحلق بنا الكاتب في فضاءات الفلسفة والعلم، محاولاً ربطها بالمفاهيم الدينية بأسلوب يتدرج بين السلاسة والتعقيد، الإسهاب والإيجاز يركز خلالها على الظواهر “الغير المادية” التي لا تخضع للمنهج التجريبي، مثل: الوعي والعقل والذات الإنسانية.

إن المنهج المادي يؤدي دوراً شديد الأهمية على مسرح الحياة، لكن لا ينبغي أن تستخدمه في غير مجاله. نستطيع أن نقول بيقين: إنه قد آن للعلم الحديث أن يستنجد بالسماء لاستكمال مشوار الفهم لما يحدث داخلنا ومن حولنا.

عمرو شريف: رحلة عقل، ص١٢٤

يُرسي الكاتب كتابه على مفاهيم فلسفية وعلمية، منها: “البرهان الكوني”، و”المبدأ البشري” وهو ملاءمة الكون للإنسان وتوافق قوانينه العامة والدقيقة لنشأة الحياة.
ويحدثنا بإيجاز عن “الفكر الديني” ونشأة التدين والمفاهيم الدينية والأخلاقية بين البشر، ويتناول في هذا الجزء علاقة الإنسان بالله من جهة، وعلاقته بالدين من جهة أخرى، ويعرض بشكل موجز الديانات المتعددة للبشر، والمكونات الأساسية للدين الحق.
وبطريقة غير مألوفة يربط “البيولوجيا” بالمشاعر والمفاهيم الدينية والروحية، ويسهب في الحديث عن “بيولوجيا العقل والقلب”، والعلاقة بينهما وبين الإيمان والتدين، ودور الجينات في تشكيل الفكر الديني للفرد، ليبين أن الإنسان إنما هو منظومة متصلة متكاملة من منظومات أصغر: (الروح – العقل -النفس- الجسد).
وقبيل انتهاء الرحلة يطرح الكاتب قصة “حي بن يقظان”، للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، والتي يعرض فيها كيف توصل العقل الفلسفي المسلم إلى وجود الإله الخالق وبعض صفاته، وتقارن بين ما توصل إليه العقل المنزه عن الهوى وبين ما أتى به الوحي السماوي.
ليؤكد أن: رحلة الوصول إلى الله يلزمها: الفطرة والعقل والوحي. وفي هذا العصر يضاف العلم لتكتمل رحلة الإيمان.

ولا ينسى الكاتب أن يحدد الفئات المستهدفة لاستقلال هذه الرحلة فهم حسب تصنيفه:
ملحد اغتر بالعلم حتى رأى فيه برهان الإلحاد، وغابت عنه أدلة الإيمان.
أو متدين يريد أن يرقى بإيمانه، من إيمان الميلاد إلى إيمان اليقين، أو متدين لا يرى من الإنسان إلا روحه وينكر جسده، أو الذي يرى فهمه للدين مكتملاً فأسقط دور العقل والعلم من منظومة الإيمان. وقد يدفعه لاحقاً إلى الانبهار بآراء الملحدين حول العلم وإنكار الدين.

في الختام عزيزي القارئ لا شك أنك تدرك بذكائك وخبرتك في القراءة أن الكتب ترشدنا ولا تأمرنا، وتمنحنا حرية لا قيوداً! فأطلق العنان لعقلك، تدبر وتأمل، فنّد وحلل وانقد أيضاً، إنما يريد الكاتب أن يعطيك قبساً يشعل همتك ويشحذ فكرك، ويذكرك أن تعمل عقلك فيما حولك وتتأمل وتتفكر، فكل شيء مذهل حولنا لولا الاعتياد!

عندما تتأمل الوجود من حولك، انظر إليه كأنك تراه لأول مرة. إن الاعتياد على الأشياء التي حولنا يمثل حجابا بيننا وبين حقيقتها، يسمونه حجاب الاعتياد.

ص٢٨٤
الصورة الافتراضية
آية الشاعر
المقالات: 15

اترك ردّاً