المظاهر أم التجارب.. ما الذي يجعلنا سعداء؟

غالباً ما نخلط في رحلة بحثنا عن السعادة بين كيف يبدو ذلك الشيء، مع كيف يجعلنا نُحس أو نشعر. وهذا على وجه الخصوص صحيح عندما يتعلق الأمر بمنازلنا؛ فإذا أردنا أن نحقق أكبر قدر من السعادة فلا مناص من أن نُقدِّم التجارب على المظاهر.

معظمنا يحاول اتخاذ قرارات بنيّة أن نجعل أنفسنا على قدر من السعادة، لكن المشكلة تكمن في إساءة فهمنا لتأثير قراراتنا على رفاهيتنا، فينتهي بنا المطاف في اتخاذ قرارات لها عكس الأثر المنشود. مثلا، فإننا نشتري أشياء بغرض أن تُلهمنا نحو السعادة فإذا بها تُصيب مشاعرنا بالاكتئاب، لذا فمعرفة بعض المَطبَّات في رحلة بحثنا عن السعادة -وخاصة تلك التي تأتي مخالِفة لحدسنا- يمكن أن تساعدنا في تحسين نمط حياتنا.

ويذكر قول مأثور أن التجارب لها ضعف قدرة الأمور المادية في جعلنا سعداء؛ لكن المعرفة أمر، وتطبيقها أمر آخر. ففي البداية يكون كل شيء واضحا في اختيارك لمكان عيشك في منطقة واحدة، ولربما تعتقد أن المنزل مفعم بالحيوية ولهذا ستكون في قمة سعادتك وأنت فيه. هذا خطأ! إن تجربة مساحة المعيشة يا عزيزي أكثر أهمية من مظهر المنزل.

هل للمظهر تأثير؟

يبيّن “تشارلز مونتغمري” في كتابه مدينة السعادة: تحويل حيواتنا نحو مظهر حضاري(Happy City: Transforming Our Lives Through Urban Design) بعض الطرق التي نسيء فهمها حول كيفية بنائنا للبيئة من حولنا وطريقة سيرنا في أحياء المدن حيث يؤثر هذان العاملان على سعادتنا.

كما ويكتشف طلاب السنة الأولى بجامعة هارفرد في نهاية عامهم الأول أي مسكن سيمكثون فيه خلال فترة دراستهم الجامعية، ومن نافلة القول ذكر أن المساكن تعطى عن طريق الحظ المحض، لذا فالأمر خارج عن رغبة الطلاب. وعلاوة على ذلك فإن مساكن الجامعة متعددة ومختلفة من ناحية التصميم والحجم والميّزات والقِدم والموقع وفوق كل ذلك سمعة المكان، وهنا يأخذ الطلاب مسألة توزيع المساكن بجدية لأنَّها ستكون صاحبة الأثر الحتميّ في تجربتهم الجامعية. أو هل هي كذلك؟

وعلق “مونتغمري” على مسكنين في الجامعة: لويل هاوس(Lowell House) وهو مبنىً مذهل من الطوب الأحمر صاحب تاريخ غني ويعتبر أرقى مسكن، وهذا يفسر مطالبة معظم الطلاب بالسكن فيه. فمن يمكن أن يكون كئيباً في مبنىً أخاذٍ كهذا؟!

في نفس الوقت لدينا ماذر هاوس (Mather House) مبنى خرساني غير مرغوب فيه، ولا يمكن أن يصنف كخيار أول عند أحد. يصلي -حرفيا- معظم الطلبة من أجل غرفة في الأول متمنين أن يكونوا بمنأى عن الأخير، فهم يعتقدون أن مدى سوء تجربتهم في الجامعة متعلق بالمبنى.(تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن المساكن مختلفة ظاهرياً إلا أنها لا تفتقر لأي عنصر يحتاجه الطالب في إقامته، فهي لا تقل عن ماذر هاوس وليست متداعية أيضاً).

وفي نفس السياق فقد طلبت أخصائية علم النفس “إليزابيث دون” من بعض الطلاب الجدد أن يتنبّؤوا كيف ستؤثر المساكن المتوفرة على تجربتهم في هارفرد. وبتتبع المقابلات اللاحقة فقد قارنت بين تجربتهم الحية بتلك التنبؤات الأولية. وكتب مونتغمري:

ربما تفاجئ النتائج كثيراً من طلبة هارفرد الجدد، فالطلبة الذين أرسلوا إلى ما كانوا يعتقدون أنه مثواهم البائس؛ وجدوا أنفسهم أكثر سعادةً مما كانوا يتوقعون. في حين أن الطلبة الذين حصلوا على مسكن مرغوب فيه كانوا أقل سعادة من المتوقع. فالسكن في لويل هاوس(Lowell House) سار على ما يرام، على عكس السكن المنبوذ في ماذر هاوس (Mather House). إجمالاً فاختيار المساكن في هارفرد لم يسبق أن جعل أحداً أكثر سعادة إذا أتيحت له فرصة رفضها.

إذاً، فلماذا يخطئ الطلبة مستنزفين كثيراً من طاقتهم قلقاً على توزيع المساكن الجامعية؟ وجدت “دون” أنهم ’’يقيمون كثيراً من الوزن على الاختلافات الواضحة بين المساكن كالموقع والمميزات والتصميم المعماري، ويقل اهتمامهم بالأمور غير المختلفة بشكل صارخ، مثل الإحساس المجتمعي ونوعية العلاقات التي ستتطور بهم في تلك المساكن.’’

وعلى سبيل الإيضاح فلو طلب منك أن تخمن ما إذا كانت العلاقات أم تصميم المبنى أهم، فستجد أغلبيتنا بلا ريب سيختار العلاقات، ولكن -على كل حالً- فإن تصرفنا يثبت عكس ذلك. توضح “دون” أكثر بقولها:

المعيار هنا هو سوء تقدير القيم العَرَضية والمتأصلة: فنحن لربما نخبر بعضنا البعض أن التجربة أهم شيء على الإطلاق ثم ما نلبث أن نتخذ قراراتنا-وباستمرار- كأننا لا نؤمن بما قلنا!

عندما نعتقد أن مظهر مبنىً سيملي علينا كيف ستكون تجربة العيش فيه فعندها نكون قد ارتكبنا خطأً بُحكمنا على إقليم ما من خريطته. فقد يبدو المبنى مزدهراً معمارياً ولكن داخله غير ذلك، وما يهم هي التجربة النابعة من الحياة اليومية هناك، حيث يصير للعلاقات معنى يفوق المظهر الخارجي للأشياء، أي أن المؤشر الحقيقي للسعادة هو القرب من الأصدقاء لا أن يحتوينا بناء من الطوب الأحمر بداخله.

هل من تأثير للخبرة؟

بعض الأشياء يمكننا التعوُّد عليها في حين أننا لا نستطيع ذلك مع أشياء أخرى، فنحن نرتكب خطأً جسيماً حينما نعتقد أنه من الجدير بنا أن نتحمل عناء التجارب السلبية والتي من الصعب أن تنمو إلا في حال اعتيادنا عليها لنحظى بأوقات ممتعة. ومرة أخرى فإن هذا يحدث عندما ننسى أن تجربتنا في هذه الحياة هي الأهم في تصورنا لسعادتنا.

ففي مسألة الضواحي مثلاً يصف “مونتغمري” كيف أن الناس، الكثير منهم حقيقة، في العصور القريبة انتقلوا للعيش في ضواحٍ بعيدة عن المدن في الولايات المتحدة الأميركية، فهناك يمكنهم أن يحظوا بأنواع الرفاهية كامتلاك حديقة فسيحة، ومروج أمامية مترامية الأطراف وشوارع واسعة مع غرف نوم إضافية وغيرها الكثير. فتجد سكان المدينة متخيلين أنفسهم وعوائلهم وهم يحظون بكامل راحتهم في تلك المنازل الواسعة الآمنة. في حين أن المدن في الولايات المتحدة يجري تشكيلها وفق منطق معيب كما يصوغه “مونتغمري” :

يستند النظام الاقتصادي الكلاسيكي الحديث _والذي كان سائداً في النصف الثاني من القرن العشرين_ على الفرضية القائلة أننا جميعاً مجهزون لاتخاذ قرارات ذات فائدة قصوى… ولكن عدداً من علماء النفس و الاقتصاديين بدراستهم العلاقة بين اتخاذ القرار والسعادة تبين لهم أن ذلك ببساطة عارٍ عن الصواب. فنحن نتخذ قرارات سيئة في جميع الأوقات… وقد ساعدت هذه القرارات المعيبة في تشكيل المدينة العصرية، وعليه فقد شكّلت حيواتنا.

وكما أن لكل شيء ثمنه فإن ثمن العيش في الضواحي هو البعد عن وسائل المواصلات، فكثير من الناس يقضون جل ساعات يومهم خلف المقود ذهاباً وإياباً إلى العمل، والأهم من ذلك، فإن طبيعة الضواحي المتناثرة تعني أن كل شيء ابتداء من الذهاب لمحل البقالة إلى الذهاب لصالة الألعاب الرياضية يتطلب فترات ممتدة من القيادة. وإن من السهولة بمكان أن يقضي المرء وقته -إن لم يكن في العمل أو نائماً- بداخل سيارته.

ويمكننا القول أن التنقل -في معظم معانيه- شاق بالنسبة لنا، فكلما زاد الوقت اليومي الذي يقضيه الأشخاص في القيادة قلت نسبة السعادة في حياتهم عموماً، ولم تتوقف هذه التعاسة على الأشخاص وحدهم بل اتسعت لتشمل رفاقهم الذين يعيشون في نفس الضواحي والذين يعانون من تدنٍ في مستوى الرفاهية. فتجد معظم سكان الضواحي تتدهور حالتهم الصحية نتيجة لفترات الخمول الطويل والضغط الناتج عن الازدحام المروري. ولا شك أن من الصعب توفر الطاقة والوقت لأشياء كممارسة التمارين أو التقاء الأصدقاء وخاصة إن كنت تتنقل كثيراً. وكما أن وقود السيارة ونفقاتها يمكنها التهام المدخرات من العيش خارج المدينة، هذا ومع التحفظ عن ذكر الخسائر البيئية. وبشكل عام فإن التنقل له أثر بالغ الضرر على صحة العقل حسبما أوضح “مونتغمري” :

يجب على الشخص الذي يسافر ساعة واحدة أن يكسب زيادة عن الـ 40% من المال ليكون راضياً عن حياته كالشخص الذي يذهب لعمله سيراً على الأقدام. وعلى الجانب الآخر فإن إبدال فترة استخدام المواصلات الطويلة بسير مسافة متواضعة عند الذهاب للعمل، لها -من حيث السعادة- نفس أثر الوقوع في الحب بالنسبة لذلك الشخص.

والسؤال الآن، لماذا نرتكب هذا الخطأ؟ يوضح “مونتغمري” السبب مستلهماً من أحد أعمال عالم النفس “دانييل غيلبرت” أننا مهتمون بالتفكير بأننا سنعتاد على التنقل (والذي هو خبرة) ولكننا لن نتمكن من الاعتياد على العيش في بيئة أجمل(وهو الجوهر).

والعكس بالعكس فالحديقة الفسيحة والغرف الشاغرة قريبًا ستكف عن كونها غير مألوفة، وكل يوم من التنقل سيغدو مختلفاً قليلاً، وهذا يعني أننا لن نكون قادرين على الاعتياد على ذلك. وهناك علاقة خطية ينحدر سهمها هبوطاً بين الوقت الضائع في التنقل والرضا المعيشي؛ في حين أنه لا توجد علاقة يتجه خطها للأعلى صعوداً بين مساحة المنزل والرضا المعيشي، وكما قال “مونتغمري” : ’’ المشكلة أننا نتخذ بتلاؤم قرارات تقترح أننا لسنا جيدين في التمييز بين الملذات العابرة والملذات الدائمة، فنستمر في تحصيلها بطريقة خاطئة.

وتعج المدينة السعيدة برؤىً حول الصلة بين التصميم لمكان عيشنا ونوعية حياتنا، وعلى وجه الخصوص فإنها تكشف كيف تتشكل المُدن بفعل الأفكار المغلوطة المرتبطة بما يجعلنا سعداء. وختاماً فإننا نزيد فرص سعادتنا عندما نحدد أولويتنا لخبرتنا الحياتية بدلاً من الحصول على أشياء لملأ ذلك الفراغ.

المصدر: هنا

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي

الصورة الافتراضية
YAHIA NAJAR
المقالات: 0

اترك ردّاً