لماذا أعتقد بأننا نعيش في محاكاة.

أنا الآن متأكد من أن أول شيء تخيلتموه وأنتم تقرأون هذا العنوان هو أنني أرتدي قبعة الألمنيوم (1) وأنا أكتب هذا المقال. لكن دعني أخبرك، أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة العشوائية، ولا أرتدي قبعة الألمنيوم أو أومن بأفكار مجنونة مثل كون الأرض كروية، أنا أمزح بخصوص الأخيرة. لكنني أرغب في اتخاذ نهج أكثر منطقية وإثبات لماذا قد يكون من الضروري بالنسبة لنا إنشاء محاكاة في المستقبل ولماذا قد نكون في واحدة منها بالفعل.

قبل أن نبدأ، دعوني أوضح نوع المحاكاة التي أعنيها باستخدام هذه الكلمة. بناءً على حواراتي السابقة، أدركت أن هناك نوعين من المحاكاة. الأول حيث يكون لكل من أفعالنا نتيجة، وخياراتنا هي ملكنا؛ النوع الثاني هو حيث يتم تحديد أفعالنا مسبقًا ولا تخضع لسيطرتنا على الإطلاق. أومن بالاحتمال الأول لأسباب وجيهة.

. . .

دعونا نلقي نظرة على مختلف الأسباب التالية:

Image for post

بيولوجيتنا.

من أول ثانية نستيقظ فيها حتى آخر فكرة تأتينا قبل نومٍ عميق، نحن من نقود أجسادنا، ونتحكم في أين نذهب، وما نفعله، وما نأكله، ومن نلتقي به. حرفيا كل ما نقوم به هو لأننا جعلنا أنفسنا نفعل ذلك. نعم، أحيانًا نضطر إلى القيام بأشياء لا نحبها، ولكن لا يزال أمامنا خيار، أن نفعل أو ألاّ نفعل. كل خيار له نتيجة مختلفة، لكنه لا يزال تحت سيطرتنا.

غالبًا ما نفشل في تذكر مقدار القوة التي لدينا كبشر، مع قدرتنا على التفكير، الاسترجاع، التذكر، والمحادثة بهذه السهولة. ولكن في خضم كل ذلك، نفشل في التساؤل عن سبب تطوير مثل هذه المهارة ولماذا تعتبر هذه المهارات البدائية بالنسبة لنا حدثًا نادرًا في الطبيعة. الآن قبل أن تنهال عليّ بتعليقات حول الانتقال الدارويني (2) وجميع الأدلة التي تشير إلى أن آخر سلف مشترك عالمي (3) هو أصل الحياة، دعني أوقفك. نعم، أنا مدرك لذلك! ولكن، أود أن أعرض لكم إمكانية أن يكون الوجود الأولي لبدائيات النوى (4) جزءًا من المحاكاة بأكملها.

ما أقوله هو أن المحاكاة يمكن أن تكون اختبارًا لمعرفة أي نوع من الأنواع سيصبح الأكثر هيمنة في بيئة معينة. لماذا طورت تلك الأنواع سمات متفوقة وكيف ستتحكم في البيئة وتهيئها وتحافظ عليها لدرجة أنها تطلق عليها “موطنها”؟. كما تعلم على الأرجح أنه قبل 50000 عام، تشاركنا الأرض مع النياندرتال (الإنسان البدائي)، ومع ذلك لا نرى أي نياندرتال يتجول اليوم. ومع ذلك، بعض جيناتهم تم نقلها إلى البشر لأن القليل منهم ربما كان لديهم بعض العلاقات العاطفية معنا. في كل مرة في التاريخ، عندما سلك الهومو سابينس والنياندرتال نفس الطرق، نجونا، ولكنهم لم يفعلوا. يقول البعض أنه كان بسبب التقدم في التكنولوجيا لدينا، ورغبتنا في الاندماج في الفئات الاجتماعية -الحفاظ على سلامتنا – وأيضًا بسبب فهمنا المتفوق لأجسامنا وكيفية استخدامها لصالحنا. مهما يكن، أفضل الأنواع تعيش حياة أسوأ. لذلك أعتقد أننا تجاوزنا الاختبار.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي كان علينا فيها التنافس مع الأنواع الأخرى من أجل البقاء. قبل فترة طويلة، عندما كنا أشبه بأبناء عمنا من الرئيسيات (5)، كان علينا أن نكافح ونعيش لنتطور ونصبح بالشكل الذي نحن عليه الآن. بعض الجينات التي ساعدتنا على التكيف هي السبب وراء تطورنا بهذا القدر عكس الأنواع الأخرى. لذا فإن اختبار تركيبات جينية مختلفة من شأنه أن يولد أفضل بديل.

. . .

لنفترض أن لديك مهمة للعثور على الدواء/العلاج الأكثر فعالية لمرض معين. ما الذي ستفعله؟ ستكون لك فرصة جيدة باتباع الخطوات التالية:

  1. أجرِ تجارب للعثور على مواد كيميائية يمكنها القضاء على سبب المرض.
  2. تطوير نسب مختلفة من المركبات التي يبدو أنها تنال من المرض مع إثبات أنها آمنة للاستهلاك البشري.
  3. استنبات كل مجموعة للعثور على التركيبة التي تحقق أفضل النتائج.
  4. يمكنك إجراء اختبارات على هذه المجموعات للعثور على بيانات طويلة المدى والحصول على نتائج بأعلى دقة ممكنة.
  5. ثم يمكنك الحصول على موافقة وكالة فيدرالية وإتاحة الدواء للتوزيع العام.

على الرغم من أننا على دراية كبيرة بمفهوم اختبار العديد من المتغيرات للعثور على أفضلها، إلا أننا لم نفكر أبدًا إذا كنا مواضيع اختبار في إحدى هذه التجارب. والحقيقة المخيفة هي أننا يمكن أن نكون. ليس لدي دليل قوي لأنه إذا فعلت ذلك، فربما أحذف * صفير * من النظام/الكون. لذا يمكنني فقط أن أفترض وأقر بوجود مثل هذا التنفيذ بناءً على الحجج المنطقية والمعقولة مع البديهيات.

“حسنا، أعتقد أنني أتفق معك، ولكن ما الذي قد يدفع شخصا لخلق محاكاة بهدف تجربة البشر؟”

Image for post

المحاكاة في العالم الحقيقي.

حسنًا، أنا سعيد لأنك سألت. الجواب يكمن في حاجتنا الفطرية للحصول على أفضل ما نستطيع. يفضل أي إنسان اختيار “أفضل ما هو متاح” في أي موقف معين، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فسيختار فقط الخيار “الأكثر قابلية للتحقيق”. لذا، لماذا نريد الأفضل؟

نريد أفضل وظيفة حتى نكون سعداء بفعل ما نحبه وكسب الكثير من المال. نريد أفضل الأصدقاء حتى نتمكن من قضاء وقت ممتع مع الأشخاص الذين يهتمون بنا ونعدهم بذكريات نعتز بها مقابل أهم مقتنياتنا، وقتنا. نريد أن نتناول الطعام في أفضل مطعم، للحصول على طعام ممتاز، والشراء من أفضل أسواق الأزياء من الدرجة الأولى، وامتلاك أفضل سيارة للحصول على أفخر مظهر وأفضل آداء، والأهم من ذلك، العيش مع أفضل شريك حتى نتمكن من الاستمتاع بالحياة مهما كانت.

للأسف، للحصول على الأفضل، عليك تجربة العديد من الأمور الجيدة والسيئة والأكثر سوءاً. بعدها يمكنك أن تستنتج بأمان أن ما اخترته هو الأفضل. نحن نخوض هذه التجارب لاختبار منتجات مختلفة، والتي تشبه المحاكاة التي تُجرى للتوصل إلى أفضل حضارة إنسانية ممكنة. ومالذي تفعله عندما تعثر على شيء يتلائم تصنيفه مع الفئة الأكثر سوءاً؟ تحذفه/تمحيه/ تنساه.

أليس هذا ما تقترحه الداروينية؟ فقط الفئة الأكثر ملائمة تنجو لأنها الأفضل. نرى الأمر ذاته في الهندسة، التسويق، وحتى في الكتابة. ما من كاتب نشر جميع أعماله. إذ أن الكُتاب يقدمون للعالم ما يشعرون بأنه أفضل أعمالهم. والطريق الوحيد لإيجاد الأفضل هو من خلال كل شيء يفشل في أن يكون الأفضل.

للعثور على أكثر سيارة ايروديناميكية، تقوم بتعديلات مختلفة على التصميم وتختبرها العديد من المرات في نفق هوائي. لاختراع مصباح كهربائي، مر أديسون ومهندسوه بالعديد من العناصر والطرق والدوائر الكهربائية التي لاقت الفشل. ولنحلق عالياً في السماء، فإن العديد من أفكار الأخوة رايت أثبتت فشلها حتى تم العثور على بعض الأفكار الفعالة. إذاً الفكرة هي أن نحاول حتى ننجح.

“حسنا، لنجري التجارب، ولكن انتظر لحظة، لماذا أنت بحاجة لأكثر من 108 مليار عينة اختبار؟”

كم من المرات؟

نعم، هذا عدد الهومو سابينس الذين تواجدوا على كوكب الأرض. إذاً إذا أعطى جيف بيزوس دولاراً لكل شخص عاش منذ البدء، سيبقى لديه ما يقارب 40 مليار دولار في محفظته. حسناً، الحديث عن ملك أمازون جعل عدد البشر يبدو صغيرًا، لكن دعني أذكرك بأن المليار هو واحد متبوعاً بتسعة أصفار. 108,000,000,000 هو عدد البشر الذين عاشوا، وهنالك احتمال قوي بعدم وجود كائنين بشريين يتشاركان تركيب الحمض النووي ذاته. وفقاً لفوربس، اعتمادا على تقديرات، يوجد تقريباً 60 طفرة جديدة في كل انسان. وبوجود 7 مليار منا على قيد الحياة، هذا يعطي 420 مليار شكلاً مختلفاً، أكثر من العدد الكلي للبشر الذين عاشوا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فحساب أكثر دقة قد ينتج رقماً كبيراً للغاية، لا يمكن للحاسبات معالجته. يمكن أن يتواجد 3×10⁶¹⁴ شكلاً مختلفاً في جيناتنا، وهذه عينات أكثر من كافية، في نظري.

هل من الممكن حتى إجراء محاكاة كهذه؟ أعني، إذا كان شيء ما يشبه العروض الصورية لأفضل لعبة فيديوية لدينا، فمن الجلي أنّ قوة المعالجة المطلوبة لعرض العديد من المضلعات (6) (نظام نقاط/رؤوس التحكم) ستكون هائلة.

إنّ الحواسيب الكمومية قوية نظرياً. لكن، وفقاً للعلماء، سيكون من الصعب محاكاة الكون بأكمله. مع ذلك، أشعر بأننا لسنا بحاجة لمحاكاة الكون بأكمله. أشعر بأن باستطاعتنا تبني بضعة أفكار من فيلم ترومان شو. لم يكن عليهم إعادة خلق الأرض بأكملها لجعل ترومان بربانك يؤمن بأنه يعيش حياة حقيقية. كل ما توجب عليهم فعله هو خلق مساحة كبيرة بما يكفي لجعله يشعر بأنه في العالم الحقيقي.

لنأخذ لعبة فيديوية معينة بنظر الاعتبار مثل GTA V، والتي من الأرجح أنها الأقرب للحياة الواقعية من ناحية الرسومات والفيزياء والأفكار الأُخرى التي نملكها في الحياة الواقعية. أي شخص قد جرب اللعبة سيعلم بأن الخريطة الكلية على جي تي أي لا تعرض طوال الوقت عندما تكون اللعبة قيد التشغيل. إذ يُعرض الجزء الذي يكون فيه اللاعب من الخريطة فحسب وبجودة عالية. وبينما تتحرك في الأرجاء، فإن المنطقة الجديدة يتم عرضها، وهكذا. لرسم خطوط العالم الحقيقي لسنا بحاجة لعرض كامل للكون لجعله يبدو حقيقياً.

بالنسبة للمستوى الحالي من التقدم التكنولوجي الذي وصلنا إليه، فإن استخدام جيد لقوة المعالجة استخلاص (7) الأرض، النظام الشمسي، وربما أجزاء من درب التبانة. أما باقي الكون فيمكن أن يكون مجرد صورة معروضة بجودة عالية، حيث يمكنها بالإضافة إلى إرسال ضوء مرئي -طيف مرئي- أن ترسل أنواع مختلفة من الإشعاعات على الطيف الكهرومغناطيسي.

لكننا نستقبل بيانات من الأقمار الصناعية والتي قد سافرت بعيداً في الفضاء. عندما يواصل المسبار الفضائي فوياجر 1 و2 السفر بعمق أكبر في الفضاء، ربما يصلون إلى الصورة التي تعرض الكون لنا. لكن سيكون من الآمن أن نفترض بأن المنطقة التي يمكن استكشافها بواسطة أجهزة الاستشعار على المسبار سيتم محاكاتها لإعطاء بيانات وصورة بجودة أفضل. عندما تجري محاكاة مع بقوة معالجة كبيرة، فإن أي شيء ممكن تقريباً. فقط محاكاة ماهو مهم وعرض صورة لبقية الكون يمكن أن تكون تقنية معقولة للإبقاء على المحاكاة قيد العمل دون المبالغة فيها. مع هذه المحاكاة، يمكننا إجراء اختبارات مع تركيبات مختلفة للحمض النووي للبشر لإيجاد المجموعة الأمثل من الخصائص.

“حسنا، لنفترض أن نجري العديد من التجارب في سبيل إيجاد الكائن البشري الأمثل، ماذا بعد ذلك؟”

البيضة الذهبية.

نفعل الشيء ذاته عندما نجد الحل الأمثل لمشكلة، نطبقه. بالرغم من أني لا أعرف التفاصيل، أنا واثق من أننا إذا كنا تجارب في المختبر، فإن سادتنا يبحثون عن مجموعة معينة من المتطلبات للبشر، وعندما يعثرون عليها، سيوقفون المحاكاة، منهين ما نسميه هنا حياتنا. ببساطة شديدة.

لقد تقدمنا فعلاً في العلم حيث نفهم كيف نغير الكود أو الشيفرة التي تشكل حمضنا النووي. لقد أصبح التعديل الجيني أكثر ملائمة بكثير مع تقنية “كريسبر” (CRISPR) (8)، كما تطور فهمنا إلى حد كبير.

بهذا المعدل، سنواصل التقدم لإنتاج بشر معدلين جينياً بل وحتى مصنعين جينياً في وقت قصير. أما أخلاقياتنا الحالية التي تمنع ذلك ستكون قريباً لا شيء، كما تختفي الآن الأخلاقيات التي منعت استخدام الطرق الصناعية لتحسين مظهرنا.

في مرحلة أعمق، يتطلع جميعنا بشدة من أجل اليوتوبيا (9) أو شيء من هذا القبيل. لا أحد يحب الفوضى، الغموض والعذاب الذي يتوجب علينا تحمله كل يوم. نعم، حياتنا تبدو رائعة في أيام محددة، و إن كنا في أيام أُخرى، نشعر وكأنما فيلة على أكتافنا.

إذا كان لديك خيار، ألم تكن لتمنع أجيالك المستقبلية من أن تخبر معاناة أبدية كهذه؟ حسناً، كنت لأمنع ذلك، حتى لو تطلب الأمر مني بناء محاكاة للعثور على أفضل سمات بشرية يمكن أن تساهم في بناء إمبراطورية يوتوبية في البيئة المثالية.

المصدر:

هوامش:

1- قبعة الألومنيوم: هي قبعة مصنوعة من ورق الألومنيوم، أو قطعه من قبعة رأس تقليدية ملفوفة بالشرائح، بهدف أو على أمل حماية العقل من التهديدات المتمثلة في المجالات الكهرومغناطيسية، غسيل الدماغ، التنويم المغناطيسي، التخاطر وقراءة الأفكار. يتم إستخدامها في الوقت الحالي كمثال على العلوم الزائفة والإشارة إلى نظريات المؤامرة.

2- الانتقال الدارويني: هو الوقت الذي يبدأ فيه أصل الأنواع. من هذه النقطة فصاعدا، يمكن أن تحدث تغييرات طفيفة نسبيًا فقط في تطور تنظيم نوع معين من الخلايا.

3- آخر سلف مشترك عالمي: هو أحدث مجموعة من الكائنات الحية التي تنحدر منها جميع الكائنات الحية التي تعيش الآن على الأرض، وهو السلف المشترك الأحدث في الحياة الحالية على الأرض.

4- بدائيات النوى: هي كائنات أحادية الخلية ولا تحتوي على نواة.

5- الرئيسيات: هي أحد رتب الثدييات في التصنيف العلمي للمملكة الحيوانية وتتضمن الرئيسيات جميع الأنواع التابعة لليموريات والقردة بالإضافة للإنسان.

6- المضلعات : والمضلّع هو عبارة عن مجموعة من رؤوس التحكّم متّصلين ببعض، نظام نقاط (رؤوس) التحكم أصبح نظاماً قياسياً شاملاً، فكل الرسوميات المولّدة عن طريق الحاسوب تستعمل هذا النظام، سواءً كانت ألعابا، أو عروضا احترافية سينمائية.

7- الاستخلاص: (بالإنجليزية: Rendering)‏ هي عملية حوسبية لتوليد صورة ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد من بيانات مدخلة معرَّفة سلفًا.

8- تقنية “كريسبر” (CRISPR): هي تقنية تتيح تعديل الحمض النووي للكائن الحي.

9- اليوتويبيا: هي ضرب من التأليف أو الفلسفات التي يتخيل فيها الكاتب الحياة في مجتمع مثالي لا وجود له، مجتمع يزخر بأسباب الراحة والسعادة لكل بني البشر.

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
رامي نزلي
المقالات: 18

اترك ردّاً