عالم كيركغارد، الجزء الرابع: الشغف أكثر الصفات البشريّة أصالةً

لقد كتب كيركغارد في نهاية كتابه المنشور سنة 1843 خوف ورعشة  أنّ الشغف “صفة بشرية أصيلة”، وأضاف أنّ “أعلى درجات الشغف عند الكائن البشري هي الإيمان”. تعوّدنا في هذه الأيام على سماع النّاس يتكلمون عن شغفهم، سواء أكانوا يملكون شغفاً نحو كرة القدم” أو يملكون شغفاً نحو الموسيقى، أو يملكون شغفاً نحو شراء الأغراض المباعة بالتقسيط.  يُظهر هذا النوع من الأحاديث في العادة حماساً، وتفانياً، وأحياناً تعطشاً للنجاح. يُشير أيضاً إلى طرق نجد عن طريقها معانٍ وقيمًا في حياتنا. ولكن ما معنى أن يصنف الشغف كأكثر الصفات أصالة في الكائن البشري؟  ماذا يعني كيركغارد بالشغف؟

ولكي نجيب على هذه الأسئلة علينا أولاً أن نلقي نظرة على التراث الفلسفي الذي ورثه كيركغارد. إنّ وجهة النظر التي هيمنت على هذا التراث، من أفلاطون وأرسطو ومروراً بديكارت، وسبينوزا، وكانط، هي أنّ أكثر الصفات أهمية للكائن البشري هي المنطق. وعادةً ما عارض الفلاسفة بين قدرتنا على التّفكير المنطقي وبين “الشغف”، أو العواطف، وجادل الكثيرون، أنّ عيش حياة سليمة يتطلب سيطرةً وقمعًا، وربما حتّى إبادة عواطف الشخص ونزعاته.  فوفقاً لوجهة النظر هذه، فعلى المنطق أن يحكم الشغف.

ويمكننا أن نتتبع حركة مناهضة لهذا الفكر عبر تاريخ الفلسفة، والتي تعكس العلاقة السابقة ما بين الشغف والمنطق. ويمكن تصنيف كيركغارد من ضمن هذه الحركة، جنباً إلى جنب مع ديفيد هيوم والشعراء الرومانسيين. فبتأكيده على الشغف، يتحدّى كيركغارد الفكرة التي تنص على أنّ الفكر المنطقي يمكنه أو يجب عليه أن يوجه ويهيمن على الوجود البشري.

على أي حال، فبالنسبة لكيركغارد لا يدل “الشغف” على العاطفة وحسب. والأهم هو أنّ الشغف نوع من أنواع الرغبة. ومجدداً، أخذ كيركغارد هذه الفكرة من التراث الفلسفي. فأفلاطون يصور  وبطريقة دراميّة جداً في محاورته المأدبة The Symposium حفلة عشاء حيث يجتمع فيها جميع أعلام أثينا من المثقفين والمفكرين ويتبادلون الأدوار في الحديث عن طبيعة إيروس Eros، والذي يعني الحب أو الرغبة. يقترح سقراط، وهو ضيف الشرف في هذه المأدبة، أنّه يمكن تعريف الإيروس على أنّه غياب الشيء الذي نتوق إليه: فالشخص يرغب بما لا يملك. فحتّى عندما تحصل المحبوبة على حبيبها، فهي ترغب بالاستمرار بحيازته في المستقبل، وذلك المستقبل مجهول المخاطر.

يستعمل أفلاطون مفهوم الإيروس لكي يشرح حياة الفيلسوف. (فالكلمة الإغريقية للـ”فيلسوف” تعني “محب الحكمة”.) ترغب الفلسفة  وتسعى خلف الحقيقة، تلك الحقيقة التي لا تملكها بعد. في قضية الحقيقة، فـأن لا تملكها يعني أيضاً أن لا تعرفها، لأن امتلاك الحقيقة هو معرفتها. إنّ موضع الرّغبة هذا ليس صعب المنال فقط، ولكنه مجهول.

ففي فلسفة أفلاطون، لا يطبق هذا الفهم لللإيروس على الحب الرومانسي وسعي الفيلسوف خلف الحقيقة فقط، ولكن على الوجود البشري ككل. يتميز الوجود البشري بالحركة ما بين الحقيقة واللاحقيقة، عن طريق السعي للوصول إلى الجانب الذي يقع ما بعد  الوضع الحالي سعياً وراء شيء لا يملكه حتّى تلك اللّحظة.  أُخذت هذه الطريقة الأفلاطونيّة في التّفكير  وبشكل سريع من قبل رجال الدين المسيحيين، والذين استطاعوا تصوير الحياة الدينيّة على شكل رحلة عاصفة وغراميّة من حالة الجهل والخطيئة إلى اللقاء بالرب وفهمه.

تأثر كيركغارد بأفلاطون وبالأفلاطونيّة المترسخة في الفكر المسيحي، وقد شرح في كتابه الكبير قول الفصل في مخطوطة غير علميّة Concluding Unscientific Postscript أنّ مفهوم الشغف الخاص به مبني على محاورات سقراط في المأدبة حول الإيروس. يدل ادعاء كيركغارد بأنّ الشغف هو “الصفة البشرية الأصيلة” بأنّ الكائنات البشرية كائنات فوق كل شيء كائنات حسيّة: وهو كائن مدرك لواقعة أنّه يفتقد شيئاً ما_ ربما، حتّى معرفة ما هو هذا الشيء بالضبط – ويسعى إلى البحث عنه في الخارج. في الواقع، إنّ عملية السعي المستمرة تشكل الحركة التي يعرفها كيركغارد كالوجود“.

يظهر تركيب الحياة البشريّة بعدّة طرق مختلفة في أعمال كيركغارد. فعلى سبيل المثال، يؤكد كيركغارد أنّ الوجود البشري موجه نحو المستقبل. فكما الحال مع موضع الرّغبة الذي تكلم عنه سقراط، فالمستقبل غير معلوم أو ملموس حتّى هذه اللحظة، وسيبقى  المستقبل كالأفق صعب المنال وفي حالة تقهقر مستمرة في تجاه الحياة المعاشة. ومن أشهر ما كتب هو، أنّه على الرّغم من أنّ الحياة تعاش بالسعي نحو الأمام، إلاّ أنّه لا يمكن فهمها إلاّ بالنظر للخلف: فالماضي فقط يمكن أن يكون موضع المعرفة. آمن كيركغارد أنّ هذه الفكرة تتحدى الإدعاء الفلسفي _وبالخصوص ذلك المتأصل في الفلسفة الهيغلية_ أن المنطق يمكنه أن يحيط بالحياة البشرية ككل.

وبالخصوص في السياق المسيحي، نجد تركيز كيركغارد على الشغف كمعارض للمنطق من تعبيره في ادعائه أّن التعاليم المسيحية غير منطقية. يعتبر كيركغارد العقيدة الخاصة بسر التّجسد incarnation _ظهور الله في هيئة بشريّة، ظهور الكائن الأبدي في داخل التاريخ المحدود_كمفارقة لا يمكن إدراكها بالعقل. بالتأكيد يلعب المنطق دوراً كبيراً بخصوص هذه العقيدة، بما أنّه عن طريق المنطق نميز المفارقة كونها مفارقة. لكن يصل الفكر المنطقي إلى طريق مسدود في مواجهة هذه المفارقة، فلا يمكنه اختراقها أو استيعابها. هذا يعني أنّه يمكن للمسيحيين الإيمان بتعاليم عقيدة التّجسد فقط عن طريق حركة شغف تتجاوز الحدود المفروضة من قبل المنطق. هذا الشيء يوفر مثالاُ واحد لما يعنيه كيركغارد عندما يصف الإيمان كشغف.

المصدر: https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2010/apr/05/kierkegaard-philosophy-passion

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً