قراءة في رواية وكالة عطيّة لخيري شلبي.

عن الكاتب:

خيري شلبي،كاتب وروائيّ مصري (31 يناير 1938- 9 سبتمبر 2011)، يُعد خيري من أبرز الأدباء المصريين والعرب،كما أنّه معروف باسم شيخ الحكائين وسفير المهمشين نظراً لأعماله التي تتحدّث عنهم وتخرجهم من ظلال المجتمع إلى بقعة الضوء وتنمحهم مكاناً بين صفحات الكتب.  له عدّة أعمال روائيّة، مسرحيّة ودراسات نقديّة، حصل على عدّة جوائز أدبيّة أشهرها جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة و تم ترشيحه من قبل الأمباسادور الكنديّة لجائزة نوبل للآداب.

وكالة عطية:

تعتبر أشهر أعمال خيري شلبي، والتي حصد بفضلها جائزة ميداليّة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة عام 2003. و تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني عام 2009. صدرت الرّواية عن دار الشروق.

تتحدّث الرّواية عن  أحداث خياليّة في مأوى للمتشرّدين يقع وسط سوق في مدينة دمنهور، المأوى يجمع تحت سقفه مجموعة من المهمشين، الذين خانتهم الظروف، ومن بينهم بطل الرّواية الذي تحوّل من تلميذ مجتهد في معهد الأدب إلى مشرّد لا ملجأ له سوى جدران وكالة عطية.

يصوّر لنا خيري بطل روايته في صورة الشاب الريفي الذي نشأ في أسرة محافظة كل همّه هو الحصول على مستوى تعليمي عالٍ، والظفر بوظيفة مرموقة تجعل عائلته تفخر به، صورة نمطيّة تتحطّم عند حادثة اعتدائه على أحد معلميه، فيتسبب ذلك في طرده من المعهد لتبدأ رحلته نحو الأسفل مناقضاً بذلك آماله وطموحاته وتوقعات عائلته. 

تتغيّر حياة الفتى المحافظ عند عتبة الوكالة، وفي أول لحظة لقاء بينه وبين المالك “شوادفي”، فبعد رفضه لواقعه الجديد لعدّة أيام لم يجد سوى وكالة عطيّة مكاناً يفتح أبوابه لمشرّد مهزوم قضى أياماً يتجول في أحياء دمنهور لعله يجد طريقا مشرقاً، لكن دون جدوى. يفتح شوادفي طريقاً للفتى داخل وكالته ليصنع عالماً جديداً لنفسه وسط صعاليك المدينة ومجرميها ومهمشيها.

“إنّ الإنسان لا يمكن أن يكون شريفًا داخل محيط من الفساد والفسق، الشرف لايمكن أن يكون فردياً بأي حال من الأحوال، حتّى لو تحلى به الإنسان واعتنقه، فالشرف كما يبدو لي الآن، لا يتحقق بالاختيار فقط ولا بالممارسة فحسب وإلاّ فأنا شريك بالصمت في هذه الجريمة.”

  وكالة عطية أشبه بدولة صغيرة فاسدة، لها عاداتها وثقافتها و مفاهيمها الخاصة بها، كل مرفوض في الخارج مقبولٌ بداخلها مادام لا يفسد سلامها العام، دولة كهذه  يترأسها شوادفي بكل فخر ومسؤولية، يفتح أبوابه للجميع مادام الجميع يحافظ على نظام الوكالة، يعرف أسرار الجميع ويحفظها وينظر إليهم بعين الرّاعي، لا يهمه من أين جاؤوا ولا كيف يكسبون لقمة عيشهم، ولا إن كانوا ظالمين أو مظلومين، شرفاء أم لصوص طالما يلتزمون بدفع الإيجار والحفاظ على السّلام داخل الوكالة. فحين تدخل إليها تجد الجميع يتوسّد الأرض ويفترش السماء ينامون في سلام تحت حماية شوادفي حتى يحل الصباح فيلتمس كل منهم طريق رزقه بأصعب الطرق وأنذلها مادامت توفي لقمة عيش وحق إيجار. حياة كهذه لم تكن شيئًا يسيرًا على بطلنا، فكلما حاول الفرار منها سحبته إلى عمقها أكثر حتى أصبح شبيهًا بكل من يسكن الوكالة، كأنّهم عائلة واحدة، شعب واحد يشترك في الواقع البائس والمصير المشؤوم لمن أدارت الحياة لهم ظهرها.

“كتم الأنفاس فى صدر تعوّد على التنفس بحريه تامة له وقع مؤلم في النّفس”

خيري كعادته يكتب بلغة قويّة وسرد محكم، يجعلك تعيش أحداث مايرويه على لسان شخصياته فتبدو قصصهم واقعيّة وحقيقيّة لا مجرّد خيال بسرد جميل، يمنح للمحرومين صوتاّ يتحدثون عن معاناتهم، ويجعلون من يقرأ يشعر بهم ينتبه لوجودهم في زاويا المدن الكبيرة. لغة خيري الساحرة تمنح حركة دائمةً لأحداث القصة لتخلق حياة خاصة خارج المعتاد، فالرّواية تعتبر رحلة مجانيّة ممتعة  في شوارع دمنهور وأحيائها الفقيرة، معطيا بذلك لمحة مصغرة عن مصر في عهد جمال عبدالناصر بكل تناقضاتها السياسيّة والفكريّة التي بدأت بالظهور آنذاك، ومظاهر القمع والدكتاتورية التي عاشها المصريّون في عهد عبد الناصر. 

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Zineb Attou
طالبة دكتوراه في الكيمياء , مهتمة بالأدب و الفكر والفلسفة
المقالات: 5

اترك ردّاً