قصص ضائعة – غابرييل غارسيا ماركيز.

بطاقة فنيّة:

الكتاب: قصص ضائعة.
الكاتب: غابرييل غارسيا ماركيز.
النوع: نصوص ومقالات.
عدد الصفحات: 112 ص.
دار النشر: أزمنة للنشر والتوزيع.
سنة النشر: 1999.

عن الكاتب:

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائي وصحفي وكاتب قصص قصيرة، من أشهر أعماله (مئة عام من العزلة) ( الحب في زمن الكوليرا)، حاز عام 1982 على جائزة نوبل للأدب. قدَّم أعماله للقُرَّاء وهي أقرب إلى الواقعيّة السحريّة الذي برع فيها، والذي يجمع فيه بين أسلوب قَص الحكايات التقليدي الممزوج بالخيال.

المترجم:

صالح علماني (1949-2019)  مترجم فلسطيني، يترجم عن الإسبانيّة. درس الأدب الإسباني. أمضى أكثر من ربع قرن في خدمة الأدب اللاتيني ليُعرّف القرّاء العرب على هذا النوع من الأدب الساحر. ترجم ما يزيد عن مئة عمل عن الإسبانيّة، هي محصلة جهوده الدؤوبة خلال أكثر من ثلاثين عاماً في الترجمة .

عن الكتاب:

بخفة دم الصحفي وخبرة وحكمة الكاتب، يسرد ماركيز قصصاً من واقعه وأخرى حُكيت له بأسلوب حكاءٍ يستخلص العبر منها، تناقش عديد المواضيع في السياسة والفن والسينما والكتّاب والكتب والأساطير والحكايات، الشيخوخة والذاكرة والدّروب وأشباحها وغيرها مما تقتضيه الحياة وتصادفه.
القصص أقرب إلى مقالات ونصوص ذاتيّة، تجد فيها ماركيز وأفكاره، تصوراته، آراءه، وحواراته أيضاً في قالب لا يخلو من طابع الفكاهة المحبب للنّفس والسخرية والكوميديا السوداء، بخفّة ظل راوٍ متمرّسٍ في أسلوب الواقعيّة السحريّة التي يجيدها ماركيز.
هذه ليست مراجعة دقيقة بقدر ما هي عرض لمحتويات الكتاب، وعرضها عشوائي ولا يتناسب مع فهرس الكتاب..
ينقسم الكتاب إلى 20 قصة لا تتعدى الواحدة فيهم 6 صفحات.

قصص ضائعة تجمع الشتات.

“ليس هناك من عمل للتّحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لإبتداع العالم “

معروف بأنّ ماركيز حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، خصص مقال بعنوان “العظماء الذين لم يكونو كذلك” كتب فيه عن الأدباء الذين ماتوا ولم يفوزوا بجائزة نوبل رغم أنّ أعمالهم تستحق المجد وقد كانت شاهدة عليهم لأنّها خلدتهم في ساحة الأدب، فكثيرون جداً يعرفون تولستوي ورائعته الحرب والسلام أو آنا كارنينا، لكن نادرٌ جدًا من يعرف الحائزين على جائزة نوبل في حقبته أو أي من أعمالهم ؛ أمثال البريطاني روديارد كبيلنغ (1907 م) والفرنسي سولي برودوم (1901 م أول الحاصلين على الجائزة )!
كذلك أمثال هنري جيمس،مارسيل بروست، فرانز كافكا،راينر ريلكه الذين بصموا بأعمالهم بصمة المجد في تاريخ الأدب، على حساب الذين نالوا الجائزة ولكن قليلون جدًا من يعرفونهم وقد طوى النسيان أعمالهم!
هناك خرافة طريفة لا يمكن إثباتها كما لا يمكن نفيها، تقول بأنّ الحاصلين على جائزة نوبل لا يعيشون أكثر من سبع سنين. مع أنّ هذه الخرافة مدعومة ببعض الأمثلة الواقعية، إلاّ أنّه من الطريف أنّ ماركيز نفسه شاهد على نفي هذه الخرافة لأنّه مات بعد 32 سنة من حصوله عليها (1982- 2014 ).

يذكر ماركيز في مقال “شيخوخة لويس بونويل الشابّة” السبب الذي يجعل الكثيرين من جيله أو غيره من الأجيال تشيخ في غير وقتها كما حصل مع لويس بونويل* الذي كتب مذكراته خوفاً من فقد ذاكرته _كما حصل مع أمه_ فالذاكرة هي ما يكوّن حياتنا بحسب رأيه. ويعلق ماركيز بأنّ “مأساته لم تكن في فقد الذاكرة وإنّما في الخوف من فقدانها”.
ويقول في شأن الشيخوخة:
“إنّ المرء ليشعر بالسلوى حين يفكّر بأنّ الشيخوخة ليست سوى حالة معنوية. إنّ إرادتنا غير قادرة على منع الموت، ولكنّها قادرة على سد الطريق أمام الشيخوخة، فوالدي الذي توفي عن 82 سنة كان يتمتع بحيويّة ومظهر إستثنائين، ونحن أولاده نعلم أنّ سرّه ضدّ الشيخوخة كان شديد البساطة: لم يكن يفكر بها”.
ولأنّ الحياة لا تبدو منطقيّة أحيانا ولا تكف عن مراوغتنا بعجائبها التي لا تنتهي، فماركيز توفي عن عمر يناهز 87 سنة وفي آخر حياته كان قد أصيب بالزهايمر، ترى كيف عاش ماركيز شيخوخته ؟وهل كان يفكر فيها ؟!

في مقال “كاتب السيناريو في الظل” الذي طرح فيه مشكلةً للتّأمل في مصيرها، وهي تواري كتّاب السيناريو عن ساحة الإشادة والإهتمام التي تذهب عادةً إمّا للمنتج أو المخرج في حين أنّ دوره كبير جدًا مع أن القاعدة الأدبيّة للفلم يجهزها كاتب السيناريو لا المخرج، لكن مصيره يبقى متوارٍ تحت الظلال، ويقول ماركيز في شأن السينما “هناك سؤال يتردّد دوماً حول علاقتي بالسينما، وقد كانت إجابتي الوحيدة على هذا السؤال دائما هي: علاقة زواج غير موفق. بمعنى أنّـني غير قادر على العيش بدون السينما وغير قادر على العيش معها”. وذلك لأنّ معظم الكتاب إنّ توجهوا نحو كتابة السيناريو لا يكون إلاّ بداعي البحث عن لقمة عيشٍ إضافيّة.

كما يوضّح في مقال “حماقات أنطوني كوين” فيذكر ماركيز سبب تمنعه عن نقل رواياته إلى صالات السينما وذلك لأنّه لا يريد لذلك الرّابط بين القارئ والكاتب عن طريق الكلمات أن يختفي:
“إنّ تمنعي في نقل (مئة عام من العزلة) أو أي كتاب آخر من كتبي المنشورة إلى السينما، غير مرتبط بشذوذات المنتجين، وإنّما لرغبتي في تواصلي مع قرائي مباشرة. من خلال الحروف التي أكتبها لهم. بحيث يتخيلون الشخصيات كما يشاؤون وليس من خلال وجه ممثل مستعار على الشاشة “
ويشدد على القول بأنّ هناك ” أفلاما جيّدة كثيرة مأخوذة عن روايات سيئة، لكنني لم أشاهد أبداً فلمًا واحدًا جيدا مأخوذ عن رواية جيّدة “والأعمال السنمائية الحاليّة أو السابقة شاهدة على هذا القول بدرجات متفاوتة.

في مقال “مقابلة صحفية؟ لا.. شكرا ” يحكي ماركيز عن مقابلة صحفيّة، سأله الصحفي فيها عن منهجيته في العمل؟ ليتأمل ماركيز قليلا ويفكّر في إجابة جديدة ومختلفة، ذلك أنّه لا يريد لنفس السؤال المكرر أن يحمل إجابة مكررة، فالمقابلات مثل الحب تحتاج إلى تجديد دائم حتّى لا يفقد الكاتب بريقه من جهة ويفقد قُراءه الشغف والدّهشة من جهة أخرى وتصيبهم خيبة الأمل، فتصبح هاته المقابلات الصحفيّة بلا معنى كما الحب الباهت. يُظهر هذا مدى حرصه على مشاعر وشأن القراء الذين يكِنُ لهم التّقدير والاِهتمام.

في حديثه عن الكتب التي قرأها يلفتُك شيء بديع، وهو ثقافة ماركيز اللّغوية الواسعة وإتقانه اللّغة وغوصه في أعماقها، ففي تعليقه عن أحد الرّوايات التي قرأها “أيام العيد س” يقول: “ولقد إشتريت منها نسخاً كثيرة، وبلغات مختلفة لأشاطر في متعتي بها أصدقاء من العالم بأسره. ولا أذكر أنّ أحداً منهم لم ينحن أمام ذلك الينبوع من الجمال”، وهذا إن دل على شيء فهو تقديره للأدب والأدباء وإستمتاعه بالأعمال الأدبيّة كقارئٍ أولاً قبل أن يكون كاتبًا يتأثر بما يقرأ.


مقال “انفجار ديموقريطس” الذي هو عبارة عن كلمة ألقاها في ندوة السّلام ونزع السلاح بالمكسيك في عام 1986، فمعروف عن ماركيز دعمه لحركات التّحرر والحريّة في كافة أنحاء العالم ورفضه لمبادئ السلطوية، ويدلي بآرائه السياسيّة متى سمحت له الفرصة، وأنّ صداقته للقائد فيدال كاسترو كانت موضع ريبة على كافة الأصعدة _حتى أنّه مُنع من دخول الولايات المتحدة وإن دخلها يكون بتصريح محدود المدة_، يسرد إحدى قصصه الطريفة في مقال “الولايات المتحدة بابها مغلقٌ خيرٌ منه موارب” و “ساعات غراهام غرين العشرين في هافانا” لكن رغم ذلك لم تمنع كتبه من النّشر يعلّق ماركيز على هذه المفارقة الغريبة بأنّ “الكتب أشد خطورة من مؤلفيها ” فهي الجديرة بالمنع أو الحرق كما فعل هتلر في زمن ما
_هذا جزء من كلمة ماركيز في المؤتمر الذي خصّ بمناقشة قضية الحرب الذرية والتسابق نحوها_ ، التي تنتهجها الدول الكبرى في الحروب:
“إن سباق التسلح يسير في اتجاه معاكس للذكاء، ليس معاكسًا للذكاء الإنساني وحسب وإنّما لذكاء الطبيعة ذاتها التي تجاوزت غايتها رؤيا الشعّر وبصيرته. منذ ظهور الحياة المرئية على الأرض كان لا بد من مرور ثلاثمئة وثمانين مليون سنة كي تتعلم الفراشة الطيران، وكان لابدّ من مئة وثمانين مليون سنة أخرى كي تتقن الطبيعة صنع الزهرة دون أن يكون لها غرض آخر سوى الجمال. وكان لا بد من أربعة عصور جيولوجية لكي تتمكّن الكائنات البشريّة _خلافا لجدّنا قرد البييتكانتروب_ من الغناء خيراً من العصافير، ومن الموت حبًّا.
وليس مشرفا للعبقريّة البشرية في العصر الذهبي للعلم أن تتصور بأنّ عملية مكلفة وهائلة ، احتاج إنجازها لملايين السنين يمكن لها أن ترجع ‘لى العدم الذي جاءت منه، وذلك بمجرد ضغط زر”.
فلا شيء مخيف وقادر على حسم مصير الكون والعالم بين يدي البشر كالطاقة النوويّة ما دامت الحياة الإنسانية أرخص كلفة على وجه الأرض.

“أبهة الموت” هذا المقال مرعب حقا، فهو يفضح أعمال وكالات الدّفن والمسيرين لأمور الجنائز في المكسيك وحتى الولايات المتّحدة من إستغلال ماديّ بغيض لأهالي الموتى، فكل سنتمتر من الجثة عليك أن تدفع حقه أو لا تدفن الجثة كاملة!
بالمناسبة عنوان الكتاب “قصص ضائعة” مضلل، وهو جزء بسيط من الكل ولا تستطيع الحكم من خلاله على مضمونه، حيث طرح فيها ماريكز قصصًا ضائعة نسمعها تكرارًا ولا نتساءل إن كانت وليدة الصدفة عندما نجد تشابها بين رواياته من مختلف الثقافات؟ أم أنّ كل الراويين لها كاذبون؟


أخيراً في مقال كان بمثابة كلمة تأبين لكاتبة غير معروفة تدعى ” ميرسيه رودريد ” كتب ماركيز فيها : ” الكاتب الذي ما يزال يعرف كيف يسمى الأشياء يكون قد أنقذ نصف روحه”.

فهل تراه ماركيز قد أنقذ نصف روحه هو أيضا ؟

بعض القصص التي لم يتسع المقال للتّكلم عنها وهي تستحق ذلك..
هذه هي القصة كما رووها لي.
ساعات غراهام غرين العشرين في هافانا.
مذكرات مدخن متقاعد.
الزوجات السعيدات ينتحرن في الساعة السادسة.
ما لم تحزره نبوءات اوراكل.
25 مليار كيلومتر مربع بلا زهرة واحدة.
العودة من الطائرة الى البغلة .. يا للسعادة!
أشباح الدروب.
معجم للحياة الحقيقة .
ملاحظة أخيرة:
هذا الكتاب يمكن إعتباره كدعوة صلح ماركيز مع القراء الذين لم يعجبهم ماركيز الرّوائي في مئة عام من العزلة، أو الحب في زمن الكوليرا، أو غيرها من رواياته الطويلة، ربّما يعجبهم ماركيز الصحفي وكاتب القصص القصيرة هذه.


هوامش:
*مذكرات لويس بونويل : موجودة على الموقع مراجعة كاملة للكتاب.

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Laib Kaisse
قارئ يحاول أن يكتب ..
المقالات: 12

اترك ردّاً