عالم كيركغارد، الجزء السادس: تعلم كيف تعاني.

يرى كيركغارد أنه يمكن للشخص أن يجد متعة كبيرة في الحياة عن طريق مواجهة المعاناة بشكل مقدام

اختبر كيركغارد الكثير من المعاناة في حياته القصيرة نسبياً. ففي سنته الخامسة والعشرين كان قد فقد كلا والديه، وخمسة من أشقائه الستة. وبالإضافة لذلك، فقد اكتسب فهماً عميقاً لمختلف أنواع الآلام النفسية نتيجة إحساسه المرهف، وميله للاكتئاب والقلق، وعلاقته العويصة مع والده ومع خطيبته الوحيدة ريجينا. فبدلاً من تجنب المعاناة أو إنكارها، كان كيركغارد مستعداً وبشكل غير متوقع  لمواجهتها وفهمها. وقد امتد إحساسه المرهف للمعاناة نحو الآخرين: فقد علّق أحد أصدقاءه بأنه “لم يكن يواسي عن طريق إلقاء المعاناة جانباً، ولكن عن طريق جعل الشخص يدركها بشكل كامل، عن طريق تبيينها بشكل جلي جداً”.

تميز هذه المقاربة فكر كيركغارد الفلسفي بالإضافة لحياته الشخصية.  كتب كيركغارد في كتابه المنشور سنة 1844  مفهوم القلق The Concept of Anxiety: ” على جميع البشر أن يتعلموا أن يكونوا قلقين anxious لكي لا يهلكوا نتيجة عدم كونهم قلقين ولو لمرة واحدة في حياتهم أو عن طريق تسليم أنفسهم للقلق. فكل شخص تعلم كيف يكون قلقاً على الطريقة الصحيحة فقد تعلم الحقيقة المطلقة “. عبر كيركغارد عن موقف مشابه بالنسبة لليأس despair  في كتابه اللاحق المرض حتى  الموتThe Sickness Unto Death.  إذا ما هي “الطريقة الصحيحة” للمعاناة، وكيف يمكن تعلمها؟

أول نقطة نلاحظها هي أن كيركغارد يرى أن مدى  استعدادنا للقلق واليأس يمثل مقياسا لطبيعتنا الروحية. فالسبب الوحيد الذي نعاني لأجله  بهذه الطرق هو أننا نملك بعض الوعي بأننا كائنات روحية  متصلة بالرب، وأننا قد فشلنا بطرق مختلفة بأن نكون صادقين في هذه العلاقة الدينية. في الواقع، يرى كيركغارد أنه عندما لا نكون مخلصين لعلاقتنا بالرب، فإننا في الواقع غير مخلصين بعلاقتنا مع أنفسنا. يرى كيركغارد أننا نملك ميلاً لكي نفقد أنفسنا. وهذا الفقدان، جنباً إلى جنب مع المعاناة التي تنتجها، هي ما يعنيه كيركغارد باليأس.

لقد عرض هذا المفهوم لليأس في المرض حتى الموت كتفسير للعقيدة المسيحية بالخطيئة الأولى(*). وفي هذا النص، يشير كيركغارد إلى أنه مثل الخطيئة فاليأس هو حالة موجودة عند الجميع، سواء أدركوا هذا الشيء أو لا:

“يمكن لأي شخص يفهم البشرية بحق أن يقول أنه ليس هناك بشري واحد لا ييأس ولو قليلاً، شخص لا يحتضن داخله اضطرابا ما، وكفاحا داخليا، ونزاعات، و قلقا حول شيء لا يعرفه أو حول شيء لا يجرؤ على معرفته، وقلقا حول شيء ما محتمل في الوجود أو قلقا حول ذاته.”

ولأن المعاناة الوجودية العميقة لليأس تدل على وعي الفرد بطبيعته الروحية وعلاقته مع الرب، فقد اعتبر كيركغارد هذا النوع من  المعاناة كشيء إيجابي، على الرغم من صعوبة العيش معه. إنه علامة على النضوج الروحي، على أية حال. ويرى كيركغارد أيضاً أن ميلنا لفقدان ذاتنا مرتبط بميلنا لتجنب المعاناة وتجاهل كياننا الروحي والانغماس في “العالم” بدلاً عن ذلك. ولكن من وجهة نظر كيركغارد، فإن استراتيجية المراوغة هذه محكومة بالفشل، لأننا كائنات روحية، وأن عملية مراوغتنا ذاتها تؤكد هذا الشيء.

أدى هذا المفهوم للوجود البشري لتأكيد فضيلة الشجاعة في أعمال كيركغارد. فالشجاعة تعني مواجهة ما يخشاه المرء، بدلاً من الهروب منه. فالشخصية الشجاعة مستعدة لأن تعاني عندما تعرف أن هذا الشيء مطلوب منها. فبالنسبة لكيركغارد، فإن “مطلوبية” المعاناة تنشأ ببساطة من كون الشخص إنساناً بحق. فعلى سبيل المثال، يطري كيركغارد على شجاعة إبراهيم في الخوف والرعشة، والذي لم يحاول أن يتجنب المعاناة الكامنة في اتخاذه الخيار حول قتل ابنه. وبدلاً عن ذلك، فقد قام إبراهيم بفعل الشيء الضروري لكي يكرم علاقته بالرب.

هل  يرتقي إصرار كيركغارد على المعاناة لدرجة المازوخية(**)، وربما ميل غير صحي نحو الشهادة؟ رداً على هذا التساؤل، علينا أن نلاحظ أنه في فلسفة كيركغارد، ليست المتعة هي نقيض المعاناة، بل الجبن والمراوغة. وبما أن المعاناة ببساطة شيء حتمي، فالمسألة هي مسألة الاستجابة لها بشكل صحيح. في الواقع، يرى كيركغارد أنه عن طريق مواجهة المعانة بشجاعة، يمكن للشخص أن يجد متعة كبيرة في الحياة.

يعتبر الكثيرين المعاناة كعائق أمام الإيمان الديني، وحتى كحجة مضادة لوجود الرب. فهم يسألون كيف يمكن لرب محب وكلي القدرة أن يخلق عالم كهذا العالم، عالم مليء بالمعاناة. وهذا الشيء أجبر علماء اللاهوت على التوفيق بين الإيمان بالرب وبين حقيقة أن الحياة غير مرضية في الغالب.أما بالنسبة لكيركغارد، على أي حال، فالمشكلة المطروحة حول المعاناة هي مشكلة وجودية existential وليست بفكرية intellectual: فهو لا يهتم كثيراً بالحقيقة الموضوعية objective fact حول وجود أو عدم وجود الرب بل بالعلاقة الشخصية subjective relationship مع الرب الذي يعتبر وجوده في حالة شك دائمة، ولا يمكن توكيدها. يشير كيركغارد إلى أن إحدى الطرق للحفاظ على إيمان ديني في وجه المعاناة هو أن نفقد الأمل بأي سعادة في هذه الحياة، ونُرجأ هذا الأمل لما بعد الموت، ويعترف كيركغارد بأن الارتباط بالرب بهذه الطريقة  ممكن، ولكنه ليس بالشيء السهل. على أي حال، يرى كيركغارد بأن أهم وأصعب مهمة تقع على عاتق الشخصية المسيحية هو أن تتحمل المعاناة بينما تستمر بالإيمان بأنها محبوبة من قبل الرب -ذلك الرب الذي يهتم بأصغر التفاصيل في حياتها- ولكي تعتبر هذه الحياة الصعبة والمؤلمة كهدية من الرب المحب. فحتى في خضم المعاناة، فإن الشخص الذي يرتبط بالرب بهذه الطريقة يشعر بأنه مبارك.

(*)في العقيدة المسيحية تشكل الخطيئة الأولى خطيئة آدم التي أنزلته لعالم البشر بعد أن كان في السماء. ومن آثار هذه العقيدة أنها انتقلت من آدم إلى أولاده فأولادهم وهكذا، فجميع البشر هم مخطئون منذ الولادة، لأن الخطيئة متأصلة في بني آدم.

(**) وهو توجه جنسي حيث يميل أصحابه لأن يتلذذون جنسياً بالتعذيب أو الألم ويكون هذا التوجه النفسي معتدل في الغالب ولكنه قد يأخذ أشكال متطرفة مثل إيذاء النفس أو تشويهها.

المصدر:https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2010/apr/19/kierkegaard-philosophy-christianity

تدقيق لغوي: قابة سليم.

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً