تأثير الدومينو

قبل ما يقارب الأربعة أعوام، قامت إحدى صديقاتي بمشاركة مقطع فيديو لجنرال عسكري، يخبر جنوده بأن تغيير العالم يبدأ حينما تقوم كل يوم صباحاً بترتيب سريرك.

استوقفتني كلمات الجنرال، إذ كيف لفعل بسيط مثل ترتيب السرير أن يغير العالم، إلا أنني فهمت سر البدايات وكيف أن رحلة الألف ميل تبدأ فقط بخطوة. ويمتد أثر العادة البسيطة الواحدة إلى استحداث عادة جيدة أو التخلي عن عادة سيئة، فبعدما اعتدت على ممارسة المشي كل يوم، قاطعت تماماً المشروبات الغازية والأطعمة المليئة بالدهون.

بالتأكيد، لم أكن حينها أدرك أن ما أفعله يُعرف اصطلاحاً بتأثير الدومينو.

ويعني تأثير الدومينو، أن تغيير سلوك واحد يؤدي إلى سلسلة تغيّرات، فعند سقوط أول قطعة دومينو ستؤدي إلى سقوط باقي القطع.

ويحدث بسبب الترابط المتأصل في الأشياء، فالتغيير في أحد المجالات يؤدي إلى تغيّرات مفاجئة في مجالات أخرى.

ويختلف تأثير الدومينو عن تأثير الفراشة، حيث أن الأول  واضح ومنطقي ويمكن التنبؤ به، أما بحسب تأثير الفراشة فإن التغيير الطفيف يؤدي إلى نتائج مختلفة.

الذي أكل الحساء الآسيوي في مقاطعة ووهان لم يكن يعلم أن هناك جائحة ستفتك بالعالم (تأثير الفراشة)، بينما ما حدث من تغييرات في العالم بسبب جائحة كورونا أثرت على كافة مجالات الحياة هي بفعل تأثير الدومينو وقد كانت متوقعة إلى حد ما.

والاختلاف الآخر بين النظريتين، أن نظرية تأثير الفراشة طُرحت من قبل العلماء، بينما تأثير الدومينو طُرحت من قبل السياسيين.

بحسب الرؤية السياسية، فإن إحداث تغيير في منطقة من العالم، سيؤدي إلى إحداث تغييرات مشابهة في المناطق المجاورة، وعلى هذا الأساس حشد فلاديمير لينين Vladimir Lenin ثورته الشيوعية، إذ وصفها بأنها عابرة العرق والقومية وستلهم فرنسا وألمانيا وبلدان أخرى مجاورة على القيام بالثورة.

وخلال الحرب الباردة، تبنت  الخارجية الأمريكية سياسة مشابهة، عندما قام  هاري ترومان Harry S. Truman بإرسال مساعدات عسكرية إلى اليونان وتركيا خوفاً من المد الشيوعي.

أما الطرح الرسمي لنظرية الدومينو فقد تم من قبل دوايت دي أيزنهاور Dwight D. Eisenhower، أن سقوط دولة غير شيوعية للشيوعية سيعجل من سقوط الحكومات غير الشيوعية المجاورة، وقد استخدم مصطلح سقوط الدومينو مشيراً إلى الأهمية الاستراتيجية لجنوب فيتنام بالنسبة للولايات المتحدة وتأثيره في كبح خطر الشيوعية، حيث أن سقوط الهند الصينية للشيوعية سيجعل من دول جنوب شرق آسيا تسقط بأيدي الشيوعية.

فتذرعت الولايات المتحدة بتأثير الدومينو، لتقدم الدعم العسكري للديكتاتور المدعوم من فرنسا في جنوب فيتنام ضد شمال البلاد.

وقد كانت مستخدمة من قبل كيندي وجونسون في الستينات لتبرير زيادة المشاركة العسكرية الأمريكية في فيتنام.

لعدة أسباب من ضمنها فقدان مصداقية النظرية بشأن التدخلات العسكرية، لم تُطبق ثانية حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث طرحت إدارة بوش محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط بذريعة تهديد للدول الصديقة للغرب، ومن ناحية أخرى فإن نشر الديمقراطية في هذه الدول سيجلب السلام إلى دول المنطقة، ويبدو واضحاً أن النظرية فشلت مرة أخرى، إذ لم تر المنطقة سلاما منذ احتلال العراق عام 2003.

إن فقدان نظرية تأثير الدومينو لمصداقيتها في السياسة، لا يعني بالضرورة أنها فشلت في الجوانب الأخرى.

وإن أهم تطبيقات تأثير الدومينو يكون في تنمية عادات جيدة والتخلص من أخرى غير جيدة.

كذلك الهدف الواحد يمكن جعله على هيئة قطع دومينو، فهي سلوك أو مبدأ يمكنك أن تعتمده في حياتك.

فمثلاً، عند تعلم لغة جديدة يمكن وضع مسار التعلم (قطع دومينو).

أولاً، تعلم الحروف ثم الأرقام ثم الأيام والشهور … إلخ. كل خطوة في رحلة تعلم اللغة تمثل سقوط قطعة دومينو.

كذلك في تنمية العادات، لو كنت شخصا يعاني من كثرة استخدام الهاتف، توقف أولا عن تفقد هاتفك صباحا، بعد ما تتخذ هذه العادة، اتخذ عادة أخرى وهي عدم تفقد هاتفك أثناء قيامك بعمل ما.

ويمكن تطبيق تأثير الدومينو على التنوع الأحيائي وخطر الانقراض، أخطر الأزمات التي يعانيها كوكبنا هي أزمة تغير المناخ وبحسب تأثير الدومينو فإن تغير المناخ يؤدي إلى اختفاء أنواع نباتية وهو بدوره يؤدي إلى اختفاء الأنواع الحيوانية لاحقا خصوصا الحشرات التي تتغذى على النباتات.

وبحسب الديلي ميل إن انقراض أحد آكلات اللحوم قد يؤدي إلى موت أنواع مفترسة أخرى حيث يعتقد الباحثون أن أي انقراض يمكن أن يخلق تأثيرا مضاعفا عبر شبكة الغذاء مع عواقب بعيدة المدى للعديد من الحيوانات الأخرى. 

ويذهب بعض العلماء إلى أبعد من ذلك حيث  تقليل حجم نوع ممكن يتسبب في انقراض نوع آخر.

المراجع:

  1. Britannica: domino theory 
  2. Psychology today: the domino effect 
  3. Daily mail: scientist use wasps and aphids to prove domino effect of extinction 2012 \08\15

تدقيق لغوي: سليم قابة.

الصورة الافتراضية
Zahraa Majid
المقالات: 0

اترك ردّاً