عالم كيركغارد، الجزء السابع: اللاروحية

أن لا تدرك أنك كائن روحي فهذا أكبر خطر وخسارة ممكنين.

كما رأينا في الأسبوع الفائت، فإن كيركغارد يُعرّف نوعاً معيناً من المعاناة على أنه الجوهري للحياة البشرية: وهو اليأس. فنحن نسقط في أحضان اليأس عندما نفقد ذواتنا- عندما نغض الطرف عن الجانب الروحي في وجودنا، والذي وفقاً لـكيركغارد، أكثر الجوانب أهمية في وجودنا البشري. على أي حال، فأن تحليل كيركغارد لليأس لم ينشأ ببساطة نتيجة اهتمامه بالوضع البشري، ولكن نتيجة اهتمامه للاستجابة  لمشاكل اعتبرها كيركغارد خاصة بعصرنا الحديث.

ففي كتابه المرض حتى الموت، يصف أنواعاً مختلفة من اليأس. ويرى أن أكثر أنواع اليأس انتشاراً في عصرنا الحديث هو ذلك اليأس الذي يجهل صاحبه وجوده. فالشخصية التي تيأس بهذه الطريقة لا تفشل بملاحظة أنها قد فقدت ذاتها، ولكنها أيضاً تتجاهل حقيقة أنها تملك ذاتاً لكي تفقد في المقام الأول. وبكلمات أخرى، فأنها لا تدرك نفسها ككائن روحي- ويطلق كيركغارد على هذا النوع من اليأس بـ”اللاروحية spiritlessness“. ففي العصور الحديثة، ووفقاً لـكيركغارد

“يعيش معظم الأشخاص من دون أن يدركوا مسألة كونهم أرواح … هناك الكثير من الحديث حول تبديد الحياة، ولكن فقط ذلك الشخص الذي ضاعت حياته والذي يستمر بالعيش مخدوعا بمتع الحياة وأحزانها إلى درجة أنه لا يمكن مطلقاً أن يصبح  واعياً بشكل متعمد ودائم كروح، كذات.”

يصر كيركغارد على أن هذا الانعدام في وعي الفرد بطبيعته الحقة يتضمن الإرادة: فهي في الواقع ليست ببساطة مسألة جهل، بل إنها مسألة خداع النفس بشكل متعمد. وعلى كل حال, فهذا الشيء ليس مجرد ميل فردي، ولكنه توجه مزروع في أحشاء المجتمع الحديث. كما يكتب في المرض حتى الموت:

“إنّ آخر شيء يهتم به العالم هو الذات وإن أخطر شيء يمكن للفرد أن يقوم به هو أن يظهر علامات على امتلاكها. فأكبر خطر في الوجود، وهو خسران الذات، يمكن أن يحدث بهدوء في العالم، كما لو أن شيئاً لم يكن. لا يمكن لأي خسارة أن تمر بمثل هذا الهدوء؛ أي خسارة أخرى-ذراع، قدم، خمسة دولارات، أو زوجة، ..- ستُلاحظ بالتأكيد.”

من المؤكد أن هناك جانب ساخر هنا، لأن الثقافة الحديثة يمكن تمييزها وبشكل جلي بالفردانية، بالسلوك ذو المنفعة الذاتية، وبعبادة الذات والشهرة.  إن جل كلامنا يدور حول تحقيق الذات وإدراك الذات، إلاّ أن “الذوات” التي نسعى للحفاظ عليها أو أن نطورها في الغالب ليست بكيانات روحية، ولكنها كيانات “استهلاكية” يجب تلبية رغباتها، بل وربما هي بضائع لكي يتم استهلاكها. فوفقاً لمعايير كيركغارد، فهذه بالتأكيد ليست بذوات حقيقية.

يرى كيركغارد أن خاصية مميزة من مميزات حياتنا الحديثة هي “التجريد”، والذي يعنيه بكلامه هو نوع من العلاقة مفرغة من المشاعر الشخصية والاهتمام. وكما رأينا في الأسابيع الماضية فأن مفهوم “العلاقة relationship” يقع في قلب تصور كيركغارد للحياة البشرية: فهو لا يؤكد على العلاقة الشخصية بين الفرد والرب، ولكن العلاقة مع الذات، مع الآخرين، ومع الأشياء التي يهتم الفرد بها. ولكن هذه العلاقات تُقوّض من قبل هيكلية المجتمع الحديث، حيث الفرد

“لا ينتمي للرب, أو لنفسه, أو لمحبوبته, أو لفنه أو لعلمه بعد الآن, أنه واعي لانتمائه لكل شيء بطريقة مجردة عديمة المعنى, كما ينتمي العبد لمالكه.”

فهذا التجريد، عن طريق إفقاره للعلاقات البشرية، “يترك كل شيء على حاله ولكنه يجرده بمكر من أهميته.” يتنبأ كيركغارد بأن “المال سيكون هو الشيء الوحيد الذي سيرغبه الناس في النهاية، وهذا المال ليس إلا شيئا مجردًا.”

بالتأكيد، يولد هذا الشيء عواقب وخيمة على المجتمع. ففي الواقع، يبدو أنه لو أننا سرنا خلف تحليلات كيركغارد للعصر الحديث، فعندها يجب علينا الاعتراف أنه لا يوجد مجتمع. فقد جادل كيركغارد في عصره  بأن الفكرة التقليدية لـ “مجتمع community” موحد بناءً على الحاجات والقيم  المشتركة  يتم استبداله من  قبل “الجمهور”، وهم تجمع من الناس  “يضافون” عددياً لبعضهم البعض بدلاً من أن “ينصهروا” معاً بشكل فعال،  وهم مرتبطين مع بعضهم البعض تبعاً لذلك بشكل مجرد. فلو امتلك هذا “المجتمع”  هدفاً مشترك، فسيكون هدفا خسيساً: انحرافٌ عن البعد الأخلاقي والديني للوجود، وانحرافٌ عن اليأس الذي يدرك فقط بصعوبة بالغة. لقد كتب كيركغارد “أن الجمهور في عملية بحث عن إلهاء.”

اقترح كيركغارد أن أحد عوارض المراوغة الجماعية هي “الثرثرة الفارغة”- وهي ظاهرة آمن كيركغارد بأنها تشكل حجر الزاوية في الصحافة. سواء أكانت تافهة أو لامعة، صحفًا كبيرة أو صغيرة،  فإن الثرثرة الفارغة  تتغذى “بالفضول” وبالرغبة العدمية للتجديد. يمكن مقارنة هذا النوع من الاهتمام السطحي مع الشغف الوجودي الذي يساويه كيركغارد مع حياتنا الروحية. ولا يمكن للشخص إلاّ أن يتساءل عما كان سيفعل كيركغارد مع أعلام القرن الواحد والعشرين، حيث ازدهرت “الأخبار”، و “الآراء”  و “التعليقات”  أكثر من أي وقت آخر. فهل هذه دلالات على ثقافة مزدهرة، أو على اللاّروحية؟

المصدر: Kierkegaard’s world, part 7: Spiritlessness

تدقيق لغويّ: أميرة بوسجيرة

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
المقالات: 0

اترك ردّاً