عالم كيركغارد، الجزء الثامن: الرب والاحتمالية

بالنسبة لـكيركغارد فالرب هو حقيقة الاحتمالية: أنه الشيء الذي يجعلنا أحرار- ولكنه يسبب القلق في نفس الوقت.

أريد أن أنهي هذه السلسلة بأن آخذ بعين الاعتبار بما يعنيه كيركغارد بـ”الرب” و”الإيمان بالرب”، وكيف يشكل هذا الشيء لإدراكنا للحياة البشرية. في الغالب يميل كيركغارد لأن يكون محافظاً من الناحية اللاهوتية، ولكن توفر شخصيته الوهمية يوحنا الدجال Anti-Climacus(*)   في كتابه المرض حتى الموت قدّمت عرضاً صادماً للرب:

“أن كل شيء محتمل ممكن بالنسبة للرب، ويمكن القول أن هذا الشيء هو ما يحدد الرب: أنه الكائن الذي كل شيء ممكن بالنسبة له … أن الرب هو الحقيقة أن كل الأشياء المحتملة، والاحتمالية التي تغلف كل الموجودات والحوادث هي الرب.”

وهذا الكلام يشير إلى التعاليم المسجلة في أسفار مرقس، متّى ولوقا. فعندما يخبر المسيح تلاميذه “إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ! “، فيرد التلاميذ بتعجب، “إِذًا مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟” فيرد المسيح عليهم، “هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ”. ويبدو بأن كيركغارد  قد تأثر كثيراً بهذا المقطع من الإنجيل، فهو يكرره في العديد من أعماله، ومن ضمنها الخوف والرعدة. على أي حال, ففي المرض حتى الموت يتجاوز كيركغارد هذا الشيء، مدعياً ليس فقط بأن كل شيء ممكن بالنسبة للرب، ولكن الرب هو هذه الاحتمالية ذاتها- وأن الإيمان بالرب يعني الإيمان بالاحتمالية.

فبالنسبة لـكيركغارد، فالاحتمالية شيء متأصل في الحياة البشرية- وأن استخدامه للأسماء المستعارة والشخصيات الخرافية يمكنه من التعبير وبطريقة مسرحية عن مختلف الاحتمالات الفلسفية والوجودية. ففي المرض حتى الموت يصرح كيركغارد بأن الكائن البشري ليس إلا توليفة synthesis للاحتمالية possibility و”الضرورة necessity”، والذي يعني في هذا السياق الوجود المادي والعملي. ففي أي لحظة، وفي أي موقف، هناك حقائق موضوعية: فالآن على سبيل المثال، أنا أكتب وأنا جالسة في منزلي في مانشستر، والسماء تمطر. ويمكننا أيضاً أن نسافر إلى المستقبل لكي نتصور مختلف الاحتمالات: فلو أنهيت عملي في الوقت المحدد، ولو توقفت السماء عن المطر، فربما سأخرج للمشي هذا المساء.  بل وحتى الماضي مطارد من قبل الاحتمالات، لأن الأشياء كان يمكنها أن تحدث بطريقة مختلفة. الاحتمالية تملئ كل لحظاتنا الحاضرة بالمعنى. وبالتأكيد، بعض الاحتماليات أكثر أهمية من الأخرى. ولكن وجهة نظر كيركغارد هي أن الوجود البشري ليس محدود بالواقع المادي والعملي, ولكنه مفتوح لعوالم الاحتمالات. وهذا الشيء في رأيه، هو ما يجعلنا أحرارًا- ولكنه يسبب القلق في نفس الوقت.

لو كان الكائن البشري مؤلفاً من الجمع بين الاحتمالية والضرورة، فكلا هذين الجانبين على درجة مساوية من الأهمية. عندما يناقش كيركغارد اليأس في المرض حتى الموت، فهو يعرّف عدة أشكال من اليأس: ففي إحدى الحالات، يفقد الشخص الحقيقة المادية: يفقد نفسه في الخيال، متأملاً ومتخيلاً مختلف الاحتمالات، من دون العمل على تحقيق أي من هذه الخيالات. وعلى الجانب الآخر-ويبدو أنها الحالة الأكثر شيوعاً- يفقد الشخص ذاته في الموجودات المادية. وهذا هو اليأًس الخالي من الاحتمالات:

“عندما يُغمى على شخص ما، ينادي الناس لأجل إحضار الماء، أوالكولونيا، أو النشادر؛ ولكن عندما يكون الشخص على وشك أن يكون يائساً تكون الصرخة، أعطوني احتمالية، أريد احتمالية! فالاحتمالية هي العلاج الشافي الوحيد؛ فالرجل البائس يتنفس مجدداً عند إعطائه احتمالية، إنه ينتعش من جديد، لأنه من دون الاحتمالية، يمكن القول أنه  لا يستطيع  تنفس الهواء.”

فـ كيركغارد، يفهم هذا  الفعل النفسي أو الديني “تنفس الهواء”  بطريقة دينية. “أن تصلي معناه أن تتنفس”، ويكتب كيركغارد:

“تمثل الاحتمالية بالنسبة للنفس ما يمثله الأكسجين بالنسبة للتنفس.ولكن أن توفر الاحتمالية وحدها أو الضرورة وحدها الظروف اللازمة لأجل التنفس الديني ممكن فقط بقدر إمكانية تنفس أكسجين نقي فقط أو نتروجين نقي فقط. فلأجل الصلاة يجب أن يكون هناك رب، ويجب أن يكون هناك ذات مضافاً إليها الاحتمالية … لأن الرب هو  كل الأشياء الممكنة.”

على أي حال، يمكن لهذا الجدال حول الاحتمالية أن يكون قيماً في سياقٍ لا ديني أيضاً.  يمكن أن نحس أن الحياة ضيقة أو محدودة بالعالم المادي- ويمكن لهذا الشيء أن يرهقنا، بكلا المعنيين الذين تحملهما هذه الكلمة[مادي-روحي]. تعمل  النظريات العلمية والاقتصاد الرأسمالي  على تقوية وتأسيس هذا النوع من اليأس  عندما تهيمن هاتين الصفتين على  التوجه العام للحياة.  ولكن بين الحين والآخر تنبثق الاحتمالية في العالم وتوسع أفاقها. وحدث مثل هذا حديثاً عندما تم انتخاب  أوباما  كرئيساً للولايات المتحدة: لم يكن مجرد شيء جديد حدث في العالم، ولكن العالم ذاته شعر كما لو أنه أصبح جديداً. ويمكن لهذا الشيء أن يحصل على المستوى الشخصي، مثلما يحدث على المستوى العام. فربما يفتح لقاء بشخص آخر، أو فلم، أو كتاب، أو عمل فني الباب لاحتمالية قد  هجرت القلب سابقاً. بالتأكيد، يؤكد كيركغارد، على أن الواقع المادي مهم أيضاً، ولو بقيت الاحتمالية غير محققة فعندها سينكمش الوجود من جديد.

في المرض حتى الموت, يوصف اليأس الذي يفتقد الاحتمالية ب”الفلستية اللاروحيspiritless philistinism (**)”, والذي “يغمر نفسه بالابتذال” وفي نفس الوقت “يتصور نفسه متفوقاً”. ويأخذ هذا الشيء عدة أشكال في عالمنا المعاصر: تراجع التعاليم الروحية مقابل المفاهيم الحازمة؛ عملية تسليع الرومانسية؛ تضييق الخناق على الحياة الفكرية عن طريق التركيز على “المهارات”، و”المخرجات”، و”التأثيرات” التي يمكن قياسها. فالخطر الحالي في جامعاتنا يهدد الأقسام الإنسانية-والفلسفة على وجه الخصوص- موفراً دليلاً قوياً على هذه الفلستية. فعلى سبيل المثال، قبل بضعة أيام، أعلنت جامعة ميدلسكس عن إغلاقها لقسم الفلسفة المزدهر بسبب “مشاكل في شحة الأموال”.

يذكرنا كيركغارد في هذه الأيام، أنه من دون الاحتمالات فنحن لسنا بشرا كاملين. فلا يجب الخلط ما بين “الخيار” الذي نسمع الكثير عنه-أي المنتجات نشتري، أي مهنة أختار، أي سياسي علي أن أصوت عليه-  وما بين الاحتمالية.(وعلى الجانب الآخر، ما زلنا نملك خيار محاربة النزعة  الفلستية اللاروحية الموجودة حتى عند بعض مدراء الكليات.) فلو كان الرب هو “كل الأشياء الممكنة”، فعندها لا يمكن الفصل ما بين السؤال ما معنى أن ترتبط بالرب من السؤال حول نوع الحياة التي تريد أن تعيشها، وما نوع العالم الذي تريد العيش فيه.

الهوامش:

(*)يوحنا السلمي Climacus وهو قديس عاش في سوريا في القرنين السادس والسابع ميلادياً.

(**)الفلستية وهو مصطلح يستخدم لوصف الموقف الذي ينتهجه بعض الأشخاص الذين يعادون الفن والجمال والروحانية والأخلاق وأي شيء غير مادي ويحصرون أنفسهم بالقيم المادية والملومسة فقط.

المصدر: Kierkegaard’s world part 8: God and possibility

تدقيق لغويّ: أميرة بوسجيرة

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
مترجم مبتدئ مهتم بالفلسفة والأدب
المقالات: 49

اترك ردّاً