الكمامات ودورها في التخفيف من وطأة القلق الاجتماعي.

يتحدث الناس عن كيف أن ارتداء الكمامات يخفف من شعورهم بالقلق ويزيد من ثقتهم بأنفسهم. لمدة طويلة حسبما تتذكر، فإن بيتسي او دونيل التي تعيش في ولاية فلوريدا وتعمل كمصممة لتجربة المستخدم (UX Designer)* قد تعايشت مع القلق الاجتماعي.كطفلة، تجلى هذا القلق في الخوف من استخدام دورات المياه العامة والتحدث إلى الأطفال الآخرين. والآن او دونيل البالغة من العمر 31 عاماً تخضع للعلاج النفسي وتتناول العقاقير للسيطرة على قلقها لكنها لا تزال تختبر بعض الآلام المزعجة الناجمة عن التوتر قبل تقديم عروض في العمل أو عند مقابلة أناس جدد. لكن في هذا الربيع، ريثما كانت تنتظر في طابور في متجر بقالة، لاحظت اودونيل أنها فجأة لم تكن ملقية بالاً حيال مع تفعله بيدها، أو إن كانت متجهمة الوجه بلا قصد في وجه شخص غريب، أو أن يطلق عليها أحدهم أحكاماً من بعيد.

المناجاة الشخصية الداخلية للضغوطات المحتملة قد سكنت لأنها ببساطة ومع المتسوقين الآخرين كانوا يرتدون الكمامات. تقول او دونيل: “أشعر بأني على سجيتي أكثر.” وتضيف: “بالتأكيد ليس علي رسم ابتسامة على وجهي رغماً عني لأبدو ودودة، وهذا أمر جميل جداً، كما أن ليس علي القلق بشأن أسارير وجهي المتجهمة.”

أصبحت كمامات الوجه جزءًا من خزانة الملابس اليومية وأداة محورية، مقرونة بالأدلة العلمية عن دورها في إبطاء انتشار فيروس كوفيد-19. لكن لبعض الناس ممن يعانون من القلق الاجتماعي فإن الكمامات يمكن أن تكون أيضا وسيلة لإخفاء هويتهم، حيث تمنحهم إرجاءً مؤقتا للقلق الذي يسببه لهم التفاعل مع الآخرين. في دراسة بولندية نشرت في مايو اختبرت الاستجابات النفسية والسلوكية لارتداء الكمامات ووجدت أنها نتجت عن مستويات أقل من القلق و”ربما تعزز من شعور الناس بالسيطرة الشخصية وتقلل من الشعور بالعجز وتهدأ من القلق”، كما كتب أصحاب الدراسة. وأضافوا بأن وجود القليل من القماش الذي يغطي الوجه من المحتمل أن يحسن من الصحة النفسية.

“يقول الدكتور فايلي رايت، المدير الأقدم لإبتكار الرعاية الصحية في الجمعية النفسية الأمريكية: “الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي لديهم مستوى غير صحي وغير عقلاني جداً من الوعي الذاتي (أو الحساسية الذاتية) إذ يعتقدون بأن الناس تعيرهم مقداراً مفرطاً من الانتباه وتحكم عليهم حيال أيٍّ كان مما يفعلونه.”

“وكفُّ هذا الشعور عنهم من المحتمل بأن يضعهم في حالة من الراحة.”وفي جذور القلق الاجتماعي يمكن وصفه بأنه الخوف الدائم من أن يطلق عليك الآخرين أحكاماً: أن تُنتقد لما تلبسه، طريقتك بالأكل، ما قلته. في المجتمعات القديمة، كان تجنب أن يتم إطلاق الأحكام على أحدهم وسط القبائل والمجتمعات أساسيًّا لنجاته، وفقاً للدكتور ديبرا كيسن، وهو معالج نفسي والمدير التنفيذي لمركز Light on anxiety CBT Treatment في إلينويس. ويقول كيسن: “في عصور ما قبل التاريخ، إذا أطلق أحدهم عليك حكماً أو لم يحبك، قد يلقون بك خارج القبيلة، حينها ستكون وحيداً تأكلك الأسود.”

إن الدماغ، بالتالي، يعتبر المخاطر الاجتماعية كتهديد محتمل للحياة. في هذه الأيام أن تُطلق عليك الأحكام نادراً ما يكون حكماً بالموت، لكن الحساسية تجاه الرفض الاجتماعي لا تزال قائمة. ومن أجل تجنب المشاعر السلبية المرتبطة بالنشاطات الاجتماعية – وكذلك التجليات الجسدية الناجمة عنها، مثل احمرار الخدين، التعرق، الارتجاف، والشعور بالغثيان – فإن الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي يتجنبون عادةً المواقف العامة جميعها، ابتداءً من تجنب الحفلات إلى رفض التحدث أمام جمهور من الناس. لكن عندما يكون وجهك مغطىًّ بقناع، فإنه يجعل من تعابيرك، تصرفاتك، وحتى هويتك مجهولة، وبذلك تصبح المهام الاجتماعية اليومية أقل دعوة للتوتر بأضعاف مضاعفة.

بالنسبة لرين، وهو عامل سابق في كازينو في لاس فيغاس والذي طلب عدم ذكر اسمه الأخير، فإن مصدر قلقه ينشأ من الخوف من فعل ما يعتبره غير لائق اجتماعياً كالبحلقة، النظرات الخاطفة، والتجهم.. يقول رين الذي يبلغ الـ 29 من العمر بأن الكمامة هي حاجز فعال، تخفي وجهه عن المراقبة الخارجية. “لا تمر بجوار شخص ما وتمضي نصف ساعة من القلق حيال قيامك بتعابير وجه غير لائقة تجاه شخص ما”.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من الأعراض الجسدية للقلق الاجتماعي على وجه الخصوص، مثل احمرار الخدين أو تجهم تعبيرات الوجه، فإن تغطية الوجه تبدد الخوف من أن يطلق عليك الآخرين الأحكام. يقول الدكتور كيفن شامبان، وهو معالج نفسي ومؤسس مركز كنتاكي للقلق والاضطرابات ذات الصلة : “إذا لم يكن أحد قادراً على ملاحظة هذه الاعراض الجسدية فسأكون بالتالي أقل قلقاً.”

عندما يكون وجهك مغطى بقناع، فإنه يجعل من تعابيرك، تصرفاتك، وحتى هويتك مجهولة، وبذلك تصبح المهام الاجتماعية اليومية أقل دعوة للتوتر بأضعاف مضاعفة.

تقول مولي لي، رسامة تبلغ من العمر 22 عامًا من مدينة يورك بالمملكة المتحدة، أنها أنفقت قدرًا كبيرًا من الطاقة في القلق بشأن ما إذا كان يُنظر إليها على أنها مهذبة عند التحدث إلى الآخرين، وما إذا كانت تبدو جيدة المظهر. تقول لي: “لطالما اعتدت على أن يحُدَّق بي عندما أغادر المنزل، عندما كنت أصغر سنًا، كان ذلك لأنني كنت مع شقيقتي التوأم المتطابقة، والآن بعد أن أصبحت أكبر سنًا، فذلك لأنني أرتدي ملابس الموضة البديلة (Alternative Fashion)*، ولدي ثقوب وجميع الأشياء الأخرى التي يحب الناس التحديق بها لسبب ما، لذا فقد ولد هذا حقًا بارانويا (جنون الارتياب)* قوية في داخلي”. مع غطاء الوجه، اختفى هذا الضغط الذي فرضته على ذاتي لأكون “مثالية”: أنا مجرد وجه مقنع آخر في الحشد، تمامًا مثل أي شخص آخر.

يمكن أن يكون فصل هويتك عن أفكارك وأفعالك محرّرًا بشكل خاص. وجدت دراسة أجريت عام 2011 أن إخفاء الهوية يمكن أن يقلل القلق ويشجع على مستويات أعلى من الصدق والكشف عن الذات. بالتناوب، يمكن أن يلهم إخفاء الهوية أيضًا الملاحقات البغيضة مثل العدوان والإساءة اللفظية، وهي موثقة جيدًا في المجتمعات عبر الإنترنت المليئة بالمستخدمين المجهولين. ومع ذلك، تقول رايت أنه يمكن أن يكون الاختفاء الاجتماعي في الحياة الواقعية تجربة مماثلة للسلوك المجهول عبر الإنترنت. وتقول إن الأشخاص الملثمين الذين يعانون من القلق الاجتماعي ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي المجهولين “يشعرون بقدر أقل من الظهور وهم أقل قلقًا من أن يتم الحكم عليهم أو إحراجهم بطريقة ما”، مما قد يؤدي إلى تعزيز الثقة.

ومع ذلك، تعتبر أقنعة الوجه حلاً مؤقتًا لحالة مزمنة. في حين أنه قد يستغرق بعض الوقت قبل أن تصبح أغطية الوجه هي القاعدة، فإن المجتمع في نهاية المطاف سيواجه بعضه البعض مكشوف الوجه. يقول تشابمان أنه عندما يحين ذلك الوقت، فإن أولئك الذين استخدموا الأقنعة كوسيلة لمنع القلق يمكن أن يواجهوا ضغطًا متزايدًا بدونها. ويضيف: “في النهاية، فالأمر يشبه تناول الأسبرين لعلاج الصداع، فإذا كنت تتناول الأسبرين للتخلص من الصداع، فهل ستتخلص منه؟ الجواب: نعم. لكن السؤال هل سيخلصك من الصداع في المستقبل؟ الجواب: لا.”

تقول رايت أن الأقنعة يمكن أن تكون جزءًا من خطة علاج أكبر – مثل تحدي الأفكار غير الصحية التي تدفع إلى السلوكيات المقلقة والتعرض للمواقف المسببة للقلق. إنه مثل غطاء الأمان الذي يتم ارتداؤه أثناء العمل على مشكلات أعمق. تقول كيسن أن أولئك الذين يعانون من القلق الاجتماعي المخفف بأقنعة الوجه يمكنهم أيضًا مقارنة مستويات قلقهم بدون قناع بما يشعرون به أثناء ارتداء الأقنعة. تقول كيسن: “انتبه إلى شكل هذا الشعور، وأن تكون حول أشخاص آخرين ولا تقلق بشأن رؤيتك”. “يمكنك التلاعب بها قليلاً، وتكرار تلك المشاعر بدون قناع” عندما يحين الوقت.

يستخدم مايك، مصمم باستخدام الحاسوب في تورنتو ، تعليمات ارتداء القناع لممارسة تقنيات الذهن والتنفس. في رحلته الأولى إلى محل البقالة بعد شهور في الحجر الصحي، شعر مايك والذي يعاني من رهاب الخلاء، بتزايد قلقه. ويقول الشاب البالغ من العمر 40 عامًا: “عندما أخذت أنفاسًا عميقة لتهدئة نفسي، ساعدني الإحساس المختلف للتنفس باستخدام القناع مع الإحساس بتحركه على وجهي على التركيز والعودة إلى هذا التنفس اليقظ بسهولة أكبر.”

عندما يكون التجمع آمنًا بدون أقنعة، يقول مايك أنه يأمل أن يكون تدرب بما فيه الكفاية للحفاظ على تنفسه ثابتًا خلال المواقف الاجتماعية. أكثر من أي شيء آخر، سوف يشعر بالارتياح لأن الوباء قد انتهى.

يقول: “قبل وباء كورونا، كنت سأشعر بعدم الارتياح وبشكل لا يصدق عندما أرتدي قناعًا في الأماكن العامة، خاصة إذا كنت أنا الوحيد أو شعرت أنني قد يتم تمييزي أو ملاحظتي بسبب ذلك. الآن، ليس لدي مشاكل في القيام بذلك وأشعر بالرضا لأنني أقوم بدوري في الحد من انتشار الفيروس.”

هوامش:

تجربة المستخدم: هي كل ما يرتبط بسلوك وموقف وإحساس المستخدم حيال استخدامه منتجاً أو نظاماً أو خدمةً معيّنة.

الموضة البديلة: وهي موضة متميزة عن الموضة التجارية السائدة، وتطلق هذه التسمية على موضات كالإيمو، الثقافة القوطية، سايبربانك، موضة لوليتا، غرنج، وغيرها.

بارانويا: هي عملية غريزية أو فكرية يُعتقد أنها تتأثر بشدة بالقلق أو الخوف، غالبًا إلى حد التسبب بالوهم واللاعقلانية.

ترجمة: المصدر

تدقيق لغوي: منال بوخزنة.

الصورة الافتراضية
سماح صلاح
طالبة ترجمة، مهتمة بالأدب وعلم النفس.
المقالات: 37

اترك ردّاً