خواطر من عمق الصحراء


في هذا المساء المنفطر، أنفاس منسية تنبعث من جوفه تُقتلع من أعماقه اقتلاعًا، تجترح جوانب القلب تدميه جراحاً غائره، تدفع النفس فلا ترسو على حال، تقودها للبحث والتمعّن، تبحث عن أمر مجهول لها غير معروف ربما يعيد لها توازنها المفقود.

في هذه الليلة الهادئة المظهر على غير العادة، صوت خافت يهمس للروح وحياً يوقظ داخلها ذكريات هاربة من سجل أحلامها وآلامها، كخيط رفيع من الحنين يجذبها، تريد أن تقاوم وتتحدى، تحاول قبر ذلك الشعور من قبل أن يطغى ويستقوي فلا تستطيع ردًا له أو دفعًا.
يحاول جاهدًا تجاهل المدّ الجارف لحزمة المشاعر تلك، يتأنق بتغيير تسريحة شعره وملابسه كذلك، يتّجه خارجا في وقت متأخر صوب إحدى المقاهي القريبة، يطلب كأس شاي على غير العادة، يرتشفها على عجل يبحث له عن مفعول قوي وسريع يهدئ روحه المستثارة، يبحث له عن مكان ناء داخل تلك المقهى. يطلب كأس عصير برتقال ويستخرج مذكرته محاولًا إلهاء نفسه عمّا يشغلها فلا تشغله، ينظر إلى صفحاتها فيقلبها يمنة وشمالا فلا يتراءى له أي وحي يأتيه، يحاول عصر ذهنه لعل وعسى فيأبى له الحرف إقبالاً ويستدير عنه مدبراً.
يزداد الأمر إزعاجًا، يخرُجُ على مضض فقد كثر الهرج حواليه، يسير بلا مقصد يصادف مقهى آخر تحت أشجار النخيل الباسقات، تتسرب رائحة القهوة تدغدغ حواسه تغريه إليها وهو عنها في إدبار، لتستقوي في الأخير على إرادته فيطلبها حثيثًا، له معها قصة طويلة تعود لأيام الشباب الأولى.

قهوته على الطاولة موضوعة وهو هناك قد رحل بعيداً في شرود عميق لا يفيق منه إلا وألم على أطراف أنامله من كثرة تحريكه للسكر؛ فيعود له عقله وهو الغائب أصلاً، متسائلاً عن عدد ملاعق السكر التي وضعها دون أي إدراك منه. يرتشف منها رشفات عديدة ثم لا جديد حدث، لا النفس ارتاحت ولا المزاج تحسن، وكل ما فعله هذا المساء هو زيادة جرعات استفزاز تزيد الروح المنتشية قبلا تجعلها أكثر عنفواناً وتمرداً، وهو الساعي إلى إخماد ثورة تحتاجها، روح تبحث عن طريقة تهجر من خلالها الجسد المتعب ولو مؤقتًا، إلى حين ركود زوابع المشاعر تلك، تعصف بنيانه يكاد ينهدّ لولا بعض نسمات الإيمان تسكنه تبقيه شامخاً صرحه، لولاها لكانت تلك نهاية طريقه على غير ما كان يأمل.

يحمل نفسه على العودة، بل تحمله نسائم الحنين له تقوده صوب مكان بعيد تعيد له ذكريات ماضية سحيقة، كلما خطا خطوة يتراءى له وأن روحه تطير صوب السماء، غيمة تحمله أو جناحان وُضعا له من عدم يرتقي بهما شيئًا فشيئًا، تتلاشى موجات الكدر عن نفسه، الذهن بدأ يصفى مما يعكره والروح ترتقي عما سواها، روحه مسافرة نحو المجهول، تاركة خلفها جسداً فانيًا لا يزال هنالك يلتصق بالأديم، لم يؤذن له بعد، يهيم على أعقابه إلى اللا مكان.

هناك غير بعيد في مكان ما من هذا الكون الفسيح، ترتمي روحه إلى جانب نجم مضيء تختار لها مقاما، كذلك النجم يفعل، يحاول البقاء متقدًا هو الآخر يقاسي هموما من طينة أخرى، لا أحد على ما يرام في هذا العالم، تأخذ الروح متكأها تنظر هموم البشر، تذكر حالهم وتبكي حالها في رثاء يبتل له وجه الأرض بعد فزع تَزَعزَع له ما بين الصدفين.

تغيّرَ وجه السماء واختفت ملامحها عن ساكني البسيطة، تنفصل الروح عن جسدها وتتركه في مواجهة المصير المجهول. في الأسفل هناك ضوء البدر قد سُتر بكتل الغمام وقطع الليل تزيده سوادا، جسد هائم على وجهه تعصف به الأهواء من كل حدب فلا يستجيب لنداء الروح، وهنا في الأعلى نحيب يتفتق وجه السماء له، رثاء الروح لصاحبها، تنطق وما قولها بقول بشر ثم هي أنشدت:

أيا ويحي وشوقاً لصاحبي
هلِّي بكــل ناحٍ وناحـــبـي
تُراني بليت وذي بلوى بي
حب جفا لا بلوى المشاربِ
فداك عمرا وكـن معـاتبــي
أيا ويحـي ببعـد المضاربِ

الكاتب: أ/حمزة أبوبي

الصورة الافتراضية
hamza ayoubi
المقالات: 0

اترك ردّاً