الأيام الأخيرة لجورج أورويل.

كانت رواية أنتوني باول تسبب له المتاعب. كان القلق الذي شعر به دائمًا تجاه احتمال تسليم المخطوطة أسوأ من أي وقت مضى بسبب ضخامة هذا المشروع بالذات، وعدم اليقين بشأنه. لقد رفّه عن نفسه من خلال تجميع مجموعة من الكتب للكاتب باري باين، وهو فكاهي في مطلع القرن مع مسحة من السوداوية التي ناشدت باول في العصر الإدواردي (قال عن الأشرطة الخفيفة التي قرأها بصوت عالٍ لتريسترام في وقت النوم “لا يمكن تسمية مجموعة أكثر كآبة من الرجال”).

كانت حزمة الكتاب مخصصة لجورج أورويل، الذي يكافح حاليًا لكتابة مخطوطته الخاصة التي تم الانتهاء منها حديثًا في الوقت المناسب للوفاء بالموعد النهائي للناشر في جورا. كتب بسعادة عندما حصل عليه ، “أحب أي شيء من هذا القبيل”، موضحًا أنه لا يزال أضعف من أن يجلس على طاولة لفترة طويلة ، أو يقضي أكثر من بضع ساعات خارج السرير على الرغم من أنه غادر المستشفى في يوليو. لقد أخذ كتاب 1984 أكثر مما كان عليه أن يعطيه: “إنها فوضى مروعة الآن، فكرة جيدة مدمرة، لكن بالطبع، كنت مريضًا بشكل خطير لمدة 7 أو 8 أشهر من ذلك الوقت.”

في العام الجديد، كتب أورويل مرة أخرى من مصحة بالقرب من ستراود في جلوسيسترشاير، حيث كان يأمل أن يقلل التمريض والراحة من إجهاده: “ماذا عنك؟ إنه عمل فظيع لمحاولة العودة إلى كتابة الكتب مرة أخرى بعد سنوات من إضاعة الوقت”. عندما سأل باول في طريق العودة عما إذا كان بإمكانه زيارته، رتب أورويل سيارة لمقابلته في المحطة وتناول الغداء والشاي. في أواخر فبراير، عاد توني مرة أخرى مع موغريدج، وهذه المرة سار على بعد سبعة أميال في الغالب صعودًا من المحطة. ووجدوا أورويل متعفنًا بشكل مخيف، لكنه ما زال يدخن ويسعل، مع زجاجة شراب تم إفرازها تحت السرير، والتي انتهى بها الثلاثة بينهم. قال إنه يأمل أن يعيش عشر سنوات أخرى، وهي فترة كافية لرؤية ريتشارد في منتصف سن المراهقة وكتابة كتابين آخرين على الأقل. كتب موغيريدج في مذكراته: “لست متأكدًا من أنه سينجح في ذلك”.

في شهر ماي/مايس قال أورويل لتوني أنه من المحتمل أن يقضي ما تبقى من حياته طريح الفراش -“وإن لم يكن على الفراش، فعلى كرسي المقعدين على أية حال” – وقدر الطبيب الأخصائي بأن فرصته الوحيدة للنجاة لبضعة سنوات أُخرى هو ألّا يكتب شيئا على مدار الشهور الاثني عشرة المقبلة، أو ربما لمدة أطول.

كان كتاب 1984 من المقرر صدوره في شهر جوان/ آيار. قال ناشره، بينما كان مرعوباً من واقعه البائس، للصحفي موغريديغ بأن بائعي الكتب الذين قرؤوه ادعوا بأن النوم قد جافى أعينهم (” عندما أخبرت توني بويل بذلك، ضحك كثيراً. ففكرة أن يبقي شيء ما على باعة الكتب يقظين، كانت بالنسبة له فكرة مضحكة بشكل لا يقاوم”). لم يكن من الغريب عن جورج أورويل أنه في شهر إصدار كتابه الخاص، تمكن من اقتناء السيرة الذاتية لباول ومجموعته عن حياة جون أوبري القصيرة وقراءة كليهما. و في شهر أوت/آب عاد إلى لندن، أين أمكنه مقابلة أصدقاء قدماء، و معجبين من على فراشه في مستشفى يونيفيرستي كوليج، والتي تبعد مسافة نصف ميل عن بوابة شيستر.

كان من الواضح وقتها أن أورويل يحتضر، وقد أصيب الكثيرون بالفزع في ذلك الخريف عندما تزوج من سونيا براونيل. كانت سونيا واحدة من أذكى وأكثر الفتيات جذبًا للأنظار، وربما أيضا الأكثر كفاءة بين جميع الفتيات في الحاشية الأسطورية لسيريل كونولي، أين كانت تزاول، بصفة غير رسمية، عملها كمحرر مساعد له في مجلة  Horizon، ومدير مكلّف عند غياب سيريل خارج البلاد. أخبرها أورويل أنه سيتحسن إذا تزوجته. استاء منها معظم أصدقائه الذكور بمرارة لأنهم اعتبروها دخيلة، باستثناء باول، الذي كان يزور أورويل كل يوم تقريبا، يشاهده ينتعش ويعود إلى طبيعته مرة أخرى كلما حَضرَت. أحبّت فايوليت سونيا أيضا، إعجابا بكرمها وشجاعتها. عثر باول على سترة مخملية حمراء لأورويل (لم يكن من الممكن الحصول عليها تقريبا في حقبة ما بعد الحرب نتيجة سياستي التقشف وتقنين الملابس) لارتدائها في مراسم الزواج التي أقيمت بجوار سريره في المستشفى في 21 أكتوبر. ومن يومها، كانت تذهب سونيا إليه كل يوم محضرة الكتب، النبيذ والقيل والقال وخططا للمستقبل، تجلب الدفء والبهجة والراحة للأشهر الأخيرة من حياة أورويل. قال باول إن “جانبه الوودهاوسي (نسبة لوودهاوس، الكاتب الفكاهي الإنجليزي الشهير) القديم” عاد حتى بدا من بعض النواحي أنه أكثر حياة واسترخاء من أي وقت مضى في حياته.

ذهب باول وموغريدج إلى المستشفى بعد الغداء في يوم عيد الميلاد عام 1949، ووجدا أورويل وحيدًا: “طوال الوقت كانت رائحة الموت منتشرة في الهواء، مثل الخريف في حديقة،” كما كتب موغريدج في مذكراته تلك الليلة. توفي أورويل بعد شهر في 21 جانفي (يناير/كانون الثاني) 1950. وكان قد أوصى أن تقام جنازته على طريقة كنيسة إنجلترا، والتي نظمها له باول بمساعدة موغريدج، وبالتعامل مع متعهدو دفن الموتى وإقناع نائب كنيسة المسيح في شارع ألباني (أبرشية باول، على الرغم من أنه لم يحضر كليهما) لإجراء الخدمة. كانت رواية 1984 قد أحدثت تأثيرا قويا، وبدأت مزرعة الحيوانات في الظهور على نطاق واسع، لكن لم يكن لأورويل بعد أيّا من تلك السمعة التي جعلته في النهاية شخصية رئيسية في القرن العشرين. حضر خمسون أو ستون شخصًا الجنازة، وانتقلوا بعد ذلك إلى تجمع في 1، تشيستر غايت. اختار باول الترانيم، وقراءةً من الكتاب المقدس:

كان المقطع من سِفر الجامعة، المطاحن في الشوارع، الجندب يستثقل، الحبل الفضي ينفصم، بكرة البئر تنكسر. لسبب ما، كانت جنازة جورج أورويل واحدة من أكثر الجنائز التي حضرتها رَوعا على الإطلاق.

من كتاب “أونتوني باول: رقص على إيقاع موسيقى الزمن”.

المصدر.

الصورة الافتراضية
عمر دريوش
مدون ومترجم، محب للفلسفة والتصوف.
المقالات: 33

اترك ردّاً