نيتشه والوجودية: الجزء الأول

كيف ستكون حياتنا من دون آلهة؟ يقول دوستويفسكي إنها ستكون جحيماً مطبقاً لأن كل شيء سيكون مباحاً أمام الجميع وستنحل جميع القيم الأخلاقية التي بُنيّت عليها تقاليدنا وعاداتنا وحضارتنا، «إذا لم يكن الإله موجوداً فكل شيءٍ مباح»، هذا ما قاله دوستويفسكي على لسان ”إيفان“ في رواية: ”الأخوة كارمازوف“، ولكن نيتشه والواقع نفسه يختلفان بشدة مع هذه المقولة ففي أيامنا هذه ومع وجود أكثر من خمسمائة مليون ملحد حول العالم لا نرى الفوضى التي تكلم عنها وحذر منها دوستويفسكي، فمن الملاحظ أن الملحدين مجرد أفراد عاديين ويقومون تقريباً بالأشياء نفسها التي يقوم بها المؤمنين في الغالب، سواء أكانت تلك الأشياء جيدة أو سيئة.

على الرغم من شهرة نيتشه كأب روحي للإلحاد أو التمرد وتمجيد القوة وغيرها من المفاهيم المرتبطة باسمه بحق أو بدون حق، إلا أنه يُعد كذلك من أول الممهدين والمؤسسين للفلسفة الوجودية في عصره بالإضافة لكيركغارد في الدنمارك ودوستويفسكي في روسيا، ففي كتابات نيتشه المتفرقة وشذراته يمكن أن نجد عدداً من المفاهيم والأفكار التي توسعت بشكل أكبر في الفلسفة الحديثة في القرن العشرين في الفلسفة الوجودية والكثير من الفروع الفلسفية والأدبية والثقافية الأخرى. وفيما يلي نحاول أن نعرض في هذا المقال، والذي يليه، تلك الأفكار والمفاهيم التي تكلم عنها نيتشه في كتبه وبالأخص في كتابه: ”العلم المرح“ الذي يُعّد أفضل مدخل لفهم وجودية نيتشه.

العادات المؤقتة:

يرى نيتشه أن الإنسان سيصل إلى مرحلة ويكتشف أن الرّب – بمفهومه الإبراهيمي ككيان كلي القدرة – غير موجود وكذلك التضمينات الفلسفية المرافقة لهذا الكيان مثل مفاهيم الحقيقة المطلقة والواقع الموضوعي والعدل وغيرها من التعبيرات المطلقة التي نفترض أنها ثابتة بالنسبة لجميع البشر في جميع الأوقات، عندها يرى نيتشه أن الإنسان سيدرك أن ما يعتقده واقعاً هو مجرد تأويلات مختلفة تختلف حسب المنظور الشخصي للفرد، وأن غياب مرجعية ثابتة ومطلقة ستساعد الفرد في أن يرسم الواقع بنفسه مختاراً القيم والمفاهيم التي يريد هو أن يزرعها في كيانه ويعيش من خلالها، ولأن الحقيقة الثابتة غير موجودة فسيكون الفرد في حالة تغير دائم ومستمر طوال حياته حسب الوضع الذي هو فيه، بالتأكيد هذا الكلام هو ما يُبِّث الرعب في عظام دوستويفسكي وتقريباً جميع كهنة الدين والأشخاص المحافظين اجتماعياً، لأنه وبناءً على هذا التصور النتشوي لن يملك الفرد أي قيم أخلاقية ثابتة يعود إليها عند مواجهة الحياة بل سيعيش هائماً على وجهه ومتقلباً حسب أهواءه المختلفة وغرائزه من دون أي واعز أخلاقي أو ضمير.

بالتأكيد لا يوافق نيتشه على هذا الشيء بشكل مطلق على الرغم مما هو شائع عنه من اقتباسات يتم تداولها بشكل مكرر على مواقع التواصل الاجتماعي، إن نيتشه يؤكد على فكرة العادات القصيرة والتي تعني أن نرتبط بفكرة أو مفهوم معين لمدة من الزمن ونحاول فهمه واستيعابه في هذه الفترة ونتركه بعد أن نتجاوزه ونستنفذ أغلب ما فيه.

إنه من الصعب فهم مسألة العادات والقيم المؤقتة التي يقترحها نيتشه والتي سيجدها أغلب القراء شيئاً منفوراً على اعتبار أننا، كمؤمنين، نعيش في واقع مبني على أخلاق دينية تستمد سلطتها من كيان كلي القدرة والحكمة ثابت وغير متبدل، فمسألة تغيير مواقفنا وقيمنا وأفكارنا كل فترة تعد هرطقة ما فوقها هرطقة من المنظور الديني الذي يشجع على الثبات، لكننا رغم ذلك نملك نظاماً شبيهاً بالذي يقترحه نيتشه وكنا وما زلنا نتعايش معه ونعتبره شيئاً طبيعياً في حياتنا، وهو الحس الجمالي أو الذوق الفني، فالحس الجمالي والتقدير الفني من الميادين القليلة التي ما زالت سليمة من يد الحقيقة المطلقة للعلم والدين، فالجمال والذوق الأدبي شيء فردي وشخصي ولكن هذا الشيء لا يعني أن كل الآراء صحيحة وأنه يمكنك قول كل ما تريد، صحيح أن لكل شخص أذواقه الخاصة ولكن كم شخص سيعتبر مسرحيات شكسبير مقززة أو أن دوستويفسكي لا يجيد الكتابة والجواهري أو المتنبي شعراء فاشلين؟.

صحيح، لدينا الحرية لكي نقول ما نريد فنحن القراء أو المستمعين أو الناظرين من نحكم على العمل الذي أمامنا، وليس هناك قواعد محددة حول كيفية تقييم الرواية، أو لماذا يكون شعر المتنبي أفضل من “شعراء المقاهي” الحاليين الذين ينزلون “ديوانا شعريا” كل دورة قمر كما لو أنهم مستوعبين، فرغم عدم وجود قواعد محددة وصارمة لكننا وجدنا الحل فعن طريق الممارسة والخبرة وقراءة الشعر ومشاهدة اللوحات وسماع الموسيقى وغير ذلك مما نعتبره فناً قويماً يمكننا بناء أذواقنا الفنية وتقويمها مع كل تجربة ومقابلة للعمل الفني وهكذا من خلال التجارب والاحتكاك بالأعمال الفنية يمكننا أن نبني أذواقنا الفنية الخاصة.

إننا نقفز، كل فترة، من قراءة أو مشاهدة نوع ما من الكتب أو الأفلام تجاه نوع جديد، ولا نقوم بذلك لأن قراءتنا السابقة كانت سيئة أو عديمة النفع، بل لأننا نبحث عن الجديد ونريد تعلم المزيد، وهكذا نبقى في حالة تغير وتعلم دائمين من دون أن نحصر أنفسنا بنظام فكري معين أو نمط فني واحد، فهذا الشيء يساعدنا على إمتلاك أكثر من منظور بحيث نرى الأشياء بشكل مختلف في كل فترة، ويقترح نيتشه أن نطبق مقاربة مشابهة على باقي جوانب حياتنا لذلك نجده يقول:

«… وذات يوم يكون ذلك الشيء قد أخذ نصيبه بما يكفي، ينفصل عني ذلك الأمر الجيد، لا كشيء أصبحت أحس بالقرف منه، بل بمودة وسلام وقد أُشبع بي كما أُشبعت به، وكما لو كان علينا كلينا أن نكون شكورين أحدنا تجاه الآخر وأن نمد يدينا لمصافحة الوداع، وها هو الشيء الجديد ينتظرني الآن أمام الباب ومعه إيماني – ذلك الإيمان الأحمق والحكيم في الآن نفسه – بأن هذا الجديد سيكون المناسب، المناسب النهائي، ذلك هو شأني مع الأطعمة والأفكار والناس والمدن والأشعار والموسيقى والنظريات، وبرامج الحياة اليومية وأنماط العيش…»(*)

الفعل من دون الحاجة للتفكير:

يرى نيتشه أن هذا الشيء قد تم تطبيقه بالفعل في الحضارة الإغريقية الهومرية أو على الأقل حتى وصول سقراط وإفساده كل شيء بمنطقه، فالإغريق في العصر الهومري – عصر الشاعر هومر وحرب طروادة الماقبل سقراطي- كانوا أناساً عفويين يعيشون ببساطة وينتقلون بسلاسة ما بين الحرب والسلم والعمل اليدوي ويتقنون صنائعهم بمهارة من دون قواعد محددة ولكنهم كانوا يعرفون الصحيح من الخاطئ عن طريق حدوسهم وأذواقهم الخاصة التي نشأوا عليها وطوروها ونمّوها إلى أقصى ما يمكنهم عن طريق الغوص في الحياة بجميع حواسهم والدخول والخروج بسلاسة في مختلف العادات وأنماط العيش من دون الحفاظ على نهج ثابت واحد، ولكن سقراط أتى و”أفسد” كل شيء عندما طالبهم بعيش حياة ثابتة واحدة وتفسير حدوسهم والقفزات الفكرية التي يقومون بها باستخدام المنطق والعلم.

هكذا بدأ “عصر المنطق” مع سقراط الذي قتل تلك الحرية الذي كان يعيشه الأغارقة، وذلك الحدس أو ذلك الشعور الخفي غير القابل للتفسير الذي كان يحركهم في الماضي وطالبهم بالدليل والبرهان المنطقي على كل حركة يقومون بها، تخيلوا ملاكماً في الحلبة يضطر للتفكير في كل حركة ولكمة وانحناءة يقوم بها وزاوية الهجوم وسرعته، ذلك الملاكم سيسقط في أول ثلاث ثواني من النزال، فالملاكمين لا يقومون بذلك بل هم يتركون حدوسهم، وخبرتهم، وردود أفعالهم، أو أياً كان إسمها والتي يمكن تشبيهها بالذائقة الفنية التي يقضي الشخص سنوات من حياته يدربها وينميها لكي يستطيع اتخاذ قرارات وقفزات لا تحتاج للتفكير المنطقي لاتخاذها بل يتخذها ببساطة، هذا الفعل ليس بالشيء المنطقي العقلي التحليلي وليس بالفعل العفوي غير المنطقي، بل هو شيء أعلى من الإثنين، وهو نتيجة الخبرة والممارسة وتربية الذوق عند الشخص، إنه شيء لا يمكن لمنطقنا أن يفسره ولكننا نعرف في أعماقنا أنه صحيح.

هذا هو الشيء الذي ينادي به نيتشه، أن نترك الرب وقواعده المطلقة والحقائق الخالدة وغيرها من المفاهيم الثابتة وغير المتغيرة التي تبطن أغلب المفاهيم العلمية والدينية والفلسفية، ونخلق حياةً تناسبنا نحن ووفق قواعدنا نحن، بالتأكيد من الصعب القيام بهذا الشيء لأننا لا نملك الخبرة المطلوبة ولا حتى اللغة اللازمة لفهم هذا الشيء بشكل كامل، ولكن لا يمكننا أن ننجح ما لم نحاول أن نحيا ونغوص من جديد في بحر الحياة من دون ستر نجاة أو هدف معين نحاول الوصول إليه.

يصف نيتشه في إحدى شذراته موت الإله بشيء مشابه لاكتشافنا أن الأرض التي نسير عليها مجرد وهم، فكل ما بقيَّ هي مساحات شاسعة من المحيط الذي يغطي الأفق في جميع الاتجاهات، وعلى الإنسان الحديث الذي يعيش في فترة ما بعد موت الإله أن يبحر بسفينته نحو المجهول، من دون ضمانات ومن دون قطعة أرض معينة يسعى إليها، بالتأكيد سيتشبث الجبناء بأول وهم لجزيرة يرونها في الأفق سواء أكانت فلسفة مطلقة تدعي أنها تعطي معنى ما للحياة، أو إيمان ساذج بالعلم وبأنه صادق ومطلق بشكل تام ويفسر كل شيء، ولكن نيتشه بحار مغامر فهو لا يعرف أين النهاية هذا إن كانت هنالك نهاية في الأصل، إنه يحط الرحال في كل جزيرة تقابله ويستكشف مفاتنها ويتركها بعد أن يمل منها مبحراً نحو التي تليها وهكذا، فهو لا يعرف إن كان ثمة جزيرة مثالية ولكنه يقارب كل جزيرة في طريقه كما لو أنها كذلك ويعيش فيها حتى يستنفذ خيراتها ويتعلم منها كل ما يحتاج تعلمه ويفرد شراعيه متجهاً نحو الجزيرة التي تليها، إنه يصف مشهد الإبحار بطريقته الفريدة فيقول:

«في الأفق اللانهائي – غادرنا الأرض، وركبنا السفينة! قطعنا الجسور، بل وأكثر من ذلك، قطعنا الأرض من ورائنا! والآن، لتكن على حذر أيها المركب الصغير!، من حولك يمتد المحيط، صحيح أنه لا يزمجر دوماً، وأحياناً يمتد مثل بساط من حرير ومن ذهب، مثل حلم سعيد، لكن تأتي عليه ساعات ستعرف أثناءها أنه لا حدود له، وأن لا شيء أكثر فظاعة من اللامتناهي، يا لك من عصفور مسكين قد ظن نفسه حراً، وها هو يرتطم الآن بجدران القفص! الويل لك ما أخذك الحنين إلى الأرض، كما لو أن حرية أكبر تقطن هناك، – وما من (أرض) هناك الآن!»(**).

مشكلة اللغة والتواصل:

من الصعب علينا أن نفهم بشكل كامل مسألة العادات المؤقتة وإدراكنا للأشياء عن طريق (الحدس) من دون المرور بعملية التفكير المنطقي، فقد تم تدريب عقولنا على التفكير بشكل معين – منطقي – خلال الألفي سنة الماضية وتم اعتبار نموذج الفكر هذا أفضل وأقوم نموذج توصلنا نحن البشر إليه، ولذلك من غير المريح لنا أن نعارض ببساطة نظام الفكر الذي عشنا وفقه طوال حياتنا ويتبعه جميع البشر من حولنا تقريباً، فهذا الشيء مشابه لإخبار شخص تربى في بيئة عربية إسلامية أن المرأة كائن مساوي له في كل شيء، وأن المثليين أناس طبيعيين مثلنا ولديهم نفس الحقوق التي لدينا، وأنه لا يوجد هناك عصبة من الأمم والأثرياء الذين يحاولون أن يشوهوا مجتمعنا ويغرسوا في عقول أطفالنا أفكارا منحرفة، هذه العقلية زرعت في الوعي واللاوعي الاجتماعي عندنا بشكل عميق وفي كل مفصل من مفاصل حياتنا، بحيث أن من يعارض السائد، لا يعتبر مخطئاً فقط، بل إنه، ببساطة، شخص مجنون ومضرَبٌ للسخرية لأن أفكاره غير منطقية وغير متوافقة مع السائد.

ففي الأخوة كامازوف لدوستويفسكي هناك شخصية إسمها ”مارسيل“ وكان شاباً مثقفاً، لكنه أصيب بمرض السل وتدهورت صحته، فبدأ بتأمل حياته، كان يتكلم مع الخدم باحترام ويعتذر منهم وينصفهم، ويقول إن البشر جميعهم سواسية وأنه يتمنى لو يستطيع أن يخدم خدمه تكفيراً عن خطاياه، بل كان حتى يخاطب الحيوانات والطيور ويطلب منها الصفح للخطايا التي قام بها تجاهها والصفح نيابة عن بقية البشر الذين قد أذوها، طبيبه اعتبر أن حالته هذه توحي بالجنون، لأن إيمانه بتساوي الخدم مع بقية البشر وأن علينا أن نعتذر لهم عن إساءاتنا تجاههم أمر مرفوض اجتماعيا، (كانت هذه الأفكار رائجة قبل قانون إلغاء العبودية في روسيا)، ففي تلك الفترة بدا أن هذا النوع من التفكير الذي صدر عن مارسيل لا تفسير له سوى الجنون، إنه مجرد هذيان غير منطقي لشخص محموم.

يعيد نيتشه صياغة هذا الشيء عند كلامه عن المسيح، قائلاً إنه كان المسيحي الوحيد في هذه الحياة، وأن المسيحية الحقة قد ماتت معه على الصليب، إن سبب فشل المسيح بنقل المسيحية من بعده هي أن الحواريين الذين نقلوا كلامه لم يعرفوا اللغة التي يتكلم بها المسيح فشوهوا تعاليمه سواء بقصد أو من دون قصد، فقد عاش الحواريين في ظل ثقافتين صارمتين ومتزمتين هما اليهودية والرومانية، وها هنا يأتي شخص ينادي أن أي شخص يمكنه أن يجد السعادة والإيمان من دون أن يولد يهودياً أو يتشرب الثقافة الرومانية، وأن الفقر والضعف ليسا شيئاً سيئاً بالكامل وأن الفقراء والمرضى والكفار والمخالفين والمخادعين والعاهرات والخاطئين هم بشر مثلنا وواجبنا أن نحبهم ونحاول أن نساعدهم بقدر استطاعتنا فالمهم هو القلب وليس الظاهر، وغيرها من المفاهيم الثورية التي أتى بها المسيح والتي كانت غير منطقية بالكامل بالنسبة للمجتمع الذي عاش فيه.

هكذا اتبع الحواريين المسيح لأنهم رأوا فيه كياناً فريداً وثورياً ولكنهم لم يفهموه بالكامل ونقلوا ما استطاعوا نقله باستخدام اللغة والمفاهيم التي يعرفونها مما اضطرهم لحرف ولي أغلب أقوال المسيح أو أخذها بشكل حرفي لأنهم لم يفهموا المغزى الذي كان يحاول المسيح أن ينقله، لأنهم سمعوها بهذه الطريقة، فعقولهم لم تكن مزودة بالمفاهيم والاستعدادات الكافية لفهم ما يتكلم عنه المسيح، ومعالجة شكل الحرية والثورة التي كان ينادي بها، هذه اللعنة لم تصب المسيح لوحده بل أصابت أغلب الثوريين والمحدثين من بعدهم، فعلى الرغم من الهالة التي أحيط بها هؤلاء المحدثين عبر التاريخ غير أنه بقيت مسحة من الجنون ملقاة عليهم حتى من قبل أشد أتباعهم إخلاصاً لهم، وتم أعتبار أغلب كلامهم حكمة عالية أقرب للجنون من المنطق ولا يمكن فهمها من قبل العقل البشري البسيط، وما زلنا إلى يومنا هذا نلقي بمسحة من الجنون على كل العباقرة والفنانين الذين لم نفهمهم بالكامل.

موت الرَّب عند نيتشه:

وهكذا بتعاقب الأجيال تبنت الكنيسة المسيحية الفكر الفلسفي الإغريقي وهجرت العفوية المسيحية للمسيح، وهذا الشيء حسب نيتشه هو ما دفع المسيحية – والإسلام أيضاً في هذا السياق – إلى “قتل” الرب، بالتأكيد سمع الجميع مقولة نيتشه المشهورة بخصوص موت الرب وأننا نحن من قتلناه، فمن وجهة نظر نيتشه الأديان الإبراهيمية التي احتكرت الرب لنفسها هي من قتلت الرب، ليس لأنهم حكموا وطغوا باسم الرب أو لأنهم شوهوا صورته لكي تُناسب أهواءهم أو غيرها من التأويلات التي يرميها المتدينين على بعضهم البعض في حروبهم حول من يمثل الرب بشكل أكثر دقة من الأخر، ولكنهم قتلوا الرب عن طريق بحثهم الدءوب عنه في كل ركن من أركان الخليقة، فحسب الأديان الإبراهيمية الرب هو الخالق ومعطي الأسباب ومحرك كل شيء ومسبب كل الحوادث ومن يقف وراء كل حدث في الحياة فكل شيء له غاية والرب لديه خطة محكمة يعرف ويعلم كل شيء، هكذا يرى نيتشه أنه عن طريق تحميل مفهوم الرب أكثر من طاقته سيكتشف البشر التناقضات والخواء الذي يقف خلف هذا المفهوم.

فسعيهم الحثيث لكشف الستار ورؤية ما يقع في الخلف سيدفعهم في النهاية لرؤية أنه لم يكن هناك شيء على الإطلاق طوال هذه الفترة، فهناك خلف كل شيء لا يوجد سوى الفراغ، هذا هو الشيء الذي تجنبته الديانات الوثنية والتعددية بسهولة، فمن ينزل الصواعق: زيوس، ومن يقتل الأطفال: لا أحد مجرد صدفة، أما في المنظور الديني الإبراهيمي فمن ينزل الصواعق ويقتل الأطفال هو الرب نفسه، وكلما زادوا عناداً بشأن المعنى المطلق الذي يقف خلف كل شيء, سيصدمون أكثر بعبثية الواقع وغياب الحقيقة الموضوعية في الحياة، فالحياة من وجهة نظره مجرد تأويلات مختلفة تختلف حسب المنظور وعند إدراك ذلك سيكون من الصعب جمعها مع كيان مطلق يسن الواقع بشكل ثابت ومتماثل بالنسبة للجميع في كل الأزمان والعصور.

يرى نيتشه أن الرب في طور الموت حالياً ولكن ليس بشكل كلي فما زال العلم والفلسفة يدعيان أن هناك حقيقة موضوعية أو مفهوم ثابت يغلف الوجود ويعطي للحياة معنى وكل ما علينا فعله هو البحث عنه واكتشافه، فهذا الإيمان بحقيقة موضوعية يعرقل عملية التخلص من الرب ومرفقاته، وهذا الشيء واضح في فلسفة كانط الذي إدعى فيها أن هناك نوعا من المفاهيم الثابتة الموجودة عند كل البشر وملزمة أخلاقياً لهم، وكذلك في بحث العلماء عن المعادلات أو الحقائق التي يمكنها أن تفسر كل شيء بشكل علمي ومطلق أو حسب تعبير ستيفن هوكنغ ”قراءة عقل الرب“، وهذا نوع من التفكير الذي يتبعه الكثير من الملحدين باحثين عن معنى مطلق بديل عن الرب الذي هجروه والذي يعتبره نيتشه بمثابة جبن وخوف ومجرد استبدال تفسير مطلق للوجود بتفسير آخر، ورفضٌ لمواجهة الحقيقة المخيفة للعالم المتمثلة بخواء الحقيقة المطلقة وحتمية صناعة الفرد لقيمه الخاصة بدل الاعتماد على كيان أو مفهوم معين لكي يصوغ حياتنا وقيمنا بدلاً عنا.

*العلم المرح، المقطع 295

**العلم المرح، المقطع 124

تدقيق لغوي: رابح رزيق

الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
مترجم مبتدئ مهتم بالفلسفة والأدب
المقالات: 48

اترك ردّاً