M، عندما يختبرك فِلم!

“بالنسبة لي السينما خطيئة، خطيئة أحبها بكل تفاصيلها”- فرتز لانغ

عند الحديث عن الاستخدامات، تعتبر السينما أحد أهم الوسائط المتشعبة، فهي ليست مجرد أداة ترفيه، بل تتجاوز ذلك إلى كونها مناسبة بشكل قوي لمعالجة الأفكار الفلسفية وعرض الحجج. الأمر الذي تجسّد في “M 1931” وجعل منه فلما مذهلا، الفلم الألماني -أول فلم ناطق- للمخرج والسيناريست النمساوي الأمريكي “فرتز لانغ” الذي كان أشهر من نار على علم في أيامه، إذ كان ألمع متّبعي المدرسة التعبيرية السينيمائية الألمانية، أحد أوجه الحركة التعبيرية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

لانغ والمدرسة التعبيرية.

 في الواقع، شملت الحركة كل أنواع الفنون -الرسم، المسرح، النحت وغيره-، مدرسة اعتمدت على توظيف الخيال بشكل كبير في التعبير عن المشاعر والحالات الذهنية، من أشهر ممثليها فان غوخ في الرسم، ريتشارد شتراوس في الموسيقى ومخرجنا المبدع “فرتز لانغ” في بداية القرن العشرين مع بدايات السينما.

تميّزت المدرسة التعبيرية السنيمائية الألمانية -التي بلغت أوج عطائها في العشرينات- بسوداويتها المظلمة وأفكارها السيكولوجية، إذ كانت بدايتها مع فلم the cabinet of dr. Caligari سنة 1920، الذي كان فاتحة الإكسبرشنيزم (التعبيرية). ساهمت المدرسة السنيمائية الألمانية بشكل لافت في تشكيل ما نعرفه بالسينما المعاصرة.

1920 the cabinet of dr. Caligari

بالعودة لفرتز لانغ ومساهماته، يعتبر أشهر أفلامه بالإكسبرشنيزم، الفلم ذائع الصيت: “ميتروبوليس 1927. إضافة إلىDr Mabusse the gambler الذي منعه الحزب النازي في ألمانيا بعد مدة من إصداره لاكتشافهم لبعض التعبيرات المعارضة والناقدة للنازية به.

كانت أفلام لانغ أحد الأسباب الرئيسية في تأسيس التصنيف المسمى Film noir، وهو تعبير يصف أعمال الدراما الإجرامية، التي كانت تركز على المواقف الساخرة والدوافع الجنسية. برزت هذه الأفلام لاحقا بقوة في هوليوود في الأربعينات والخمسينات.

موضوع من دون خاتمة.

 كان M أحد أول الأفلام التي استخدمت الصوت كأداة لتطوير سردية القصة، ممهدا الطريق لأفلام التشويق المعاصرة واستخدامها المبتكر للإضاءة والظل. فوق هذا كله فهو يمثل نقلة نوعية للسينما بالتوجه نحو مواضيع أكثر تعقيدا ولأسئلة أخلاقية وفلسفية مبنية بعناية، تجعل المشاهد مشاركا أيضا، وتقدم من خلال الأحداث الحجج والدلائل ولكن من دون تقديم إجابات ختامية، بل تجعل المشاهد يشكل خاتمته الخاصة، مختبرا أخلاقياته الخاصة التي يؤمن بها ومسلّماته.

عالجت بعض الأفلام المبكرة مفاهيم فلسفية، ولكنM  يختلف في كونه مشكلا بشكل متعمد لطرح إشكالية على المشاهد. غالبا ما يكون المقال الفلسفي مبنيا على مقدمة يتم فيها طرح القضية المراد معالجتها، يليها عرض يدرج الأدلة والبراهين، ثم خاتمة تحمل الفرضية الذي تم الوصول إليها بناء على الحجج السابقة. وهو نفس التركيب الذي نجده في معالجة قضية ما في السينما، إلا أن لغتها تختلف، فهي لا تتكون من كلمات نثرية، بل يتم بناء الحجج فيها بلقطات تصويرية، تمثيل، مونتاج … إلخ. يعرض علينا M القصة بإشكاليتها وبحججها، لكنه يصل إلى خاتمة يقررها كل مشاهد حسب اختلاف مسلماته.   

يبدأ الفلم بـ”مقدمة” تشرح لنا تقريا كل ما نحتاج إلى معرفته: سفاح أطفال يشكل رعبا في المدينة، أطفال يلعبون مرددين أغنية عنه وصراخ أحد النساء عليهم لمنعهم من غنائها، قلق الآباء على أمن أبنائهم.

ينقلنا بعدها إلى مشهد الطفلة -التي ستُقتل لاحقا- “إلسي بيكمان” وهي تلعب بالكرة في طريق رجوعها من المدرسة إلى المنزل، فتضربها على عمود كهربائي عليه بوستر عن القاتل المطلوب للعدالة، يظهر ظل أسود على البوستر يعطينا انطباعا عن أنه للقاتل. يباشر بالحديث إلى الطفلة ثم يأخذها لبائع بالونات أعمى ليشتري لها بالونا ملونا، لا نرى وجه القاتل بل تم تقديمه كفكرة عن طريق سماع صوت صفيره الملحن بلحن مميز لموسيقى In the Hall of the Mountain King للكمبوزر النرويجي إيدفارد جريج. نعود بعدها للأم داخل المنزل وهي تنتظر ابنتها بقلق كبير بسبب تأخرها، ومشاهد متفرقة لبالون يطير في السماء وكرة مرمية على الأرض، تجعلنا نستوعب أن مكروها قد حدث للفتاة الصغيرة.

بعد تأكدنا من أن الفتاة مختفية، غالبا تم قتلها، ينقلنا لانغ بعدها لمجموعة من المشاهد التي تبين قلق سكان المدينة، انعكاسات الجرائم على الآباء، على العامة، وحتى على الشرطة، تاركة الجميع يعيش جوّا من الوسوسة والرعب، تناقل الاتهام فيما بعضهم البعض، لدرجة سجن بعض الأبرياء بمجرد الشك فقط.

مشهد لتحقيقات الشرطة وتحليلها لخط القاتل برسالة قدمها للصحافة، وتوظيفهم لأحد الأخصائيين في علم تحليل الخطوط، والذي يستنتج أن القاتل شخص غير سوي عقليا، في نفس المشهد الذي يكون فيه الأخصائي يقرأ فيه نتائج تحليله للخط، ينقلنا تصوير لانغ لنرى وجه القاتل لأول مرة، في مشهد نرجسي مريض وهو ينظر لنفسه في المرآة، مشكلا ابتسامة على وجهه بإصبعيه -من الجدير بالذكر أن المشهد الشهير لاِبتسامة “خواكين فينكس” بفلم “الجوكر Joker” تم اِقتباسه من هذا الفلم.

 في أحد المشاهد التي يظهر فيها القاتل، يظهر ماشيا على الطريق كأي إنسان عادي، يلمح طفلة تمشي لوحدها، يتغير شكله تماما، إذ يظهر على وجهه نوع من الجموح الغير مُسيطَر عليه، نسمع بعدها الصفير الملحن السابق مع مشهد الطفلة تمشي، فنعرف أن القاتل يتبعها ويريد قتلها، اللحظة تنقطع بظهور والدة الطفلة.

بإستماعنا لذلك اللحن مرة تلو الأخرى، يتبين لنا أن الصفير ليس نابعا عن لذة، بل بإكراه من محفز داخلي خارج عن السيطرة. يذهب القاتل بعدها لمقهى والقلق جلي الوضوح عليه، من حركاته وكلماته مع نادل المقهى، نتأكد أنه مريض نفسي لا يستطيع السيطرة على أفعاله، ومحاولاته الفاشلة لتغيير طباعة وكبح رغباته.

في العالم الموازي، يوجد بالمدينة مجرمين عاديين -أو لنقل اِعتياديين- مثل السارقين وغيرهم، والذين هم كذلك مرعوبين، ليس لأجل الأطفال فقط، بل لأن مصالحهم تضررت بسبب انتشار الشرطة وتضييقها على الجميع. فنرى اجتماعات سرية لهم في سبيل إيجاد حل، يقررون محاولة إيجاد القاتل للقبض عليه، يجدون خطة محكمة عن طريق استغلال الشحاذين الموجودين بكل مكان في المدينة، نرى التمثيل الحقيقي للجريمة المنظمة، يتجند الجميع في سبيل إنهاء الرعب الذي سكن مدينتهم.

تعود بنا الكاميرا إلى بائع البالونات الأعمى، إذ يسمع صوت الصفير الذي علق في أذهاننا كرمز للقاتل، فيتذكر أنه سمعه يوم اختفاء الفتاة، ينادي شخصا آخر ليتبع القاتل، يطبع حرفM بالطباشير على معطفه من الخلف، ليتعرف عليه الباقون ويتبعونه من أجل القبض عليه.

في لحظات لحاق المجرمون بالقاتل، نرى نوعا من الخوف على وجهه، نرغب في التعاطف معه بشكل ما ولكن لانغ يذكرنا بعدة لقطات بأفعاله السابقة، آباء مكسوري القلب، مدينة متفككة بالرعب، فيقبضون عليه في الأخير.

محكمة شعبية، قانونية، وذاتية!

في المشهد الختامي للفلم، تأخد العصابة القاتل إلى قبو به عامة من الشعب، بما فيهم آباء الضحايا، مشكلين ما يشبه محاكمة شعبية، نستمع لأقوال زعيم العصابة الذي يرأّس الجلسة وهو يوجه الاتهامات للقاتل، بينما يظهر أمام القاتل محامي الدفاع.

ترغب هيئة المحكمة في إعدام القاتل كجزاء على جرائمه ولعدم المخاطرة بتكرار جرائمه، القاتل يحجج أن جرائمه كانت خارج نطاق سيطرته وأنه غير مسؤول على أفعاله، إلا أنهم يقررون أن كل ما قاله لا يكفي للعدول عن إعدامه، يستشيط الحضور غضبا بنفاذ صبرهم فيقررون الهجوم عليه، تدخل الشرطة فجأة، فيرفع الجميع يديه.

تأخد الشرطة القاتل لمحاكمة حقيقية ولكن قبل أن ينطق القاضي بقرار المحكمة ينتهي الفلم، تاركا القرار الأخير للمشاهد الذي شهد كل الدلائل والحجج التي قدمها الفلم.

نجد أنفسنا أما خيارين، الأول بيكت الذي هو بطل القصة: قاتل أطفال؛ أما الخيار الثاني: بيكت ليس مسيطرا على أفعاله. الخيار الثاني نفسه له قسمان آخران أحدهما هو تأييد إعدامه لأنه الوسيلة الوحيدة لضمان عدم تكرار عمليات القتل. الفلم بشكل عام يطرح علينا تساؤل، هل من الأخلاقي إعدام شخص نتيجة لأفعال قام بها بسبب مرض نفسي؟

الفلم يطرح أحد أفكار النَّفْعِيَّة Utilitarianism وهي فكرة أن أفضل فعل طبيعي هو الفعل الذي تعود منافعه على المصلحة الجماعية. لو تم التفكير في سياق الفلم من خلال السنة التي أُنتج فيها، ألمانيا 1931، سيأخد السؤال لأبعاد أعمق، بذلك الوقت الحزب النازي الذي كان ثاني أكبر حزب وقتها، كانت أيدولوجيته الإخضاع -والإبادة لاحقا- للجماعات الأقلية لصالح الأغلبية الآرية. كفرتز لانغ وبيتر لوري كان كلاهما يهوديا، هربا لاحقا من ألمانيا سنة 1934، تبعا لهذا السياق التاريخي، ينوب السؤال عن إشكاليات أكبر، ما الذي نحن على استعداد للتضحية به في سبيل ضمان المصلحة الأفضل للأغلبية الأكبر؟

قتل “بيك” لا يجعل منك نازيا بالطبع، ولكنه يجعلك تفكر في حالة أن قدمت لك فرصة تشكيل مجتمع، فكيف سيكون.

السبب الذي يجعل الفلم مصيبا بقوة هو أنه يحفز طرح أسئلة لا تزال صالحة إلى اليوم، إنه سؤال بلا جواب واضح، واعتمادا على كيفية تفكيرك سيغير من سياساتك، شخصيتك وقراراتك التي تتخدها يوميا. هل نحن مستعدون للتضحية بشخص في سبيل ضمان المصلحة العامة؟ وما شكل تلك التضحية؟

تدقيق لغوي ومراجعة: عمر دريوش.

المصادر: هناهناهنا

الصورة الافتراضية
نصرالدين بلبكري
المقالات: 10

اترك ردّاً