كيف اخترع الانسان الكتابة؟

تُعرف الكتابة على أنها الشكل المادي للغة المنطوقة، وهي أعظم الانجازات البشرية التي غيرت المجتمع البشري ودفعته باتجاه (التسيد على الأرض)، وعلى الرغم من اهتمام البشر بالعلم والتعليم وممارستهم للكتابة كأمر مسلم به، لكن سبب وكيفية اختراعها مازال أمراً جدلياً يحيط الغموض ببعض جوانبه. 

وعلى طريقة ريتشارد دوكنز في كتاب سحر الواقع، أود أن أطرح أولا الأسطورة التي تفسر اختراع الكتابة عند السومورية (بالطبع لكل حضارة أسطورة خاصة بها)، فبحسب هذه الأسطورة فإن نيسابا، إلهة مخازن الحبوب اخترعتها أو منحت هذه القدرة للبشر للاحتفاظ بسجلات البضائع في معابدها.

وترتبط هذه الأسطورة بأكثر سبب منطقي دفع العراقيين القدماء الذين بدأوا عصر التاريخ باختراعهم الكتابة، إذ شهد العصر آنذاك تطورا اقتصاديا وتوسعا سياسيا فدعت الحاجة إلى تطوير أو استحداث نظام لتنظيم شؤون الإمبراطورية، نظام عُدّ من الرموز المنقوشة على ألواح طينية، إذ استخدموا الطين للكتابة لنظراً لتوفره في منطقة السهل الرسوبي، وقد اُفترض أن هذه الرموز مشتقة من نظام الرسوم التصويرية البدائية. في الواقع، يمكن إرجاع العديد من علاماته إلى “تصور” السكان الأصليين للأشياء التي يشيرون إليها. على سبيل المثال، تضمنت الكتابة المسمارية علامة لـ “نجمة” تبدو وكأنها علامة نجمية، لذلك بدا من الآمن افتراض أنها نشأت كنوع من تصوير النجم، وبالتالي جميع العلامات الأخرى مشتقة من الصور أيضًا. 

والسؤال الذي يُطرح هنا: هل هناك نموذج اعتمد عليه العراقيين القدماء لتطوير الكتابة الرمزية؟

صورة تمثل لوحا طينيا من الحضارة السومرية عليه كتابة مسمارية
الكتابة المسمارية على لوح طيني

حسناً، حتى الآن لا يوجد أي دليل مادي على وجود نموذج سابق اشتق منه العراقيون القدماء لغة كتابتهم، لذلك يتم الآن القبول بالنظرية التصويرية على الرغم مما يحيط بها من تناقضات وهفوات.

أما رموز المعاملات التجارية البسيطة فقد تلاها استحداث رموز مميزة وأعقد بعض الشيء كتلك التي عٌثر عليها في معبد الهة الحب والحرب اينانا “عشتار” في مدينة أوروك، مما يعني أن العامل الديني تدخل بعد العامل الاقتصادي لتطوير الكتابة، ولأن العراقيين القدماء عُرف عنهم ولعهم بمسألة الخلود وايمانهم الشديد بالحياة بعد الموت، فكانت واحدة من الاعتقادات الجميلة لضمان عدم نسيانهم من قبل العالم العلوي هي أن ينطق الأحياء أسماءهم، فكانت تتضمن جنائزهم أو الأشياء التي تدفن معهم، أوان منقوش عليها أسماءهم ( تضمنت بعد ذلك ترنيمات وصلوات بسيطة)، ولأن أسماء بعض الأفراد قد تتضمن أصوات معقدة فقد تغلبوا على هذه المشكلة من خلال استخدامهم علامات من قيمتها الدلالية الأساسية، لتمثيل قيمتها الصوتية أيضًا، ساعد في ذلك كون اللغة السومرية تحتوي على عدد كبير من الكلمات التي يتشابه لفظها ولكن يختلف معناها أو كما يعرف بعلم اللغة  homophones.

كان ذلك بين عامي 2500 و 2600 قبل الميلاد، مما يعني أن تطور الكتابة أو تطور الحاجة إليهاكان يأخذ فترات زمنية لا بأس بها لينتقل من مرحلة إلى أخرى. في تلك المرحلة من التاريخ أصبحت الكتابة ضرورة وجودية للحياة في العالم العلوي والسفلي.

وبعد تلك المراحل، طُورت الكتابة المسمارية التي استمر استخدامها كلغة تعلم حتى عام 200 قبل الميلاد. أي عاش النظام السومري للكتابة ما يقارب ثلاثة قرون، حتى انه اُستخدم كنظام كتابة في بداية المسيحية، وأن  آخر مستند كُتب في المسمارية هو نص فلكي من عام 75 بعد الميلاد.

على الرغم من أن العراقيين القدماء قد طوروا الكتابة لغرض اقتصادي وديني فيما بعد، إلا أنهم سرعان ما أدركوا أهمية الكلمة، فكتبوا الملاحم الأدبية وأشهرها ملحمة “كلكامش” الساعي للخلود، كما أنهم أول من استحدث فكرة المكتبة وترجمة آثار السابقين.

وبالإضافة إلى الكتابة المسمارية فقد طُورت ثلاثة  أنواع من الكتابة بشكل مستقل ثم انبثقت عنها الأنواع الأخرى، الهيروغليفية في مصر القديمة (والتي يزعم أنها اشتقت من الكتابة المسمارية بسبب الجغرافيا والتشابه في الشكل)، الكتابة في الصين، وفي أمريكا الوسطى من قبل حضارة المايا.

وبالتالي، فإن إدخال الكتابة يمثل نقطة جوهرية مهمة في تاريخ أي حضارة، ليس فقط لأنه يمثل تحولًا في العقلية نحو توسيع التواصل وحفظ السجلات وإعادة تقييم الفكر ولكن أيضًا لأنه يسمح للناس بالعيش إلى ما بعد حياتهم. واليوم  يعتمد على الكلمة المكتوبة كل شكل من أشكال العلم، وعلى وجه الخصوص علم التاريخ.

المراجع: 

  1. How Humans Invented Writing — Four Different Times, discover magazine
  2. How Writing Changed the World, live science
  3. From simple patterns to literature: how humans learned to read and write, independent

تدقيق لغوي: كوثر بوساحية

الصورة الافتراضية
Zahraa Majid
المقالات: 12

اترك ردّاً