نازك الملائكة والفكر النسوي

تُعرف الشاعرة العراقية نازك الملائكة المولودة في 23 أغسطس 1923، بغداد، على أنها رائدة الشعر الحرّ أو شعر التفعيلة، وكثيراً ما يتم التطرق إلى الصراع غير المحسوم حول أسبقية تبني شعر التفعيلة مع الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، لكن واحدا من أهم جوانب حياة الملائكة ونتاجها الذي لا يقل أهمية عن الإبداع الشعري هو فكرها النسوي وتبنيها قضية المرأة، لكن هذا الفكر مُغيَّب أو مُهمل لأسباب اجتماعية حتى من قبل كثير من النسويات العربيات.

ذكرى ميلاد رائدة الشعر الحر نازك الملائكة | بوابة نورالله

كان للأسرة التي ولدت فيها نازك الملائكة الأثر البالغ في تكوين شخصيتها الثائرة، المتمرّدة على المجتمع الذكوري آنذاك، منذ لحظة ولادتها واختيار اسمها تيمنا بنازك العابد الثائرة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، إلى تشجيعها على كتابة الشعر ودراسة التمثيل والعزف على العود، فنشأت في بيئة أدبية متحررة، فوالدها مدرس لغة عربية ووالدتها شاعرة كانت تنشر تحت اسم (أم نزار الملائكة) إذ كان مسموحا للنساء بالنشر الأدبي تحت اسم مستعار، إلا أن نازك نشرت باسمها الحقيقي دون اعتراض عائلتها بل إنها خلعت العباءة (وهو الزي الرسمي والتقليدي للمرأة العراقية بغض النظر عن ديانتها) وبحسب المصادر فإن والدها شجعها على ذلك وكان يصحبها في خروجها في بداية الأمر كون (السفور) خرقٌ لعادات مجتمع متشدّد إلى حدٍّ ما.

لذلك لا غرابة أن تغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في منحة دراسية لدراسة الماجستير، وأن تكتب في النقد الموضوعي كما كتبت الشعر الإبداعي، وكانت من معارضي الفصل الجنسي الأدبي، إذ ترى أن الأدب إنساني بطبيعته، لا يمكن أن يكون هناك أدب نسائي وآخر رجالي، بالطبع هذا الفصل كانت أسبابه اجتماعية وتاريخية ولا أدري حقاً كيف يمكن للنُقاد تبني الفصل الأدبي دون النظر إلى طبيعة المجتمعات العربية ونظرتها للمرأة، الغريب أن الملائكة لاحها الأمر وتم اتهامها بأن أدبها رومانسي وجداني (باعتبار أن ما يسمى بالأدب النسائي تغلب عليه السمة الرومانسية)  وصُدّرت على هذا الأساس، فمثلا في الأدب العربي لمنهاج  المرحلة الثانوية العراقي هناك قصيدتها “مر القطار”، بالطبع هي واحدة من أجمل قصائدها لكن كان بالإمكان إضافة قصيدة تعالج مشكلة اجتماعية أو حتى التطرق إلى نقدها الأدبي بل الأمر تعدى ذلك إلى اتهامها بـ التمحور على الذات والتطرق إلى قضية المرأة بشكل سطحي لترد “ما من امرأة في العالم كله أشد مني ثورية وجرأة في مناقشة  قضايا المرأة”  وكان هذا واضحا في قصيدتها غسلاً للعار.

غسل العار.

يسود المجتمع العراقي منذ عقود وحتى يومنا هذا عادة غسل العار، وهي قتل الفتاة/المرأة/البنت من قبل عائلتها لمجرد الشك في سلوكها دون التأكد حتى من الإشاعة، وتُمارس هذه العادة بكل فخر ودون اعتراض المجتمع و الدولة، وقد تطرقت الملائكة إلى هذه الممارسة الوضيعة بقصيدة “غسلاً للعار”، إذ وصفت فيها بشكل دقيق هذه الممارسة (رحلت عنا… غسلاً للعار) وكيف هو شعور القاتل (ورجعنا فضلاء بيض السمعة أحرار) ثم تتطرق إلى موضوع لا يقل خطورة وهو سلبية المرأة، إذ تقتل المرأة بسبب وبدونه لكونها امرأة وأن قاتلها مهما كانت سلوكياته فهي مبررة لمجرد كونه رجلا:

يا ربَّ الحانة أين الخمر وأين الكاس

نادِ الغانية َ الكسلى العاطرة الأنفاس

 تعد هذه القصيدة صرخة في وجه المجتمع بكل ثوريتها وحزنها، لكنها لا تُمنَح الاهتمام الكافي، فبدلا من وضعها في منهاج الثانوية العامة توضع قصيدة مر القطار .

وفي مرثية امرأة لا قيمة لها تؤكد الملائكة على غياب دور الدولة والقانون (الدور الذي ما زال غائباً) حينما تقتل النساء: 

لم تسْمعِ الأبوابُ قصَّةَ موتِها تُرْوَى وتُرْوَى

والليلُ أسلمَ نفسَهُ دونَ اهتمـامٍ ، للصَّباحْ

  إذ أنها ممارسة طبيعية ويكون الفخر للفرد المختار لتنفيذ الأمر.

 لم تكن غسلا للعار المرة الوحيدة التي تطرقت فيها الملائكة إلى سلبية المرأة بل تحدثت عن الأمر بشكل مفصل في محاضرتها في الاتحاد النسائي في بغداد بعنوان (المرأة بين طرفي السلبية والأخلاق)، إذ كان من المقرر أن تلقي محاضرة أدبية لكنها فضلت التحدث عن المرأة، ثم يلوم البعض الملائكة بأنها سطحية، بالرغم من تطرقها في هذه المحاضرة إلى أهم جوانب قضية المرأة وهي تجريد القضية من الأخلاق لكون الأخلاق نسبية من جماعة إلى أخرى، ثم إن فكرة المساواة والحقوق يجب أن تنبع من المرأة نفسها على عكس بعض النسويات اليوم التي تحاول إخراج المرأة من قوالب إلى أخرى، فما التحرر إذا كان التحجيم باقياً؟ أما الملائكة فالبرغم من مناصرتها لحق المرأة في العمل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي فترى أن على المرأة أن تُمنح حق الاختيار لشكل الحياة التي ترغبها مشيدة بدور المرأة في المنزل وأنه لا يقل أهمية عن دور الرجل خارج المنزل وبناء على ذلك لا يجب على الرجل أن يُشعر المرأة بالفضل لكونه مسؤول عنها اقتصادياً.

وبهذا الصدد أخذ البعض على الملائكة بأنها ناقضت نفسها حينما تزوجت وأن نتاجها الأدبي قلّ، لا أدري كيف يدّعي بعضهم بدون دليل منطقي، فالملائكة تزوجت وكانت تعمل في التدريس مع زوجها في جامعات البصرة، الكويت والقاهرة، كما أنتجت ثلاثة كتب وطبعت ديوان والدتها في السنوات الأولى من زواجها مع الأخذ بنظر الاعتبار وعكتها الصحية لكن هي محاولات لها أسبابها الاجتماعية.

وتقول الملائكة:

إن قيدي عار 

وجمودي انتحار 

لا أجد أعظم من هذه الصرخة في وجه مجتمع ذكوري يرى المرأة جنس ثاني بينما تؤكد هي على أن القيود الاجتماعية هي العار الذي يجب أن يغتسل منه المجتمع وأن جمود المرأة الفكري ما هو إلا انتحار لابداع المجتمع فهل رأيت مجتمعاً متقدماً وهو يختزل دور المرأة؟!

المصادر:

ديوان نازك الملائكة 

نازك الملائكة حياة وشعر وأفكار \ جريدة الاتحاد 2007

صالون الأدب\ حلمي محمد القاعود 

مجلة الكلمة \ العدد الثامن 2007

الصورة الافتراضية
Zahraa Majid
المقالات: 12

اترك ردّاً