المرأة في فكر أدونيس وكتاباته

أدونيس (علي أحمد سعيد)، فضلاً عن كونه شاعراً مسكوناً بالجمال والحب، فهو أيضا ناقد جيد لقضايا التراث والمجتمع والثقافة، وثائر عليها بكل حزم، إنه -كما يبدو من كتاباته ولقاءاته المسموعة والمرئية- صقر برّيّ، ولكنه أيضاً مسكون أبداً بالحب، والجمال، والمرأة، حتى ليبدو إزاء هذا كله وديعاً كالطفل.

إن أدونيس مثلما ينتقد الدين والتراث والمقدسات فهو أيضًا لا يتهيب الحديث بجرأة وحرية عن المرأة والجنس، لقد كان إنجازه الفكري “الثابت والمتحول: بحثٌ في الإبداع والاتّباع عند العرب” إضافة جيدة لمشاريع الفكر العربي المعاصر في مجال نقد التراث، ومنذ البداية بأن توجهه الثوري ضد التراث وضد ما يعتبره رجعية وتخلفاً، مما يعيق المجتمعات العربية للدخول في الحداثة وقطف ثمارها. إنه مثلما عبّر عنه “ميشيل كامو: «مسكون برغبة قوية في الانبعاث المستمر عبر التحرر من جميع الأطر الضيقة»، ومن جملة تلك الأطر الضيقة والعتبات الوعرة: موضوع المرأة ووضعيتها في هذه المجتمعات.

المرأة كرمز:

ورغم أن أدونيس لم يتحدث عن المرأة في مشروعه الفكري، إلا أنه عبر في إحدى لقاءاته أنه كان ينوي أن يخصص لها مجالاً واسعا للكتابة والحديث عنها، لكن على أي حال، فالذي نعرفه أكثر عن موقف أدونيس ليس الحديث عن واقع المرأة العربية كما هو: تفاصيل الحياة اليومية، ومشكلات الزوجية والأسرة والمجتمع والثقافة والتقاليد، بل إن ما نعرفه أكثر من خلال شعره وكتاباته هو الحديث عن المرأة كرمز وكأن أدونيس يهرب من واقع المرأة كما هو إلى فضاءات الرمز والخيال والأبعاد الصوفية، قد يكون ذلك نوعاً من الاحتجاج، أو أنه بحق هروب إلى الأمام على اعتبار أن أدونيس يمتلك كل المقومات الفكرية واللغوية ليدافع عن المرأة كما يدافع عن الحداثة والعلمانية، وكما ينتقد الدين وكثيراً من القضايا الأخرى.

إن أدونيس يميل في خطاباته وكتاباته إلى استحضار البعد الصوفي للمرأة وللأنوثة بشكل خاص، على منوال ما دأب عليه الصوفية الذين ينظرون إلى المرأة ليس باعتبارها كينونة منفردة ومتجسدة في ماهيات متعينة (نساء)، ولكن ينظرون إلى المرأة والأنوثة على وجه التحديد، باعتبارها مبدأ كلّي يتحدد من خلالها جوهر الحياة، وهذا هو الذي يؤمن به أدونيس حيث أنه لا يتطرق إلى المرأة بأسمائها وأعيانها، ولا يعتبرها شيئاً يمكن الكتابة عنه مثل: الربيع والخريف، أو الوطن أو غيرها من المعاني، بل إن المرأة عنده تمثل كلّاً وجوديا يمكن أن يتمظهر في كل شيء، وفي أي شيء. إن المرأة عنده ليست شيئاً مستقلاً عن ذاته، بل هي ذائبة في كينونته وملتصقة بها، يعيش بها ومن خلالها، يتنفسها كالهواء ويشربها كالماء، وكثير ما يردد عبارات الصوفي “محي الدين ابن عربي” من أن الإنسان إذا ما أراد أن يصل إلى المطلق -أي إلى الله- فعليه أن يمر بالأنوثة وبالمرأة. يقول أدونيس: «إذا ما بحثت عن الخالق فاذهب إليه عبر المرأة، فهي النور الذي يصل السماء بالأرض، وكي تتوصل إلى جوهر الكون؛ عليك أن تمر بالمرأة، أي أن تمر بالحب»(1).

إن المرأة بالنسبة لأدونيس تمثل نافذة على الحياة بكل تجلياتها، ولكنها أيضاً نافذة على الألوهية ذاتها. إن حس أدونيس بالمرأة وبالأنوثة يمكن أن يتجسد في كل مظاهر الحياة من المحسوسات الجمالية، إنه ليتجسد في مقطوعة موسيقية، كما يتجسد في زهرة برية، أو ضِحكة طفل رضيع، إن المرأة تمثل رمزا للخصب، إنها امتداد للطبيعة حيث يجد الإنسان الطمأنينة والتوحد مع الكون.

في حاجة الرجل للمرأة:

إن الإنسان في طبيعته كائن مُشوَّش وتائه، كائن مُجزأ، لكنه بفضل المرأة ومن خلالها يمكن أن يعثر على ذاته، ويفهم كينونته، إنه في واقع الحال كقطعة زجاج مكسور لا يلئم إلا من خلال المرأة والأنوثة. يقول أدونيس عن قيمة المرأة وأهميتها في الوجود بالنسبة للرجل: «بالهيام يتجاوز الإنسان نفسه، والمرأة هي التي تخلصه من تفاهة اليومي؛ لأنها تجسد -سراً- سر مشاركتها في الحياة الكونية، إنها تحقق طموح السوريالية بالوصول إلى الإنسان غير المتموضع، كما لو أنه لم يخلق بعد، فتجسد بذلك الحرية الكاملة، وهكذا تكون المرأة مستقبل الرجل، وخلاصه، وقدره»(2).

إن حاجة الرجل للمرأة، كحاجة السمكة للماء، فيها يعيش، وبها يتذوق طعم الحياة، ومن خلالها يحقق ذاته ويتطلع نحو المستقبل، إن المرأة هي التي تسمح للرجل المجزأ ان يتوحد بذاته.

ولأن أدونيس ينظر الى المرأة بهذا الاعتبار، كونها كلاً وجودياً، فإنها ترتبط بالحب والجنس والإبداع، كما ترتبط بالوجود، أما الحب وفعل الحب، فلا يمكن الشعور به إلا من خلال اللذة الحسية والجسدية، ولكنه فضلاً عن ذلك فهو أيضاً له بُعد روحي، وفيه تلتئم المادة بالروح، وتلتقي الأضداد؛ لذلك يعتبر أدونيس أن الانسان لا قدرة له على التعبير عن الحب، وفعل الحب، بنحو كامل وكلي، لأن الحب مثل النار، ومن الصعب أن نلمس النار، لكننا نشعر بها ونعيشها، يقول أدونيس عن فعل الحب بين الرجل والمرأة: «أن تفعل الحب فذاك فن رفيع، لأن معرفة المجهول، إنما هي فن، أن تكتشف كل مسام من مسامات جلد المعشوق فهذا يعني أنك تكتشف اللا متناهي، لأن جسد المرأة قارة لا تنتهي، تعيش مع جسد سنوات وسنوات، تعرف كل ثنية من ثنياته، وفي كل يوم تجد ذلك اللحم جديداً، إن هذا الجسد واحد، وهو دائما آخر، هي ذي الهوية الجوهرية»(3).

يقول أدونيس أيضاً: «لا يحقق رجل وجوده من دون امرأة، وإذا ذهبتُ بعيداً فإن الرجل هو المكبل بالقيود، المكبل الحقيقي وليس المرأة، الرجل مكبل بقيد مزدوج، لأنه هو الذي يقود المجتمع، ولأن هذا المجتمع هو الذي يحرمه من علاقته الجوهرية مع المرأة»(4)، بمعنى أن الرجل عدو نفسه في أنه محروم من فهم ذاته بطريقة أفضل من فهم جسده وحاجته للمرأة، أما المرأة فهي مكبلة بصورة واحدة وهي كونها تابعة للرجل دوماً، أما الحقيقة المفترضة عند أدونيس فهي عكس هذا الواقع تماماً، فالمرأة هي الكلي والرجل في حاجة إلى هذا الكلّي دوماً.

في نقد رؤية أدونيس:

يبدو أن حديث أدونيس عن المرأة كقيمة رمزية مستوحاة من المقامات الروحية والصوفية يشوّش على موقف أدونيس بشكل عام من المرأة في الواقع، فهو عندما يتحدث عن قيمة المرأة الرمزية، يبدو كأنه يهرب إلى الأمام؛ لأن ذلك الحديث شاعري أكثر من اللازم، وهو من قبيل الأفكار التي نقول عنها إنها ما ينبغي أن يكون، أما ما هو كائن فعلياً على أرض الواقع فهو الذي يحتاج منا إلى الثورة عليه؛ لأن الشعرية –وإن كانت نوعاً من الاحتجاج– فهي ليست الأداة المناسبة لتغيير وضع المرأة في المجتمعات العربية.

إن أدونيس معروف عنه النقد والثورة ضد النظم الاجتماعية التقليدية، بما فيها وضع المرأة، لكن ذلك ليس كافياً، أو بالأحرى ليس واضحاً من قبل أدونيس؛ إن أدونيس مثقف من طراز كبير، ومثلما قلنا فإنه زيادة على كونه شاعرًا فهو مفكر، وقضية المرأة في المجتمعات العربية، تحتاج أكثر من الشعر، بل إن الشعر في هذه الحالة قد يكون مضللاً.

إن أدونيس وإن كان نفسه يدعو إلى الاهتمام بالمرأة والدفاع عن حقوقها واعتبارها شريكاً مساويًا للرجل في الحياة، فهو نفسه في “مختاراته من ديوان الشعر العربي” بمجلداته الثلاثة لا يذكر فيه إلا خمس شاعرات فقط من بين أربعمائة وسبعة وثلاثين شاعراً مختاراً، ونحن نعلم أن تراث الشعر العربي لا يخلو من شاعرات كبيرات، في بغداد وفي دمشق وفي الأندلس وغيرها، فكيف يكون الدفاع عن المرأة إن كنا نبخلها حق الاعتراف بها؟!


هوامش:
(1) أدونيس، الهوية غير المكتملة، ترجمة: حسن عودة، بدايات للنشر، سورية، ط1، 2005، ص 85.
(2)أدونيس، الصوفية والسريالية، دار الساقي، لبنان، ط3، د ت، ص 111.
(3) أدونيس، الهوية غير المكتملة، ص 82، 83.
(4) المرجع نفسه، ص 79.

الصورة الافتراضية
Rezig Rabah
المقالات: 0

اترك ردّاً