لماذا يصعب حل مشكلات الغذاء العالمية؟


يواجه اليوم أكثر من عشرين مليون شخص في اليمن، و السودان، والصومال، وشمال شرق نيجيريا الجوع الشديد، حيث تعدى الأمر الموت المنتشر بنسبة كبيرة ليؤدي إلى تعميق الأزمات السياسية والعسكرية طويلة الأمد في شرق إفريقيا. يسمي ستيفن أوبراين مسؤول الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أزمة الطعام هذه بأعظم مشكلة إنسانية عالمية منذ 1945.


يسأل مراقبون، بالنظر إلى كل ما أُحرز من تقدم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في مجال المساعدات العالمية والتطوير، كيف يمكن أن يواجه العالم أزمة غذائية بهذه الضخامة؟


الجواب على هذا السؤال معقد، إذ أن الأزمات الغذائية تنتج عن عدد من الأسباب التي تتضمن الحرب، والفقر، والسياسة، والأمراض. ومع ذلك، فإن إحدى الأسباب الرئيسية التي تجعل المجتمع الدولي يواجه صعوبة في الاستجابة للمجاعات تكمن في هيكلية العلاقات الغذائية العالمية.

كما وصفت الأمر مجموعة منظمة “Uk Foresight”، نحن نعيش في زمن حيث لم تعد علاقات الطعام، نظاماً- كيان كلي محوكم ومنظم- بل أصبحت بدلا من ذلك مجموعة من أطراف ذات تنظيم شبه ذاتي متفاعلة مع بعضها البعض.

وطريقة أُخرى لوصف بنية العلاقات التي تبدأ من المزرعة وتنتهي بمائدة الطعام هي ما يسمى بالشبكة. تتضمن شبكة الغذاء نشاطات كالإنتاج، والجمع، والحصاد، والمعالجة، والتصدير، والتجهيز، واستهلاك الغذاء. لكن، لماذا يعد التمييز والفصل بين فكرة النظام والشبكة شيئا أساسيا؟ وذلك لأن شبكة الغذاء أقل استجابة للسياسات المباشرة والحلول التي تعتمد على السوق من النظام الغذائي.


لقد كانت هنالك جهود تبعت الحرب العالمية الثانية لخلق نظام غذائي عالمي موحد، حيث اقترح جون بويد اورر، وهو خبير تغذية اسكتلندي والذي أصبح فيما بعد أول مدير عام لمنظمة الغذاء والزراعة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة، إنشاء مجلس أغذية عالمي لإدارة الإمدادات الغذائية العالمية ومواءمة الإنتاج والاستهلاك العالميين للأغذية.
كان يستجيب لإحساس بأن انعدام الأمن الغذائي أسهم في اندلاع الحرب العالمية الثانية وأثر بشكل جوهري على حياة الجنود والمدنيين أثناء الحرب وبعدها.


إلا أن خطة وجهود بويد اورر فشلت وذلك لأن الدول لم ترغب في التنازل عن سلطتها وصلاحياتها في إنتاج الغذاء لصالح أي هيئة دولية، وكنتيجة لذلك بقيت نشاطات الإنتاج الغذائي والتوزيع خاضعة لسيطرة الدول وجهات خاصة كالشركات متعددة الجنسيات، بالرغم من أن منظمات مثل الفاو تلعب دوراً مهماً في تنسيق هذه الأنشطة الغذائية.
إن شبكة الغذاء التي نتجت عن ذلك لها آثار جوهرية على الاستجابات الدولية لأزمات الغذاء وذلك لأن تلك الاستجابات تعتمد على القرارات والخيارات الوطنية.


وبالنسبة لبعض الدول كالولايات المتحدة الأميركية ظهرت المساعدات الغذائية في سنوات ما بعد الحرب كمكون ضروري للجهود الدبلوماسية لتكريس السلام والاستقرار حيث قنن الرئيس ايزنهاور استخدام ما أطلق عليه قوة الغذاء عندما وقع اتفاقية تطوير التجارة الزراعية والمساعدات عام 1954 والتي أطلق عليها اسم PL-480، والتي أنتجت أول برنامج دائم لتزويد الغذاء كمساعدة خارجية في أمريكا. وبينما كان القصد من PL-480 في البداية تقليل تكلفة تخزين فائض الطعام.

أكد الرئيسان كيندي وجونسون في الستينات على الجوانب الإنسانية لتقديم المساعدات الغذائية في الداخل والخارج، فمنذ الستينات تغير اسم وهيكل برامج المساعدة الغذائية الحكومية، لكن فكرة المعونة الغذائية حظيت بدعم كل من الإدارات الرئاسية الجمهورية والديمقراطية.


وكنتيجة لذلك تعتمد المساعدة الغذائية الدولية على تصرفات وسياسات الدول الفردية. وهذا يعني أنه عندما تتطور أزمة غذائية مثل الأزمة الحالية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يجب على الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأُخرى جمع الأموال من الأفراد والدول الأعضاء بدلاً من مجرد التركيز على مساعدة الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة.


إن فكرة بويد أور عن نظام غذائي عالمي كانت ستحاول تحقيق التوازن بين العرض والطلب الغذائي لتجنب أزمة الغذاء، في المقابل، الشبكة الغذائية الحالية عالقة في موقف تفاعلي، منتظرة ظهور أزمات غذائية لتكافح من أجل جمع الأموال وجمع الإمدادات بينما يعاني الناس ويموتون من الجوع. بالإضافة إلى التسبب في الوفاة والمرض، يمكن لإنعدام الأمن الغذائي أن يقوض التقدم المحرز في أهداف التنمية مثل التعليم وتحسين وضع المرأة، والتي يمكن أن تكون لها آثار طويلة الأمد بعد انتهاء أزمة الغذاء.

هناك نزعة مؤسفة لأن يحظى الطعام بالاهتمام ثم يختفي هذا الاهتمام حتى تظهر أزمة جديدة، لكن الغذاء عنصر بالغ الأهمية في السلام والازدهار العالميين بحيث لا يمكن تركه لفترات قصيرة من الاهتمام. يمكن الإلتزام بتطوير شبكة غذائية أكثر استدامة وقابلية للتكيف ومرونة، فتكون قادرة على توقع مشاكل الغذاء والاستجابة لها، إلا أن حصاد شبكة كهذه سوف يستغرق سنوات وربما عقوداً، مما يتطلب تخصيصات موارد مستديمة..


هناك سبب وجيه لتوقع أن مشاكل الغذاء العالمية ستصبح أكثر تحديا بدلاً من أن تكون أقل صعوبة في المستقبل. في حين أن المؤرخين مثلي يترددون في استخدام الماضي للتنبؤ بالمستقبل والتنبؤ بالمستقبل عمل صعب دائماً، فقد خلصت مجموعة من التقييمات الحديثة إلى أن التأثيرات المستقبلية على الزراعة وإنتاج الغذاء من مصادر مثل التغير والتنوع في المناخ العالمي والأنظمة البيئية محتملة للغاية. إلى جانب النمو السكاني المستمر، والتغيرات الديموغرافية، والروابط بين شبكات الغذاء والطاقة والمياه العالمية، فإن الأمل ببساطة في أن يتماشى إنتاج الغذاء مع الطلب يبدو رهاناً خطيراً.


بالنظر إلى مجموعة التحديات العالمية التي نواجهها، سيكون من الحكمة على الناس وصناع السياسات إعادة النظر في الدروس حول الغذاء والحرب التي تعلمها صانعو السياسات في فترة ما بعد الحرب مثل الرئيس أيزنهاور والسير جون بويد أور، وإدراك أن هناك أسباباً عملية وأخلاقية لمعالجة مشكلات الغذاء العالمية.

المصدر

مراجعة وتدقيق: سماح صلاح

الصورة الافتراضية
Mohammad mahmoud essa
المقالات: 0

اترك ردّاً