ماذا لو اختفى الفن والحب والكتب؟

هل تستطيع وصف اللّون؟

سُئل الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس ذات مرة عن ماهية الشعر، فأجاب بأنّه شيء بالغ الجوهريّة، يصعب وصفه في كلمات محدودة، فهو أشبه بشعور حميميّ يجتاحك كالحب أو كوصف اللّون الأصفر مثلا.

فالشعر فنّ يكشف هشاشتنا في كثير من الأحيان، بالإضافة لقدرته التعبيريّة عن قسوة ووحشية الإنسان تجاه الآخرين. كما أنّه يمهد الطريق للحبّ الذي يشبهه بشكلٍ كبير. فمن الممكن أن يهب لنا الحبّ أجنحة، أو يلقي بنا في متاهات مظلمة، فالحبّ يشبه الشعر في الحزن الذي يجتاحك من ذكرى لم تصبح موجودة بعد.

يقول بورخيس بأنّ الحب يجعلنا نرى أحبّتنا كما يراهم الله. و بالرغم من أنّ تلك الجملة تحمل أكثر من معنى. إلاّ أنّ الحب والفن والكتب تعتبر من الجماليات الأرضيّة لقدرتها الخارقة على إعطاء قيمة ونكهة لحياة الإنسان الرّمادية.

لوحة للرّسام النمساوي جوستاف كليمت، يأخذنا فيها إلى عالم مليء بالجمال والألوان.

ألا يكفي قبح العالم؟

في بداية رواية الساعة الخامسة والعشرين للكاتب الروماني قسطنطين جورجيو، اختفى الحب من العالم رويدًا رويدًا، بدأ من الصراعات الحياتيّة بين الأفراد، والتي تنتهي بشيء من الهدوء في الآخر. إلى عالم الحرب الذي يمحو كل مكان للحب قدر المستطاع، ويُحل محله الغضبَ والحقدَ والآلية الجافة. فتحول الإنسان لآلة معدومة المشاعر تدمّر وتدمّر باسم الإصلاح والسعي إلى عالم أفضل.

فما كان لها إلاّ أنها قضت على الكثير من الحيوات لأجل شعاراتٍ دمرت شعوبًا بأكملها، ليتمزق أبطال الرّواية ما بين إيمانهم بأن مازال في الحياة خير ينتظرهم، وبين الإنسان الآلة الذي يدفن حياتهم لأسباب وهميّة.

عالم من دون حب

إذا اختفى الحب ستختفي معه كل المعاني الملازمة له، كالرحمة والقدرة على تخفيف الشقاء والتفاهم، وأهم ما يميّز الإنسان هي الإنسانيّة التي تهبه المرونة والقدرة على الشعور بألم الآخرين ومشاركتهم إيّاه.

إذا اختفى الحبّ للأبد ستسود الماديّة العالم، وتحتل الحسابات العقلانيّة الخاليّة من أي مشاعر إنسانيّة. حتّى يختفي ولاء الأحباب وارتباطهم الحميمي ببعضهم. كما حدث في رواية فهرناهيت 451، عندما أصبح الأزواج والزوجات يبدلون بعضهم البعض كما تُبدّل الجوارب. فانتهت قيمة الحب القائم على الوّد، الولاء، المشاركة وصنع الذكريات.

في أحد المشاهد القاسية في الرّواية، كانت إحدى الشخصيات تتحدّث عن علاقتها بزوجها الذي ذهب للحرب لتوه، فكان كلاهما متفقًا أنّه إذا مات أحدهما، يتزوج الآخر وينسى كلاهما الأحداث بينهما، وكأن شيئا لم يكن.فهما مستقلان لدرجة أنّ أحدهما لا يعطي شيئا للآخر. ثم تبدأ صديقة الزوجة المجاورة في البكاء عندما يبدأ البطل في قراءة أحد قصائد الشعر.

“فلنكن مخلصين

بعضنا لبعض والعالم البادي

ممتدٌ أمامنا كأرض للحالمين

عالم متنوع وجميل

ولكنّه خاوٍ من الحبّ والنّور وما هو سعيد

لا ثقة فيه ولا سلام ولا نجدة من وجع.”

في عالم كهذا ستنكمش المشاعر وتذوي حتّى تذبل، ويبطل الشعر. ففي نفس الرّواية اختفت الكتب وتشرد الشعراء ولم يعد أحد يقول أحبك.

هل الحبّ والفن والكتب حقا بكل تلك الضرورة؟

نعم، فلو لم يصادف الكاتب محمد شكري بعض الكتب في حياته، لو لم يتعلم وتتفتح عيناه على عالم جديد غير عالمه القاسي، لما وُجدت كتاباته التي صرخت بواقع الفقر القاسي آنذاك. الكتب والفن والحب ثلاثيٌ يمنح الإنسان صوتًا وقوّة على تبديل واقعه ولو بنسبة صغيرة.

رغم أنّ الغالبية تنظر لذلك الثالوث بشيء من الميوعة والرّفاهية، إلاّ أنّه هو من يثبت أركان حضارتنا الإنسانيّة.

فالكتب تفتح أمامك الأبواب لتنظر من خلالها إلى العالم، فتنتشلك من عالمك الضيّق وتضع أمامك عالمًا شديد الاتساع والاختلاف، لتعلّمك كيف تتقبل الآخر. وكيف تصبح أقل تعصبًا وبربرية تجاه الآخرين، كما تساعدك على فهم نفسك وتكوين فلسفتك الخاصة تبعًا لرؤيتك لا لرؤية الجموع. فتعلمنا أنّ كل نفسٍ إنسانية تواقة إلى الدفء الذي يبعثه الحب في الضلوع.

إنّها تؤنسنا وتدفعنا بشكل لا إرادي لتكوين الصداقات من خلالها. كما حدث في كتاب 84 شارع تشيرنج كروس. الذي يضمّ رسائل مليئة بالمرح والوّد بين الكاتبة الأمريكية هيلين هانف وبين متجر بيع الكتب المستعملة في لندن في أربعنيات القرن الماضي.

تستمر بينهما الرسائل التي تضم أسماء الكثير من الكتب الكلاسكيّة النادرة، التي لم نسمع بها من قبل، والهدايا الجميلة، وصفات الطعام اللذيذة، وغيرها من الأشياء التي تصنع شيئًا من الحميمية اللّطيفة بينهما.

ماذا لو اختفى ذلك الثالوث؟

ستغلق المتاحف والمعارض الفنيّة. لن نستطيع مشاهدة اللّوحات والاستمتاع بها، والاندهاش بجمالها، ستغلق أيضًا دور السينما وتختفي الأفلام التي فجّرت عقولنا بجمالها، والأخرى التي نُوقشت وأطلقت موضوعات مهمة. لن نستطيع الضحك على كل المسرحيات التي نعيد سماعها مرّة تلو الأخرى.

فإذا اختفى الحبّ ستأكلنا الغربة والوحشة، وإذا نضبت رهفة الشعر وتلاشى الفن، اختفت هشاشتنا تحت غطاءٍ من العنف والغضب، أمّا إذا فقدنا الكتب التي تعلمنا وترشدنا، سيصحبنا الابتذال والتفاهة حتّى يسيطر الغباء على عقولنا.

وأنت عزيزي القارئ ما الذي تظن أنّه سيحدث لو اختفى الفنّ والحبّ والكتب من العالم؟

تدقيق لغوي: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Mostafa sarah
المقالات: 0

اترك ردّاً