الكتابة المسمارية من نقش بيستون إلى الديب مايند

إلى أواخر القرن الثامن عشر، اُعتبرت حضارة العراق القديم أو بلاد ما بين النهرين حضارةً منسية لعدم قدرة الآثاريين على فك رموز الكتابة المسمارية التي سبقت ظهور الأبجدية بحوالي 1500 سنة، والتي اُستخدمت أوّلاَ من قبل السومريين للأغراض التجارية، ولم تكن مناسبة للتعبير عن اللغة السومرية فقط بل وحتى اللغة الآكادية -لغة البابليين والآشوريين- واستمر استخدامها حتى مع ظهور الأبجديات إلى القرن الأول الميلادي. إلا أن التقدم السريع للأبجدية الفينيقية في الأجزاء الغربية من الشرق الأوسط والأراضي الكلاسيكية في أوروبا المتوسطية كانت بداية النهاية للكتابة المسمارية، التي ساعدت عوامل أخرى في جعلها لغةً معزولةً. لدرجة جعلت الإغريق الكلاسيكيين على غير علمٍ بوجودها.

ويختلف الآثاريون والباحثون في سبب اختفاء الكتابة المسمارية، فربما هي عوامل تداخلت لتساهم في اختفاء السومريين ولغتهم؛ منها ضعف الدولة الذي جعلها تابعة للامبراطورية الفارسية، ثم الجفاف الذي دام أكثر من 200 سنة، والذي لا وجود لأدلة مباشرة تجزم بعلاقته بالأمر، لكن العديد من الأدلة الأثرية والجيولوجية تربط الانحدار التدريجي للحضارة السومرية بالجفاف، إذ أن تزامن الاضطرابات الاجتماعية وهجرة السكان في المنطقة والسجل الجيولوجي للجفاف يشير إلى أن تغير المناخ قد يكون له دورٌ في فقدان اللغة السومرية.

بيستون صخرة حجرية منقوشة على جبل

حجر رشيد المسماري 

في عام 1761 قدمت أول بعثة أثار  أوروبية في العصر الحديث إلى العراق، وكانت برعاية ملك الدنمارك “فريدريك الخامس” في مهمةٍ لاكتشاف آثار حضارات الشرق الاوسط وبرئاسة الألماني كارستن نيبور Carsten Niebuhr. وقد تمكنت البعثة من العثور على نقش كُرر فيه كل موضوع ثلاث مرات أي بثلاث لغات. يرجع النقش إلى فترة حكم الامبراطورية الفارسية وتمثل اللغات المنقوشة بالمسمارية لغات كل من بلاد فارس، عيلام وبابل.

 لم يتمكن حينها أي من اللغويين أو الآثاريين من فك رموز النقش، لكن كروتفند – شاب ألماني كان يدرس الإغريقية ومولعًا بحل الالغاز – تمكن من حل  10 علامات وثلاثة أسماء. إلا أن العلماء حينذاك انقسموا بين مؤيد و معارض، ومهما يكن فقد فتح كروتفند الباب أمام العلماء مجددا للاهتمام  بالحضارة العراقية القديمة عن طريق فك رموز الكتابة المسمارية.

أما الفضل الاكبر فيعود الى الضابط والمستشرق الانكليزي هنري رولنسون Sir Henry Rawlinson، ففي عام 1835 كان رولنسون في غرب إيران يدرِّب قوات الشاه، حينما عثر على “نقش بيستون” على صخرة تبعد حوالي مئة متر عن الأرض، نُقشت عليها رسالة من قبل حكام الأسرة الأخمينية الذين حكموا إيران في الألفية الأولى قبل الميلاد لحفظ إنجازاتهم. كانت الرسالة مدونة بثلاث لغات الفارسية، العيلامية والأكادية وكان الوصول إلى الحجر صعباً، إذ كان عليه أن يتسلق منحدرات على حافة ضيقة للغاية في منتصف جبل ضخم لنسخ ما يراه، عن طريق عمل طبعات ورقية وهو يقف بشكل محفوف بالمخاطر على الحافة. وقد ساعده في ذلك شابا كرديا – لم يُعرف اسمه- في الوصول إلى أجزاء الكتابة في المنحدرات التي يصعب الوصول إليها.

من خلال “نقش بيستون” الذي كان بمثابة حجر رشيد حلَّ لغز الهيروغليفية، بدأت المسمارية وببطءٍ، في بدايات القرن التاسع عشر، في الكشف عن أسرارها، إذ تمت مقارنة قوائم الملك الموجودة في النقش بقوائم “هيرودوت” كما تمت مراجعة مؤرخين يونانيين آخرين والكتاب المقدس في هذه العملية. ومن الجدير بالذكر أن ترجمة ما ورد في الألواح الطينية قد أثارت الضجة، حين تبين أنها أكثر دقةً في وصف الحوادث التاريخية من التوراة، حتى أن أحد العلماء قد تمت محاكمته بتهمة الهرطقة بدعوى العجائب التي كشف عنها في النص المترجم. 

ومن الجدير بالذكر أن طه باقر عالم الآثار العراقي والأب المؤسس للبحوث الأثرية ودراسات الحضارات القديمة في العراق قد ساهم بشكل كبير في ترجمة الألواح الطينية سواء من اللغات الأوروبية الذي كان يجيدها أو مباشرة من الأكادية، السومرية والآرامية إلى العربية مثل “ملحمة كلكامش”.

أن فك الرموز ليس نهاية القصة، فالبساطة المعقدة للكتابة المسمارية أثارت الجدل الأكاديمي بين المختصين لكون اللغة تتكون من مجموعة من العلامات، ويظهر معنى هذه العلامات قدراً كبيراً من التنوع. في اللغة الأكادية، قد تحتوي العلامة المسمارية على قيمة صوتية -ولكنها ليست دائمًا ذات القيمة الصوتية- أو قد تكون عبارة عن رسم بياني أو ترمز إلى كلمة (مثل “المعبد”) أو تكون إشارة حاسمة لمكان أو وظيفة مثلاً. مما يضفي على ترجمة الكتابة المسمارية جودة أشبه بالأحجية، إذ  يجب أن يحدد المترجم قيمة العلامة التي تبدو مناسبة للسياق، الأمر الذي يبطئ عملية ترجمة جميع الألواح الطينية المكتشفة البالغ عددها 300 ألف لوح، والت لم يُترجم منها سوى 10%.

يقول جاكوب دال، أستاذ علم الآشوريات بجامعة أكسفورد: “لدينا مصادر من بلاد ما بين النهرين أكثر مما لدينا من اليونان وروما ومصر القديمة معًا. التحدي هو العثور على عدد كافٍ من الأشخاص الذين يمكنهم قراءتها.
مع التقدم التكنولوجي وإمكانية استخدام نظام deep mind  في مجالات مختلفة غالبا يصعب على العلماء والمختصين تحليلها، فإن جامعات متعددة حول العالم في أمريكا، إسرائيل، بريطانيا وغيرها تقوم بتوظيف تقنية deep mind لترجمة الألواح الطينية.

حيث تعتمد هذه الأنظمة على تدريب الآلة على عدد كبير من الألواح المترجمة أصلاً لاختبار دقتها. فمثلا، في مشروع جامعة شيكاغو  The Deep Scribe بلغت الدقة نسبة 80% ويرغب القائمين على المشروع بتطويرها، وإذا ما ثبتت فعالية النظام فسيتم ترجمة الألواح الطينية بل ومعرفة مصدرها.

بل ويسعى الأثاريون واللغويون إلى إعادة اللغة البابلية المنطوقة، والتي لن تكون المرة الأولى التي يتم إعادة فيها لغة ميتة، اذ تمت إعادة اللغة العبرية التي كانت ميتة لأكثر من 1000 عام. 

إن ترجمة الألواح الطينية لا يعني فقط معرفة حضارات العراق القديم بل تسليط الضوء على “سيناريو الشطر الأول من تاريخ العالم المعروف” المتمثل بالكتابة المسمارية.

المصادر:

  1. BBC news
  2. The new york times 
  3. The smithsonian 
  4. The guardian 
الصورة الافتراضية
Zahraa Majid
المقالات: 0

اترك ردّاً