تأملات حول تدريس الأدب في غزة المحاصرة(وتصوّر مستقبل بديل)

اقتباس من رواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا”

أقوم بتدريس مادة عن الرواية كمحتوىً أدبي، ورأيي في السرد ليس مجرد شيء أقوم بتدريسه وتعلّمه في فصل دراسي ما، بل على العكس من ذلك، فإن له علاقة بالحياة الواقعية بما في ذلك مقاومتنا للاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري في فلسطين.

وهذا انعكاس لإيماني بالأساس المنطقي خلف مهنتنا كمدرّسين للأدب في جميع أنحاء العالم، بشكل عام، وفي العالم المُستعمَر (فيما بعد الاستعمار)، على وجه الخصوص.

فما نحتاجه للأدب والنقد الأدبي هو نقد الفكرة الأساسية من خلال تقديم بديل.

وقد اختُزل الأدب في معظم البلدان في فترة ما بعد الاستعمار إلى فصول مؤطرة يقتصر فيها التعلم على مجرد معرفة “المؤلفين العظماء” و”الكتب المشهورة”؛ وأضحى الهدف الغائي لعملية التعلم هذه هو الحفظ، بدلًا من امتلاك التفكير التحليلي والنقدي. ولسوء الحظ، فنحن نتوقع من طلابنا حفظ ملخصات الحبكة الروائية وقوائم الموضوعات والشخصيات الرئيسة وما إلى ذلك. ولكن ما يعوزنا في الأدب والنقد الأدبي هو نقد الفكرة الأساسية -المستهلكة- والعمل على تقديم بديل. وهذا لا يتأتّى إلا إذا حرر المعلمون والطلاب، على حدٍّ سواء، أنفسهم من سجن “المعنى”. وللأسف، فقد كان هدفنا الغائي هو إنتاج مزيد من الببغاوات من خلال تدريس الأدب الإنجليزي بالشكل التقليدي. وهنا مربط الفرس، أننا بحاجة إلى قراءة الأدب من زاوية أخرى وأن نعلِّمه كنشاط نقدي.

ومن هنا جاء السؤال الذي طالما كنت أفكر فيه: ألم يحن الوقت لإدراج الأدب الفلسطيني في مجموعة الأبحاث التي أصبحت تعرف باسم “نظرية التمييز العرقي”* ذلك أن معظمها كان ملتزماً أيديولوجياً بمكافحة العنصرية المؤسسية؟ لهذا السبب تحديدًا قررت إدراج روايات غسان كنفاني في المساق الذي أدرِّسه.

وبقراءة روايته الموجعة قلبيًا وفكريًا “عائد إلى حيفا” في سن المراهقة، انتهى بي الأمر بالاعتقاد أنه كان المفكر المتحدي الذي فهم أن الحقائق الأكثر عمقًا مُحيرة، محطماً بذلك النماذج التقليدية وما يسمى الحس السليم، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقومية (أو القوميات). إنها حكاية فلسطينية حقيقية لزوجين من حيفا أعملت آلة التطهير العرقيّ عملها فيهم بقيادة العصابات الصهيونية عام1948 مع أكثر من 750,000 فلسطيني آخرين. يتركون طفلهم المولود حديثًا وراءهم وسط استمرار احتلال العصابات الصهيونية لبقية فلسطين التاريخية، فيقرران تجربة حظهما والعودة للبحث عن طفلهما المفقود.

ومع تكشُّف الحبكة الروائية، يتبيَّن لهما أنه اشتد عوده وأصبح ضابطاً صهيونياً لدى قوات الاحتلال كما تبناه أحد الناجين من المحرقة. إن المحادثة التي تجري بين الأب الفلسطيني “العائد” وابنه الجندي الصهيوني ليست تحدياً خطيرًا لما يعتبر أمراً مفروغاً منه فحسب، بل هي أيضًا شكل من أشكال التفكير الراديكالي الذي يتوخى مستقبلًا بديلًا. والسؤال الغائي الذي تبقى لنا هو حول أفضل الطرق لمحاربة مصفوفة السلطة الصهيونية، المتمثلة في ثلاثية الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والتطهير العرقي.

وكانت ردة فعل طلابي يفوق توقعاتي الجامحة. فهم ينتمون إلى جيل الفيسبوك، وتويتر والمسلسلات الذي يفضل ملخصات النصوص والصور والأفلام، وهلم جراً. ومن هنا جاء التحدي؛ فطلابي أحفاد لاجئين طُهِّروا عرقياً في عام 1948. فهم على دراية بقصص النكبة، وبالتالي لم ينسوا، كما كان يأمل أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني، ديفيد بن غوريون. وتمحورت أسئلتهم حول أفضل الطرق العملية للعودة إلى حيفا (أي فلسطين) وإمكانيات التعايش مع اليهود المحتلين على أساسيْ العدالة والمساواة. وهذا يعني، بالنسبة لمعظمها، تفكيك الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري في فلسطين تماماً. وهذا هو الموضوع الرئيسي لـ “عائد إلى حيفا”.

إن زبدة قراءتنا لهذه الرواية، من بين نصوص مختارة أخرى من جنوب أفريقيا وغيرها من البلدان المستعمَرة سابقًا، هي أنه لا بناء الدولة الذي تنص عليه اتفاقات أوسلو، الذي دافع عنه السياسيون اليمينيون واليساريون والمثقفون الزائفون على حد سواء، ولا نسخة الدولة الإسلامية المصغرة التي دافعت عنها حماس في غزة قد أوفت حقًا بوعود التحرير للقومية الفلسطينية المعاصرة. بل إن مستقبل فلسطين ينعقد بجهد متجدد ومشترك من جانب الفلسطينيين والأقلية اليهودية المناهضة للصهيونية لسن رؤية أكثر شمولًا واستدامة وإنصافًا لدولة ديمقراطية علمانية لإنهاء الاستعمار بشكل كامل.

* تعرف بالإنجليزية باسم (CRT: Critical Race Theory) وهي فكرة ظهرت في الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة الأمريكية أواخر القرن العشرين، لتؤكد على أن العرق يلعب دورًا كبيرًا في التأثير على مكانة المرء الإجتماعية كذا حقوقه القانونية وهو الأخطر.

الصورة الافتراضية
YAHIA NAJAR
المقالات: 0

اترك ردّاً