العنف في موطنه الجديد“مواقع التواصل الاجتماعي”

“لماذا لم يجهضها والداها؟”

“إذا رأى الناس وجهها في الأماكن العامة، فسيصابون بالعمى.”

“يا لها من وحش!

“يجب عليها أن تضع مسدسا على رأسها وتقتل نفسها!

“اقتلي نفسك.”

اصنعي معروفا للجميع واقتلي نفسك”

   قد يخيل إليك في بادئ الأمر أن هذه العبارات هي هتافات مصاغة ضد سفاحة قاتلة أو مجرمة حرب، بيد أنها في الحقيقة تعليقات لفيديو على اليوتيوب تم تصويره خلسة لفتاة بريئة تضحك.

في كتابها Dare to Be Kind تستهل ليزي فيلاسكويز -Lizzie Velasquez  حديثها عن اللطف بسرد ما تعرضت له من تنمر في صغرها، كونها تعاني من متلازمة نادرة تتشاركها مع شخصين فقط حول العالم، تمنعها من اكتساب الوزن، وأدت إلى فقدانها البصر بعينها اليمنى، كما أضعفت جهازها المناعي وتسبّبت لها في عديد المشاكل الصحيّة.

حالة ليزي الاستثنائية جعلتها تتلقى تعليقات ساخرة وجارحة ورفضا اجتماعيا متواصلا ابتداء من روضة الأطفال وحتى  مرحلة الثانوية. حاولت مواجهتها بشجاعة وعزم محاطة بدعم العائلة وتشجيعهم، وقد نجحت في ذلك على نحو بعيد إلى أن عثرت في سن السابعة عشرة من قبيل الصدفة على فيديو لها على اليوتيوب من 8 ثوان تحت عنوان أبشع امرأة في العالم وبعدد مشاهدات يصل إلى 4 مليون مشاهدة وآلاف التعليقات المسيئة والجارحة جعلتها تنهار نفسيا.

قد يفيد الاِقتباس عن لسان ليزي في تقريب الصورة الموحشة التي تجاوز فيها التنمر الإلكتروني نسخته التقليدية: “كان العثور على هذا الفيديو إلى حد بعيد أكبر صدمة غير متوقعة في حياتي وأشدها تدميرا، بمجرد أن أضع عيناي على الفيديو وعلى كل تلك التعليقات المروعة التي نشرها الناس، يبدو الأمر كما لو أن كل العمل الشاق الذي قمت به على مر السنين لبناء ثقتي بنفسي قد ذهب إلى الهاوية. في لحظة، اختفى كل شيء، كانت هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالهزيمة الكاملة”.

رغم صعوبة الأمر استطاعت ليزي أخيرا مواجهة العنف اللفظي على مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحت بعد ذلك ناشطة وكاتبة ملهمة تعمل على استحداث قوانين لمكافحة التنمر. بطبيعة الحال لم تنتهِ كل قصص ضحايا التنمر نهايات سعيدة، ففي الوقت الذي تمكنت فيه ليزي من مواجهة الأمر بتحد وشجاعة، أدّت قساوته إلى انتحار عديد الأطفال والمراهقين ممن خبروا تجربته إلكترونيّا.

    يتركنا الموضوع أمام معضلة حقيقية تستوجب المتابعة الدقيقة. وعلى الرغم من أن فهمنا لهذه الظاهرة لم يعزز في البدء بالقدر ذاته من الدراسات التي تناولت التنمر التقليدي، إلا أن أشكال التنمر الإلكتروني وآثاره ومظاهره أصبحت تتكشف للعيان وتتمثل أمام رواد العالم الافتراضي في عديد السلوكيات الجديدة، إذ تبين أن مواقع التواصل الاجتماعي قد أعادت تعريف التنمر وكشفت عن نسخته الأسوأ، فقد حضي  بفرصة التطور والتعقيد في انتقاله من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي مستفيدا من خصوصية مواقع التواصل الاجتماعي، وتتمثل في:

أولا سهولة إخفاء الهوية والاختباء خلف حسابات وهمية أو أسماء مستعارة ما يقلل من فرصة الملاحقة القضائية أو الأحكام الاجتماعية وما يحرر صاحبه من أي تبعات يكون من الصعب التخلص منها في حال ارتكب ذات الأمر على أرض الواقع.

ثانيا سهولة وسرعة الانتشار، فعلى عكس العالم الواقعي يمكن أن يقع الفرد ضحية أعداد هائلة من المتنمرين تصل إلى الملايين دفعة واحدة لسهولة مشاركة المعلومات وانتشارها بين رواد المواقع فضلا عن أن التنمر على مواقع التواصل الاجتماعي يصبح أكثر علنية، فبالمقارنة مع التنمر التقليدي الذي عادة ما يشمل المتورطين فحسب، يكون التنمر الإلكتروني ظاهرا لغير المتورطين أيضا ما يضفي احساسا إضافيا بالإهانة والإحراج.

 ثالثا عدم القدرة على رؤية رد الفعل وملاحظة التبعات على الضحايا فبعض المنجرين إلى السخرية والتنمر قد يردعهم ملاحظة ردود الفعل من الضحايا ومعاينة تأثير تعليقاتهم الجارحة عليهم، غير أن عدم القدرة على الإحاطة بالوضع النفسي للضحايا ومدى إمكانية إقدامهم على الانتحار أو إيذاء النفس قد يشجع بعض المتنمرين على مواصلة السخرية والتنمر.

أخيرا عنصر الاستمرارية، والمقصود هنا أن التنمر الإلكتروني تكون له تأثيرات دائمة باعتبار أن مواقع التواصل تحتفظ بكل شي تقريبا، إذ لا يمكن حذف جميع الصور والفيديوهات والتعليقات المسيئة،  ما يجعلها أشبه بذاكرة حية متنقلة تتسبب في ضرر دائم أو محتمل للضحايا.  

   إن هذه الخصائص الخطيرة أصبحت وسوما لصيقة بالتنمر الإلكتروني يصعب مواجهتها أو الحد منها، فعلى سبيل المثال كسبت غوغل مؤخرا حكما أوروبيا يفضي بحق محرك البحث غوغل في عدم تطبيق “الحق في النسيان” خارج الاتحاد الأوروبي، وهو إحدى القوانين الأوروبية التي تلزم محرك البحث غوغل على قبول طلبات سحب الروابط التي تسيء إلى جهات أو أفراد و تنتهك حقهم في الخصوصية. وهو ما يطرح إشكالية أخرى حول إمكانية تحقيق توازن بين حق الأفراد في الإطلاع على المعلومات وحرية التعبير وبين الخصوصية والحق في النسيان.

التنمر في ميزان النقد.

     عند مواجهة المتنمرين إلكترونيا بتهمة التنمر فإن مصطلح “النقد” سيكون في طليعة ما يستخدم لدفع التهم والاستتار بثوب شرعي ظاهره الإصلاح والرغبة في التغيير، ومرد ذلك استناد كل من التنمر والنقد إلى الكلمة والصورة والرمز في صياغة الاعتراض ما قد يموه الحد الفاصل بينهما.

    ويعتبر النقد  تقييم الشيء بتحديد مكامن ضعفه وقوته وهو إبداء الرأي حول الأفعال و الأقوال دون المساس المباشر بصاحبها أو الوقوع في مغالطة الشخصنة ويهدف النقد إلى التغيير والبناء  وفي أحيان كثيرة  يقترح الناقد حلولا. في حين أن التنمر  يأخذ منحنى آخر تماما، فهو  شكل من أشكال الإساءة والإيذاء المُتعمّد من طرف فرد أو جماعة  موجهة ضد شخص  ما  باستخدام  الألفاظ البذيئة أو القوة الجسدية وباستغلال التفاوت في القوة بينهم وبين الضحية  الذي يكون في حالة ضعف، ويعتمد التنمر على الاستمرارية والتكرار ويُصنّف ضمن السلوكيات العدوانية، ويكون في قالبه الإلكتروني تطويع التقنية للإيذاء النفسي.

    أما التنمر كمصطلح جديد  فقد طرحت حوله العديد من الأسئلة التي تشكك في درجة أصالته إذ اعتبره الكثيرون مصطلحا دخيلا ومستوردا من الغرب، غير أن كلمة تنمر لغويا منسوبة إلى حيوان النمر ويقال تنمر الشخص أي غضب وساء خلقه وتشبه بالنمر في شراسته،  وفي هذا الصدد يشير الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد إلى أن لهذا اللفظ أصلا في اللغة العربية، وله دلالة شائعة معبرة عن هذا المصطلح بالذات، فقد جاء في رائية عمر بن أبي ربيعة المشهورة (أم آل نعم)  قوله:

إذا زرت نُعْمًا لم يزل ذو قرابة   ***  لها كل ما لاقيتها يتنمَّر

 ومعناه أن هذا القريب يقابلني مكفهر الوجه عبوسا، فذلك دأبه معي. وعليه بحسب الدكتور فإن هذا التعبير بالتنمر تعبير عربي صحيح، ودلالته على هذه الظاهرة دلالة صحيحة.

     وقد عرف التنمر الإلكتروني أشكالا مختلفة  تتجاوز ما تعرضت له ليزي من إساءات لفظية وتعليقات ساخرة إلى أخرى أكثر خطورة  كاختراق الخصوصية والتجسس على الضحية وابتزازه بنشر صور وفيديوهات محرجة أو معلومات سرية قد تسبب له ضررا نفسيا واضطهادا اجتماعيا، كما قد يمهد ذلك لنوع آخر من التنمر وهو انتحال الشخصية بإنشاء حساب وهمي يعرض صورا مختلسة للضحية واستخدام الحساب في القيام بأعمال مسيئة تهدد سمعته، ناهيك عن الإيذاء بنشر الشائعات  والتحرش  وإرسال محتويات لا أخلاقية ورسائل عنصرية مهينة.

    جدير بالذكر أن معضلة العنف على مواقع التواصل الاجتماعي تتجاوز التنمر المحسوس  والمرئي ضد ضحايا بعينهم إلى عنف آخر أكثر تخفيا وهو العنف الرمزي.  

العنف الرمزي.

 رغم اشتراك العنف الرمزي مع بقية أنواع العنف في إلحاق الأذى وبسط السلطة والنفوذ إلا أنه أكثر مواراة وتسترا، فهو عند المفكر الفرنسي  بيار بورديو عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم، ويتجلى هذا العنف في ممارسات قيمية ووجدانية وأخلاقية وثقافية، ويوظف أدواته الرمزية، مثل: اللغة، والصورة، والإشارات، والدلالات، والمعاني… وهو عنف يتجه نحو اخضاع الضحايا عن طريق فرض نظام من الأفكار والأحكام والمعتقدات المنبثقة من سلطات اجتماعية.

      وتعتبر السخرية من شكل المرأة إحدى أهم مظاهر العنف الرمزي المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت على نطاق واسع آراء تحتكر جمال المرأة في جملة من المقاييس المفروضة اجتماعيا، تحولت إلى ما يشبه الأحكام والقوانين التي تطالب السيدات بإثبات أنوثتهن وفقها، ما فاقم من  ظاهرة الـ Body shaming وعزز شعور النساء بالإحباط وقلة الثقة  لعدم استيفاء أجسادهن تلك المعايير المثالية . 

     وقد استفحلت الظاهرة مع وجود تطبيقات تعتمد بالأساس على الصورة والفيديو مثل الانستغرام الذي انقلب إلى ساحة لعرض الصور المثالية المعدلة للجسد الأنثوي والاحتفاء به وربطه بالنجاح في الحياة، ما يجعل منه عنفا رمزيا يؤثر على المتلقين ويكثف شعورهم بالدونية والقلق وانعدام الرضا. والذي يدفع النساء خاصة إلى إدمان استخدام الفلاتر ومساحيق التجميل لمواكبة تلك المعايير اللاواقعية.

 وفي هذا الصدد أكد استطلاع شمل قرابة الـ 1500 شخص أن غالبية البريطانيين يرون أن موقع انستغرام هو الأسوأ بين منصات التواصل الاجتماعي من حيث تأثيره السيئ على الصحة النفسية للشباب.  

      كما يتخذ العنف الرمزي تمظهرات أخرى أيضا فعلى الصعيد الديني انتشر العنف الرمزي بشكل كبير وتحديدا في السنوات الأولى لظهور مواقع التواصل الاجتماعي أين تعددت المنشورات التي تستخدم الترهيب بالدين في سبيل الحصول على تفاعلات واعجابات للصفحات تمهيدا  لبيعها أو لتحويلها لصفحات اشهارية ربحية، كتلك المنشورات التي تطلب التعليق بعبارات دينية لإثبات الولاء الديني أو تقلل منه في حال عدم التفاعل، إن هذا التشكيك المستمر في إيمان المستخدمين وتدينهم يمثل نوعا من التبخيس الذي يتتسبب في أضرار نفسية لرواد هذه المواقع ويتركهم في حالة من قلة الاعتبار واحتقار الذات.

     ولم ينتهي العنف الرمزي الديني مع تفطن المستخدمين لهذه الحيل الترويجية وانحصارها بل تعداها إلى إنشاء صفحات بعينها تهدف إلى احتقار أيديولوجيات معينة فاستخدم للهجوم على المسلم المتدين مصطلحات من قبيل : صلعم ، وهابي، ظلامي مقابل اتهاماتهم للعلمانيين بـ: عبيد الغرب، اللمبة ، دعاة الزنا … وهي جميعها رموز ومعان تسمم النقاش الفكري وتتسبب في احتقار الفرد لنفسه وشعوره بالدونية.  

    ويتعدى العنف الرمزي هذه المواضيع ليشمل السياسة والهوية الثقافية والعرق …إلخ ما ينبئ باستفحال هذه الظاهرة وانتشارها والتي تشكل خطرا على المنظومة الاجتماعية والأخلاقية وتهديدا للبناء الحضاري.

موقع الميمز من العنف الرمزي:

  يوظف العنف الرمزي أدوات مختلفة على غرار اللغة والصورة والرمز… لإلحاق الأذى وبسط السلطة والنفوذ، غير أن مواقع التواصل الاجتماعي أبانت عن سلاح جديد تم تطويعه لممارسة العنف الرمزي  وهو “الميم”.

يمكن تعريف الميمز على أنها صور ثابتة أو متحركة يتم تداولها بشكل متواتر بين المستخدمين تتضمن محتوى فكاهيا ناجما عن تغيير طفيف في المضمون الأصلي ليتناسب مع الفكرة المراد نشرها. وعرفت الميمز مؤخرا انتشارا واسعا لطبيعتها الإبداعية وقوتها التأثيرية، وقد استُخدم في صناعة هذه “العملة الجديدة” عدة محتويات  كالمقاطع السنمائية أو الصور المقتطفة العابرة للتعبير عن مواقف طريفة أو لحمل أحداث عادية أو مزعجة محملا فكاهيا وهي تعابير لا تشكل أي أذية نفسية لأطراف بعينهم.

    غير أن  الميمز لم تسلم تماما من التوظيف السلبي للأفكار والمعتقدات، فقد أصبح من الشائع استخدامها أيضا  كسلاح  للتمييز العنصري والحط من شأن عرق أو ديانة أو إيديولوجية ما، فاستعين بيها على نحو واسع في السخرية من نمط معيشة الفرد وطريقته في التعبير عن مشاعره وتفضيلاته السياسية والرياضية، ما يجعل الأشخاص المنتمين إلى الفئة المقصودة في الميم يشعرون بالدونية واحتقار الذات وقد يصرفهم ذلك عن التعبير عن ذواتهم أو تغيير ميولاتهم كي لا ينظر إليهم نظرة استعلائية.        صفوة القول أن العنف على مواقع التواصل هو معضلة حقيقية وظاهرة خطيرة يتوجب تداركها، فمن جهة يتعين على الأفراد إدراك درجة التأثير السلبي للتنمر والعنف الرمزي وعدم الانسياق في نشر ما يتسبب في الأذية النفسية للآخرين، ومن جهة أخرى يتوجب على الفرد حماية نفسه باللجوء إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في حال تعرض للتنمر كانتحال الشخصية أو التهديد أو التشهير… وكذا التفطن لمظاهر العنف الرمزي ومجانبة المحتويات السامة على مواقع التواصل الإجتماعي والتي من شأنها خلق أو مفاقمة الصورة السلبية للذات.

الصورة الافتراضية
Nadjiba Ameur
المقالات: 0

اترك ردّاً