عن البحث العلمي في بلد العميان

إلى ذكرى أحمد خالد توفيق رحمه الله

خير من وصف بلد العميان

عزيزي حميد،

أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى إلى المقهى، هل ستفعلها اليوم وتكسر حجر أم عيالك  المضروب على المقاهي؟ إن للنساء يا صديقي استعداد فطري لوصمنا بالخيانة مهما بذلنا لهن من فضيلة الوفاء…تعال إذن واجلس بجانبي، دعني أطلب لك فنجان قهوة ساخن، تكون بعده مهيأ لمصيرك المظلم، فأنت يا عزيزي إن شربتها مت وإن لم تشربها مت، فاشربها ومت.

تُسائلني يا حميد عن حال الجامعة وعن بحثنا العلمي الوطني أين وصل، مصّر أنت يا نديمي على أن تجعل ليلتي سوداء كليلتك. حالنا يا عزيزي ليس أفضل من عميان ويلز (هربرت جورج ويلز) في رائعته “بلد العميان”…لم تقرأها، كنت سأفاجأ لو أنّك فعلت.

تحكي القصة يا عزيزي، عن لاجئين يستوطنون واديا في جبال الإنديز، تعزله فيما بعد براكين وانهيارات صخرية عن العالم الخارجي، ثم يجتاحه مرض غريب يتسبب في فقدان الناس أبصارهم، فيصبح العمى متوارثا لخمسة عشرة جيلا كاملا، يصفهم ويلز بقوله:

“نسُوا الكثير من الأشياء؛ وأبدعوا الكثير من الأشياء. أما ميراثهم من العالَم الأكبر الذي أتَوا منه، فقد صار مصطبغًا بالخرافة، ومشكوكًا فيه. كانوا بارعين ومتمكنين من كل شيء، ما عدا الرؤية”

في ذلك الزمن، يفد إليهم بطل قصتنا متسلق الجبال “نونيز” ، بطل يقول عنه ويلز:

“رجل ركب البحر وشاهد العالم، قارئ للكتب على نحو مميز، رجل ذكي ومغامر”

كانت مجموعة من الإنجليز الذين قصدوا الإكوادور للتسلق قد استعانت به كي يكون مرشدهم، أثناء الليل زلّت قدمه وسقط باتجاه الجانب المجهول من الجبل، سقط مسافة شاسعة بحيث لم يعد رفاقه يرون الوادي الذي سقط فيه، ولم يعرفوا بطبيعة الحال أنه وادي العميان الأسطوري.

كان نونيز محظوظا بأن سقط على سحابة ثلجية أنقذت حياته، رغم الألم بدأ في المشي ليبصر بيوتا متعددة الألوان بعشوائية غير عادية، بيوت من غير نوافذ جعلته يقول في نفسه: لا بد أن الرجل الطيب الذي بناها كان أعمى كخفاش.

استطاع حينها أن يرى ثلاثة رجال، كان أحدهم يتبع الآخر، في صف واحد ويمشون ببطء، عبثا راح متسلقنا يصرخ وينادي عليهم، وكأن القوم ضرب عليهم العمى. أخيرًا، وبعد كثير من الصراخ والحنق الشديد، تمكن من الوصول إليهم ليتأكد من أنهم عُميان بحق، وأن هذا هو “بلد العميان” الأسطوري، قال في نفسه: في بلد العميان يصبح الأعور ملكا.

راح نونيز يشرح بتحضر للرجال كيف جاء ومن أين جاء قائلا:

“أتيتُ من وراء الجبال، من البلاد الواقعة خلفها؛ حيث يستطيع الناس أن يرَوا”

هنا اتضح له أن القوم لفرط عزلتهم باتوا لا يدركون معنى “الرؤية”، راحوا يتحسسونه ويغرسون أصابعهم في عينيه التي بدت لهم عضوا شاذا. حاول الإفلات من قبضتهم فتعثر، هنا يقرر العميان أنه كائن متخلف لم تنضج حواسه، فيقتادونه إلى شيوخهم.

يصل بطلنا لشيوخ القرية، ويكتشف أنهم يعيشون في ظلام دامس، لا يكاد يخطو خطوة دون أن يسقط أو يتعثر، أي أنه أضعف مخلوق في هذا العالم البدائي. عبثا راح يحاول أن يشرح لأسياد الظلام طبيعة العالم المنير الذي أتى منه، حكى لهم عن السماء، عن النجوم وعن الجبال، لكنهم لم يصدقوه، بل لم يفهموا الكثير مما قاله، لقد تطاول عهد العمى عليهم لدرجة أن حقائق عالمنا أصبحت بالنسبة إليهم أقرب للأساطير ، كانوا:

“قد ظهر بينهم عميان عباقرة، وأخذوا يشككون في المعتقدات والتقاليد المهترئة التي ورثوها عن أزمنة إبصارهم السالفة؛ ومن ثم أبطلوا كل هذه الأشياء، باعتبارها ضلالات عديمة الفائدة، واستبدلوا بها تفسيرات جديدة وأكثر تعقلا “

ببطء عرف نونيز فلسفة هؤلاء القوم في الحياة، هناك ملائكة تغني وترفرف لكنك لا تستطيع لمسها (العصافير)، الزمن مقسم إلى بارد ودافئ (الليل والنهار)، وكيف أنهم يعملون في الليل وينامون النهار. وبالطريقة الصعبة، أدرك أنه لن يصبح أبدا الملك الذي توقعه، بل على العكس تماما، تمت معاملته كفرد متخلف في مجتمعهم، فرد مضطرب عليه أن يعمل في خدمة العميان ويتعلم منهم، إن أردا أن يرتقي يوما لمرتبتهم.

في هذا الوقت بالذات، غزا الحب قلب بطلنا،كانت المحبوبة في نظره أجمل عمياء في وادي العميان، بل لقد جاء وقت اعتقد فيه بأنه إن استطاع الفوز بها، فسيَقنع بالعيش في الوادي المنكود.

حين طلب يدها، رفضه أبوها بعنف، لكن الفتاة تميل إليه وقد أغمه بكاؤها.

“افهمي يا حبيبتي، إنه أخرق ! لديه أوهام وضلالات، ولا يستطيع القيام بأي شيء على النحو الصحيح”

 أمام عار القبول وعواقب الرفض، لم يجد الأب المهموم من مخرج سوى استشارة الحكماء، الذين شخصوا تخلف نونيز كحالة مرضية سببها ذلك العضو الشاذ المسمى “عينين”، لابد من إزالة هذا الورم الغريب ليسترد الفتى عقله، وبالتالي يمكنه أن يتزوج الفتاة.

في البداية رفض نونيز الأمر بشدة، قال للمحبوبة التي حاولت إقناعه بالتخلي عن بصره:

“عالمي هو البصر، هناك توجد الأشياء الجميلة، الأشياء الصغيرة الجميلة، الأزهار…والسماء البعيدة. وهناك “أنت”، لأجلك أنت فقط، من الرائع أن أملك البصر…إن عيناي هاتان هما مغنمك “

لكن متى أعجز المرأة شيء، وبطلنا يا عزيزي ليس استثناء، هكذا يرضى نونيز بالعمى في سبيل الظفر بمن يحب. قبيل موعد العملية، خرج إلى الوادي ليتمتع بنعمة النور للمرة الأخيرة.

“كان يرفع عينيه إلى أعلى متأملا الصباح، الصباح الذي يشبه ملاكا بدرع ذهبي يتنزل عبر المنحدرات. أمام تلك الروعة، بدا له أنه هو، وهذا العالم الأعمى في الوادي، وحبيبته، والجميع، لم يكونوا سوى خطيئة كبرى”

كان هذا السحر الرباني كفيلا بإيقاظه من غفلته، كيف بالله أقنعوه بالعمى، بل كيف بالله رضي به. مع هبوط الليل، كان قد ابتعد بالقدر الكافي عن بلد العميان، لن أجد هنا أفضل من وصف ويلز له:

“كانت ملابسه ممزقة و أطرافه ملوثة بالدماء، لكنه استلقى كما لو كان في أفضل حالاته،… انقضى ألق المغيب، وهبط الليل، وما يزال نونيز يرقد بسلام مسرورا، تحت النجوم الساطعة الباردة”

انتهت قصة بلد العميان، هل أدركت مغزاها يا حميد؟ نظرة سطحية على الواقع العلمي لوادينا قد تبدي لغير المختص زيادة في عدد الأوراق العلمية المنشورة، زيادة في معدلات الترقية وفي مناقشة رسائل الدكتوراه، أين المشكلة إذن؟ المشكلة يا صديقي فيما ننشره، المشكلة في معاييرنا التي نقيم بها الصالح من الطالح.

تصنيف المجلات في وادينا يا حميد، يكاد يكون اجتماعيا وليس علميا، ففي حين تتنافس دول مثل الصين ودول الشمال على دفع باحثيها دفعا للنشر في أرقى المجلات، وجعل التمويل مرتبطا بنوعية ما تنشر وأين تنشر، يكفي في جامعات وادينا أن ترسل مقالا تافها لمجلة مغمورة، تنشره هذه الأخيرة لك دون تحكيم أو تمحيص في أغلب الأحيان، أعد الكرة مرتين أو ثلاث، وهنيئا لك لقب البروفيسور، هل يوجد أسهل من هذا؟

المشكلة يا حميد، أن معظم باحثينا قد استمرؤوا هذا النوع من الهراء العلمي، فأصبح عدد الأوراق العلمية “الرديئة” هو معيار الباحث وشرفه، ومع كل مقال رديء، هناك شهادة دكتوراه تُمضى معلنة ميلاد فرد جديد في مجتمع العميان هذا. لقد بلغ العمى من هؤلاء درجة أنهم ما عادوا يسمعون (أو حتى يقرؤون) بمجلات راقية كتلك التي تصدرها الجمعية اللندنية للرياضيات، الفيزياء،…الخ أو نظيرتها الأمريكية، لم العناء وهناك أخرى لا تدقق وتقبل نشر كل شيء وعن أي شيء، قد كفتهم عناء القراءة والترقب.

 كيف بالله يا حميد نقنع شبابنا الباحث أن نشر ما لا معنى له لا مستقبل له، وهو يرى جحافل المتكسبين من الشعوذة العلمية، يتباهون بالألقاب والترقيات، إن جامعاتنا يا حميد باتت وسطا خصبا لتكاثر هؤلاء، بل بات مجتمع العميان هذا مستقلا بذاته، ما عاد أفراده يحملون هم الاعتراف العلمي لأنهم متكافلون فيما بينهم، فهم يُحكمون، ينشرون ويقتبسون أوراق بعضهم البعض، وما قائل أننا لا نحتاج جوائز نوبل عنا ببعيد.

 باختصار أصبح هؤلاء قوة الجامعة الناعمة، ألم تلاحظ تساهل الجهات الوصية في تذليل شروط الترقية ومناقشة الدكتوراه لإرضائهم، أعتقد أننا البلد الوحيد في العالم الذي بإمكان الباحث فيه أن يصل لدرجة الأستاذية “بروفيسور” بحصيلة علمية لا تتجاوز مقالين هزيلين، ولن أفاجأ إن أتى يوم تصبح في الدكتوراه حقا يكتسب بالولادة في وادينا.

إننا يا حميد لن نبني منارة العلم ونحن نقدس الظلام، لن نتصدر الأمم ونحن ندفن رؤوسنا في مستنقع الشعوذة العلمية، أبدا لن تعود عقولنا الهاربة في بلاد الله إلى وادينا، كي يُصنفوا في مرتبة أقل من العميان، لا أحد يا حميد يسكن بيوتا من دون نوافذ إلا إذا كان أعمى أو ارتضى العمى.

أطلت عليك يا حميد، على الأرجح أولادك قد ناموا الآن، لنأمل أن يستيقظوا على واقع علمي أفضل من الذي فتحنا أعيننا عليه، ولنأمل أن لا تعرف أم عيالك بخيانتك اليوم…وستعلم.

الصورة الافتراضية
Nadjiba Ameur
المقالات: 0

اترك ردّاً