في سجن الملابس: عندما نُحبس في ثياب ترضي المجتمع

كُنتُ أحاول النوم يومها عندما سمعت الصُراخ آتيًا من الغرفة التي تعتلي غُرفتي في الإقامة الجامعية. ولأني كُنت على علم بطبيعة الدراما هُناك، آثرت ألا أتدخل وأحاول اقتناص دقائق راحة قبل دخول وقت المحاضرات؛ لعلَّ نادية ورانيا يتشاجران لِسبب تافه، ظننتُ خطأً. بعد محاولات أُخرى، متبوعة بفشل مدوي، قرَّرتُ البحث عن صديقتي سناء، التي كانت حينها تمكث بالغرفة العلوية، مصدرَ الصُّراخِ قبل ساعات. دققت الباب، ففتحت لي نادية -رفيقتها في غُرفة مساحتها مترين مُربع- قائلة: “هذا وين؟” [تأتين الآن فقط؟] استغربت، وأدركت بأن شيئًا ما ألّم بصديقتي سناء. وحدسي، المُتأخر هذه المرة، كان صادقًا. 

لقد أُلقي على صديقتي القبضُ من طرف عائلتها مُتلبسةً أثناء قيامها بجريمة “مُخِلَّة بالحياء” لها أن تودي بمصيرها كطالبة ومصيرها كابنة بارة ومصيرها كمواطنة صالحة، وهي ارتداء سروال جينز وردي يُناسب ساقيها تمامًا، مع قميص أبيض ولفة حجاب على طريقة التوربان مع عقد التشوكر.

“انسي أمرها، هم لن يسمحوا لها بالعودة للدراسة هذه المرة”، قالت ناديا

بقيت تتردد هذه العبارة على مسامعي، يَكبر صوتها تارةً ويتلاشى تارة أُخرى.

أعتقد بأني بكيت، نعم، ذرفت الدموع يومها مرة لأجل صديقتي التي أُخذت عُنوة إلى “مُخيم الموت المُريح” ومرتان لأجلي أنا، ومرة ثالثة لأجلهن ولأجلنا جميعًا، نحن معشر الفتيات اللائي لا يملكن الحَقَّ في اختيار محتوى خزانتهن؛ أكثر الأمور حميمية للإنسان العاقل في القرن الواحد والعشرين.

فلسفة الملابس 101

يقبع الحقُّ في الملبس تحت مظلة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من حقوق الإنسان، وبالضبط تحت المادة 25، والتي تُفيد بأنَّ لكلِّ شخص، ذكرًا كان أم أُنثى أم غيره، حقًّا لا جدال فيه في معيشة كريمة تضمن الصحَّة لها ولأُسرتها “خاصَّة على صعيد المأكل والملبس والمسكن”. وبالرغم من أنَّه يتم تقليص تأويلات هذه المادة لتشمل، حصرًا، تمكين الفقراء والمُشرّدين واللاجئين وغيرهم من امتلاك الملابس، إلا أنَّ هناك على الأقل ثلاث مواد تسبقها تُشير -ولو بشكل غيرِ مُباشرٍ- إلى أهمية انتقاء الفرد لما يلبسه، نِعمةّ لا يلق بالًا لقداستها الكثير. من بين هذه المواد الحق في حرية التعبير.

 رُغم اعتقاد الكثيرين خطأً بأن الملابس ما هي إلا أمرٌ هامشي: سُترة لعوراتنا ودعوة بصرية لكي يتقبلنا النَّاس- إلا أن الملابس قد مُنحت مكانة بين حقوق الإنسان، وحتّى قبل التعليم، لأنها هويتنا التي نرتديها قبل الخُروج إلى الشَّارع، ومن دونها -من دون اختيار ما نُريد أن نلبس- نحن عراة الهوية ومنكسرو الخاطر وغير مُستعدين لمُواجهة العالم.

“للباس تأثير عظيم على نفسيتنا طبعًا”، تُخبرني الأُستاذة ن جغيدل، مُختصة في التربية النفسية، وتُضيف، “التّضييقات التي تشهدها الأقليات بشكل عام، وفي اختيارهم لما يرتدون بشكل خاص، له أن يزعزع ثقتهم بأنفسهم بشكل هائل…أشعر بالاكتئاب أحيانًا عندما لا أجد راحتي داخل ما أرتديه، والأمر ليس منوطًا بنوع قطعة الملابس فقط بل كذلك بلونها”.

 نحن، إذًا، لا نرتدي الملابس لنحمي أجسامنا فقط، بل نحن نرتديها لنعكس هويَّتنا. بل وتكاد تكون الملابس في نفس سُلَّم الأَهميّة التي يملكها المأكل. 

وفي دراسة أصبحت تُعرف نتائِجها اليوم بمفهوم ” تأثير الملابس” (Enclothed Cognition)، خلص كل من العالِم هاجو آدم وآدم جالنسكي بأن للملابس تأثير كبير على أفكارنا وتصرفاتنا، وذلك عن طريق ملاحظة ما يمكن لارتداء مئزر مخبري أبيض أن يفعله بتركيز مجموعة من المشاركين في تجربة ما. لقد حسن ارتداء المئزر كثيرا من مزاج وتركيز المشاركين أثناء قيامهم بحل مسائل مخبرية معينة، فقد منحهم إحساسًا زائفا بالذكاء.

عندما ناقشت أنا والأُستاذة نتائج هذه الدراسة، عقبت بقولها بأن: “أفكارنا هي ما يُحدد تصرفاتنا، إذًا فأهميتها لا تقتصر فقط على تشكيل انطباعات عنَّا لدى الآخرين، بل وهي تُبلور انطباعاتنا عن أنفُسنا كذلك. وبالتالي إذَا أخذ منا المجتمع هذه القدرة -قدرة تشكيل انطباعات سليمة عنَّا من خلال ما نرتديه- فلا شكَّ بأنَّنا سنكون عُرضة لمُضاعفات نفسية، بل وجسدية أيضًا. فلا يوجد خط فاصل بين الصحة النفسية والصحة الجسدية”.

تلعبُ الملابس، كما أشارت أُستاذة التربية النفسية، دورًا كبيرًا حينما يتعلق الأمر بمدى توازننا النَّفسي؛ وبذلك يخلق المُجتمع فينا عُقدًا وأمراضًا جمّة بسلبه لنا لعامل أساسيٍّ في تركيبة هويتنا وتصرفاتنا ونظرتنا لأنفسا. أو، وبعبارة أُخرى، ما نضعه فوق جلدنا لا يقِّل أهمية على ما نضعه في بطوننا.

من غطاءٍ للرأس إلى وسيلة للانتحار

قبل سنتين، شُنت حملة في الجزائر ضدَّ الحِجاب على مواقع التواصل الاجتماعي من طرف بعض النِّسويات بهاشتاڨ “سجينات الحجاب في الجزائر”، وحملت معها الكثير من القِصص لنساء تم غصبهن على ارتداء الحِجاب في مرحلة مُبكرة -تصل أحيانًا إلى ما قبل البلوغ-، بالطبع، لاقت الحملة هجوما كبيرًا واستهزاءً وتنمرًا يحمل في طيَّاته غيابًا تامًّا لأدنى درجات الوعي بجدية حرية الحق في الملبس.

ولأنَّ الهُوية هي البناء والمنظار الذَّاتي الذي نحمله في مُحاولة مُستدامة لفهم من نحن وأين نحنُ من العالم والآخر، وسلبنا إياها يعني تعريضنا للقلق واللاتوازن والازدواجية، أفصحت فتاة مجهولة الهويَّة قبل سنة، بأنَّ ارتداء الحجاب غصبًا، يُلقي بها إلى تهلكة الانتحار:

“أقترب من الانتحار أرجوكم إني أرى السبيل انقطع…كلُّ ما حولي يؤشر إلى انتهاء حياتي… قررت أن أعيش حياتي وأخلع الحِجاب لكي أنقذ نفسي لكن والدتي ووالدي تخليّا عني وأجبراني أن أرتديه وأنَا أكره نفسي بسببه…قد تكون تقرأ الآن رسالة لشخصٍ مُنتحر بعد أيام من الآن…فكَّرت أن أشنق نفسي بالحِجاب وأترك رسالة انتحار لوالديّ وأقول لهما قتلت نفسي بالحِجاب الذِّي فضلتماه على سعادة ابنتكما..”

وهكذا، يُسبب سلب الحق في الملبس أعراضًا نفسية جمَّة، منها ما يُمكن التعامل معها بأدوات تَكيُّفية، مثل الازدواجية والاختباء، التي تعتمدها الكثيرات، بارتدائهن لما يردن عندما يكن خارج دائرة المُراقبة وارتداءُ ما تُمليه عليهنا قِوى العادات والتَّقاليد عندما تحدث مُساومة بين حيواتهن وحرياتهن في الدراسة والعمل وكذلك الكرامة، التي أُخذت من الكثيرات عُنوة فور اتخاذهن قرار تعريض خصلات شَعرهن إلى ضوء الشَّمس.

الشَّارعُ حربًا، المختلفون

“أعتقدُ بأن حرية الملبس في مجتمعنا ذهبت في نُزهة يومًا ما إلى الشاطئ فغرقت ولم تعد”، أجابتني م.ت (28 سنةً)، فتاة جزائرية لها أسلوب ملابس مختلف:

“تُعبر الملابس عن الذَّات والكينونة؛ وما أرتديه يُعبِّر عني أنا فقط لا غير…أرتدي ملابس رجالية، عانيت كثيرًا ولا زلت، خاصَّة عندما ينتبهون لكوني أُنثى…في عام 2017 تعرضت لمحاولة قتل من طرف شخصين في رمضان، لقد كانت جدُّ قاسيةً تلك اللحظة؛ أحسست بأني شخصٌ ميِّتٌ لا محالة. كدمات في رأسي ودِماءٌ ورجل مكسورة وعين غير قادرة على الرُّؤية. وصلتُ للمشفى في صِفة كبشٍ مذبوح، وتلك هي اللحظة التي قرَّرت فيها ترك مدينتي، وكان ذلك ما حدَثَ. تلكَ الوُجوه لن أنساها ما حييت..”.

إذَا كان اختيارنا لملابسنا ضمانا لصحتنا النفسية، لماذا يجب، إذًا، أن نُعاني بسبب عجلة تطورية تاريخية لم يكن لنا يدٌ فيها؟

لن نتمكن أبدًا من بناء مُجتمعٍ مُتكاتف ما دامت الدكتاتورية القميصية والبنطلونية والثوبية مُتغلغة في دمائه.

الصورة الافتراضية
نجيبة عامر
المقالات: 18

اترك ردّاً