الرأسمالية والصحة العقلية – دفيد ماثيوس

ديفيد ماثيوز محاضر في علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية في Coleg Llandrillo، ويلز، وقائد برنامج الشهادة في الرعاية الصحية والاجتماعية.

أزمة “صحة عقلية” تجتاح العالم. تشير التقديرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية أن أكثر من ثلاثمائة مليون شخص يعانون من الاكتئاب في جميع أنحاء العالم. علاوة على هذا، يعاني 23 مليون شخص من أعراض الفصام، بينما ينتحر ما يقرب من ثمانمائة ألف فرد كل عام. ضمن الدول الرأسمالية الاحتكارية، تعد اضطرابات الصحة العقلية السبب الرئيسي لانخفاض متوسط العمر المتوقع بعد أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. في الاتحاد الأوروبي، تم الإبلاغ عن أن 27.0 في المائة من السكان البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر وخمسة وستين عامًا قد عانوا من مضاعفات تتعلق بالصحة العقلية. إضافة إلى هذا، في إنجلترا وحدها، هيمن ضعف الصحة العقلية تدريجيا على مدى العقدين الماضيين. يوضح أحدث استطلاع للرأي عن الأمراض النفسية للبالغين الصادر عن الخدمة الصحية الوطنية أنه في عام 2014، عانى 17.5 في المائة من السكان فوق سن السادسة عشرة من أشكال مختلفة من الاكتئاب أو القلق، مقارنة بـ 14.1 في المائة عام 1993. بالإضافة إلى هذا، فإن عدد الأفراد الذين كانت تجربتهم خطيرة بما يكفي لتبرير التدخل ارتفعت من 6.9 في المائة إلى 9.3 في المائة.

في المجتمع الرأسمالي، تهيمن التفسيرات البيولوجية على مفاهيم الصحة العقلية، وتُغرس في الممارسة المهنية والوعي العام. رمزية هذا هو نظرية الاختلالات الكيميائية في الدماغ – التي تركز على عمل الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين – والتي استحوذت على الوعي الشعبي والأكاديمي على الرغم من بقائها غير مدعومة إلى حد كبير. علاوة على ذلك، وانعكاسا لشعبية الاختزال الجيني في العلوم البيولوجية، كانت هناك جهود لتحديد التشوهات الجينية كسبب آخر لاضطرابات الصحة العقلية. ومع ذلك، فشلت التفسيرات المستندة إلى علم الجينوم أيضا في إنتاج دليل قاطع. التفسيرات البيولوجية بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية في حد ذاتها. ما هو واضح تماما هو وجود أنماط اجتماعية مهمة توضح استحالة اختزال الصحة العقلية السيئة إلى الحتمية البيولوجية.

لقد تم التعتيم إلى حد كبير على العلاقة الحميمة بين الصحة العقلية والظروف الاجتماعية، مع تفسير الأسباب المجتمعية في إطار الطب الحيوي مغطاةً بالمصطلحات العلمية. غالبًا ما تبدأ التشخيصات وتنتهي عند الفرد، مع تحديد الأسباب الحيوية على حساب دراسة العوامل الاجتماعية. ومع ذلك، يجب الاعتراف بالتنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع كمساهم مهم في الصحة العقلية للناس، مع وجود بعض الهياكل الاجتماعية التي تكون أكثر فائدة لظهور صحة عقلية جيدة من غيرها. باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه التكوين البنيوي الفوقي للمجتمع، فإن الرأسمالية هي المحدد الرئيسي لسوء الصحة العقلية. كما جادل الأستاذ الماركسي للعمل الاجتماعي والسياسة الاجتماعية “إيان فيرغسون”، فإن “النظام الاقتصادي والسياسي الذي نعيش في ظله -الرأسمالية- هو المسؤول عن المستويات العالية الهائلة لمشاكل الصحة العقلية التي نراها في العالم اليوم”. إن التخفيف من الضيق النفسي ممكن فقط “في مجتمع خالٍ من الاستغلال والاضطهاد”.

فيما يلي، أرسم بإيجاز حالة الصحة العقلية في الرأسمالية المتقدمة، مستخدما بريطانيا كمثال واستخدام إطار التحليل النفسي للماركسي إريك فروم، الذي يؤكد أن جميع البشر لديهم احتياجات معيّنة يجب الوفاء بها من أجل ضمان الصحة العقلية المثلى. دعمًا لتأكيد فيرغسون، أجادل في أنّ الرأسمالية ضرورية لتحديد تجربة وانتشار الرفاهية العقلية، حيث أن عملياتها لا تتوافق مع الحاجة الإنسانية الحقيقية. سيتضمن هذا الرسم تصويرا للحركة الواعية سياسيا لمستخدمي خدمات الصحة العقلية التي ظهرت في بريطانيا في السنوات الأخيرة لتحدي التفسيرات البيولوجية للصحة العقلية السيئة والدعوة إلى تحديد عدم المساواة والرأسمالية في قلب المشكلة.

الصحة العقلية والرأسمالية الاحتكارية

في الفصول الأخيرة من Monopoly Capital ، أوضح “بول باران” و”بول سويزي” عواقب احتكار الرأسمالية على رفاه الصحة النفسية، بحجة أن النظام يفشل في “توفير أسس مجتمع قادر على تعزيز التنمية الصحية والسعيدة لأعضائه”. مجسدين اللاعقلانية الواسعة الانتشار للرأسمالية الاحتكارية، فقد أوضحوا طبيعتها المهينة. يمكن اعتبار العمل “تجربة ممتعة” للأقلية المحظوظة فقط، بينما يعتبر بالنسبة للأغلبية تجربة غير مرضية تماما. في محاولة لتجنب العمل بأي ثمن، غالبًا ما يفشل الترفيه في تقديم أي عزاء، لأنه يصبح أيضا بلا معنى. بدلا من أن تكون فرصة لإشباع المشاعر، جادل باران وسويزي بأن وقت الفراغ أصبح مرادفا إلى حد كبير للكسل. “تنعكس الرغبة في عدم فعل أي شيء في الثقافة الشعبية، في إثارة الكتب والتلفزيون والأفلام لحالة من التمتع السلبي بدلا من طلب الطاقات الفكرية”.

وجادلا أن الغرض من العمل والترفيه أصبحا يتحدان إلى حد كبير حول زيادة الاستهلاك. لم تعد السلع الاستهلاكية تُستهلك لاستخدامها، فقد أصبحت علامات راسخة للمكانة الاجتماعية، مع الاستهلاك كوسيلة للتعبير عن الوضع الاجتماعي للفرد. ومع ذلك، فإن النزعة الاستهلاكية تولد في نهاية المطاف عدم الرضا لأن الرغبة في استبدال المنتجات القديمة بمنتجات جديدة تحول الحفاظ على مكانة المرء في المجتمع إلى سعي لا هوادة فيه للحصول على معيار لا يمكن الحصول عليه. جادل باران وسويزي أنه “أثناء تلبية الاحتياجات الأساسية للبقاء”، فإن كلا من العمل والاستهلاك “يفقدان بشكل متزايد محتواهما الداخلي ومعناهما”. والنتيجة هي مجتمع يتّسم بالفراغ والتدهور. مع وجود احتمال ضئيل لتحريض الطبقة العاملة على العمل الثوري، فإن الواقع المحتمل هو استمرار لـ “سيرورة الانحلال الحالية، حيث تصبح التناقضات بين ضغوط النظام والاحتياجات الأولية للطبيعة البشرية أكثر صعوبة من أي وقت مضى”، مما يؤدي إلى “انتشار الاضطرابات النفسية المتزايدة الخطورة”. لا يزال المجتمع الاحتكاري الرأسمالي الحديث يتسم بعدم التوافق بين سعي الرأسمالية الدؤوب لتحقيق الربح، من ناحية، والاحتياجات الأساسية للناس من ناحية أخرى. نتيجة لذلك، تم تقويض الشروط المطلوبة للصحة العقلية المثلى بشكل عنيف، حيث يعاني المجتمع الرأسمالي الاحتكاري من الاضطرابات العصبية ومشاكل الصحة العقلية الأكثر خطورة.

إريك فروم: الصحة العقلية والطبيعة البشرية

تأثر فهم كلا من باران وسويزي حول العلاقة بين الرأسمالية الاحتكارية والفرد بشكل كبير بالتحليل النفسي، ومن ناحية أخرى، أشاروا إلى المركز الملم بالطاقات الكامنة كالدوافع الشهوانية والحاجة إلى إشباعها، كما قبلوا فكرة مفهوم فرويد القائل أن النظام الاجتماعي يتطلب قمع الطاقات الليبيدية وتساميها لأغراض مقبولة اجتماعيا. كما كتب باران نفسه عن التحليل النفسي، وكان قد التحق بمعهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي حيث تأثّر بشكل مباشر بعمل إريك فروم وهربرت ماركوز. ضمن هذا الإطار الواسع يمكن لنظرية الصحة العقلية أن تتضح ضمن تحليل باران وسويزي، مع التناقضات بين الرأسمالية والحاجة البشرية، التي تعبرعن نفسها بالأخص من خلال الخسف بالطاقات البشرية. كان فروم أحد أبرز الشخصيات التي كان عليها أن تطور موقفا تحليليا نفسيا ماركسيا فريدا يكون وثيق الصلة بفهم الصحة العقلية أكثر في عصر الرأسمالية الاحتكارية الحالي، ومن هنا كان على باران، على وجه الخصوص، أن يتصوّر.

أثناء توضيح أهمية سيغموند فرويد، أقر فروم بدينه الأكبرلكارل ماركس، معتبرا إياه المفكر البارز. بعد قبول الفرضية الفرويدية عن اللاوعي وقمع وتعديل الدوافع اللاواعية، أقر فروم مع ذلك بفشل الفرويدية الأرثوذكسية في تحليلها في استكمالها لفهم اجتماعي أعمق للفرد. بالانتقال إلى الماركسية، قام ببناء نظرية للفرد الذي يتشكل وعيه من خلال تنظيم الرأسمالية، في حضرة دوافع غير واعية مكبوتة أو موجهة نحو سلوك اجتماعي مقبول. في حين ان ماركس لم يصنع أبدا علم نفس رسميا، اعتبر فروم أن مقومات المرء تكمن في مفهوم الاغتراب. بالنسبة لماركس، كان الاغتراب مثالا على التأثير الجسدي والعقلي المميت للرأسمالية على البشر. إنه في الجوهر ليظهرُ النفور الذي يشعر به الناس من أنفسهم ومن العالم من حولهم و من بني البشر. فتكمن القيمة الاغتراب لفهم الصحة النفسية في توضيح التمييز الذي ينشأ في ظل الرأسمالية بين الوجود البشري والجوهر. بالنسبة لماركس، تفصل الرأسمالية الأفراد عن جوهرهم كنتيجة لوجودهم. تغلغل هذا المبدأ في إطار التحليل النفسي لفروم، والذي أكد ان  البشر باتوا منفصلين عن طبيعتهم في ظل الرأسمالية.

تتكون الطبيعة البشرية حسب ماركس من صفات ذات ازدواجية “وعلينا أولا أن نتعامل مع الطبيعة البشرية بشكل عام، ثم الطبيعة البشرية كما تم تعديلها مع كل حقبة تاريخية“. هناك احتياجات وجيهة، مثل الجوع والرغبات الجنسية، ومن ثم هناك رغبات نسبية ترجع حذافيرها إلى التنظيم التاريخي والثقافي للمجتمع. حيث جادل فروم -مما ألهمه إياه ماركس- بأن الطبيعة البشرية فطرة في جميع الأفراد بينما يعتمد مظهرها المرئي بشكل كبير على الجانب الاجتماعي ومن غير المقبول افتراض أن “البنية العقلية للإنسان هي ورقة بيضاء يكتب عليها المجتمع والثقافة نصهما، ولا يملك أي صفة جوهرية خاصة به ..المشكلة الحقيقية تكمن في الجوهر المشترك للجنس البشري بأكمله الذي يمكن استنتاجه من مظاهر الطبيعة البشرية التي لا حصر لها” أدرك فروم أهمية الاحتياجات البيولوجية الأساسية، مثل الجوع والنوم والرغبات الجنسية، باعتبارها تُشكِّل جوانب من الطبيعة البشرية يجب إشباعها قبل أي شيء آخر. ومع ذلك واصل البشر رحلة التطور ووصلوا في النهاية إلى نقطة التعالي، من الحيوان إلى الإنسان الفريد، نظرًا لأن البشر قد وجدوا أنه من الأسهل تلبية احتياجاتهم البيولوجية الأساسية إلى حد كبير من خلال بسط سيادتهم على الطبيعة، فأصبحت الحاجة الملحة لإرضائهم تدريجيا أقل أهمية، حيث أتاحت العملية التطوّرية تعزيز قدرات فكرية وعاطفية أكثر تعقيدا. وعلى هذا النحو، لم تعد دوافع الفرد الأكثر أهمية منكبة في علم الاحياء بل في العادة البشرية.

بما أن هناك حاجة لبناء فهم للطبيعة البشرية يمكن على أساسه تقييم الصحة العقلية، حدد فروم خمس مميزات أساسية للعادة البشرية. تتمثل الأولى في القرابة، حيث يسعى الإنسان جاهدا إلى إقامة روابط مع إنسان غيره قصد بناء وحدة، إدراكا منه كونه وحيدا في هذا العالم، حيث ستكون فكرة الوجود كفرد أمرا يصعب تحمله دون ذلك. ثانيا، تسمح سلطة الانسان على الطبيعة تسهيل إشباع الاحتياجات البيولوجية وإجلاء للكفاءات والمهارات البشرية، الأمر الذي يساهم في تنمية الإبداع لدى الانسان مما يدفعه بعزيمة للتعبيرعن ذكاء إبداعي، وتحويل ذلك إلى خاصية بشرية أساسية تستوجب التنفيذ. الميزة الثالثة، تكمن في احتياج البشر من الناحية النفسية إلى التجذّر والشعور بالانتماء، عندما تكسر الولادة روابط الانتماء الطبيعي، يسعى الأفراد بعد ذلك باستمرار إلى التجذّر ليشعروا بالانسجام مع العالم. وبالنسبة لفروم، لا يمكن تحقيق الشعور الحقيقي بالانتماء إلا في مجتمع قائم على التضامن. رابعا، يتوق البشر إلى  الشعور بالهوية وإنشاء شعور بالذات وإدراك كونهم شخصًا محددا.  خامسا، من الضروري من الناحية النفسية للإنسان تطوير هيكل يمكن من خلاله فهم العالم وفهم تجاربه الخاصة.

تمثيلا لما ادعاه فروم أنه طبيعة بشرية عالمية، فإن تلبية هذه الحوافز أمر ضروري لتحقيق رفاهية الصحة العقلية المثلى قائلا” تُحفظ الصحة العقلية إذا تطور الإنسان إلى النضج الكامل وفقا لخصائص وقوانين الطبيعة البشرية، المرض العقلي يكمن في فشل هذا التطور“، رافضا الفهم التحليلي النفسي الذي يؤكد على تلبية الغرائز الجنسية والدوافع البيولوجية الأخرى لإن الصحة العقلية بالنسبة له، مرتبطة بإشباع الاحتياجات التي تعتبر إنسانية فريدة، لكن في ظل الرأسمالية يحدث أن يخيب ذلك الرضا الكامل للنفسية البشرية، وبالنسبة لفروم، تكمن أصول الصحة العقلية السيئة في نمط الإنتاج والهياكل السياسيّة والاجتماعية المنسجمة، التي يعيق تنظيمها الإشباع الكامل للرغبات البشرية الفطرية، وقال عن تأثير ذلك على الصحة العقلية: “إذا لم تجد إحدى الضروريات الأساسية إشباعا، فإن الجنون هو النتيجة، وإذا كان راضيا ولكن بطريقة غير مرضية … المرض… هو النتيجة”.

قمع العمل والإبداع

من المرجح أن يتم إشباع الرغبة الغريزية للإبداع من خلال العمل، هذا ما أكده فروم وماركس الذي ناقش بقوة من خلال مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية لعام 1844 بأن العمل يجب أن يكون تجربة مُثرية تسمح للأفراد بالتعبير عن أنفسهم بحرية جسديا وفكريا. ويجب أن يكون العمال قادرين على الاقتران مع ثمار مجهوداتهم كتعريف عن جوهرهم وإبداعهم الداخلي. ومع ذلك، فإن العمل في ظل الرأسمالية هو تجربة اغتراب تبعد الأفراد من عمليتها. العمل المغترب وفقا لماركس، هو وضع يجعل العامل يغترب عن انسانيته، أي أنه لا ينتمي إلى كيانه الأساسي .. فيحدث أن ينكر نفسه لا أن يؤكد عليها، ولا يشعر بالسعادة بل بالتعاسة، لا يقدرعلى تنمية طاقته الجسدية والعقلية بحريّة، ولكنه يهلك جسده ويدمر عقله. ففي ظل الرأسمالية، تُبذل أكبر الجهود لضمان توجيه الطاقة البشرية نحو العمل على الرغم من كونه في أغلب الأحيان بائسا ومملا. فبدلا من إشباع الحاجة إلى التعبير عن الإبداع، يتم سحق هذا الأخير من خلال الالتزام الرتيب والمرهق بالعمل المأجور.

ينتشر الاستياء من العمل في بريطانيا، أين قدّر استطلاع حديث للموظفين أجري في أوائل عام 2018 أن 47٪ من الموظفين يفكرون في البحث عن وظيفة جديدة في العام المقبل. ومن بين الأسباب التي تم الاستشهاد بها، كان الافتقار إلى فرص التقدم الوظيفي بارزا، إلى جانب عدم الإعجاب بالوظيفة وشعور الموظفين أنهم لم يحدثوا فرقا. ويظل اختبار الكثير من الناس للعمل لمجرد أن له بعض المعنى وفرصة ضئيلة للنمو الشخصي والتعبير.

يمكن القول من خلال هذه الأدلة أنه في بريطانيا – كما هو الحال في العديد من البلدان الرأسمالية الاحتكارية- أن جزءا كبيرا من القوة العاملة يشعرون بأنهم منفصلون عن العمل ولا يرونه كتجربة إبداعية في حين يرى فروم أن تلبية الاحتياجات الإبداعية أمر ضروري للحفاظ على الصحة العقلية. إن هبة العقل والخيال، ترفع من براعة البشر ليتصرفوا بإبداع لا أن يتواجدوا ككائنات كسولة، ومن الواضح أن العمل تحت ظل الرأسمالية لا يحقق ذلك، حيث هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن العمل بعيدا عن كونه مفيدا للصحة العقلية فهو في الواقع ضار بها. في ظل الإحصائيات غير الدقيقة بسبب عدم إجراء تجارب واضحة بهذا الخصوص، إلا أنه يمكن الاستدلال أن بالنسبة للعديد من أفراد القوة العاملة، من الشائع أن يثير العمل التعاسة العامة وعدم الرضا والإحباط، علاوة على ذلك تظهر مشاكل الصحة العقلية الأكثر شدة، مثل التوتر والاكتئاب والقلق، بشكل متزايد على أنَّها عواقب الاستياء من العمل. وهناك في الفترة ما بين 2017 و2018، شكّلت هذه الظروف 44٪ من جميع المشاكل الصحية المتعلقة بالعمل في بريطانيا و 57٪ من جميع أيام العمل الضائعة بسبب المرض. وقدرت دراسة أخرى في عام 2017 أن 60٪ من الموظفين البريطانيين عانوا من مشاكل في الصحة العقلية المرتبطة بالعمل في العام الماضي، وكان الاكتئاب والقلق من أكثر المظاهر شيوعا.

بدلا من كونه مصدرا للمتعة، من الواضح أن طبيعة وتنظيم العمل في ظل الرأسمالية لا يعمل كوسيلة مرضية حتى يمارس الفرد الإبداع، وقال باران وسويزي في ذات السياق  “لا يجد العامل أي رضا عما تحققه جهوده” بل يسلبهم بدلا من ذلك جزءا أساسيا من طبيعتهم ويكون السبب في تحفيز ظهور العلل العقلية المختلفة. ومن المرجّح أن يشعر باليأس العام أولئك الذين عانوا في بريطانيا الذين قارب عددهم نصف عدد القوة العاملة، من مشاكل صحية عقلية متعلقة بالعمل، الأمر الذي أسماه فروم عيب نمط اجتماعي، وليس من المبالغة أبدا التأكيد على أن تدهور السلامة العقلية هو استجابة قياسية للعمل المأجور في المجتمعات الاحتكارية الرأسمالية أين أصبحت المشاعر السلبية شائعة وبدرجات متفاوتة يتم الاعتراف بها على أنها ردود فعل طبيعية للعمل، فباستثناء الاضطرابات العقلية الحادة، باتت الأشكال الأخرى للاضطراب العقلي التي تتطور تعتبر كاستجابة وأمرا مفروغا منه وليس على أنها مشاكل مشروعة، وهكذا، تكون التضحية بالسلامة العقلية هي التكلفة.

الارتباط الهادف والوحدة

بالنسبة لفروم، كانت هناك علاقة متأصلة بين الصحة العقلية الجيدة، العلاقات الشخصية الهادفة في شكل الحب والصداقة، وتعبيرات التضامن. يدرك الأفراد “وحدتهم” في العالم تمام الإدراك، ويحاولون الهروب من سجن العزلة النفسي. ومع ذلك، فإن للرأسمالية مفعولا يمنع في كثير من الأحيان الإيفاء المرضي لهذه الحاجة. حدد باران وسويزي عجز العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات الرأسمالية-الاحتكارية، وقد زعموا أن نوعًا من العبث قد استحوذ على معظم التفاعلات الاجتماعية، حيث أصبحت تتجسد في محادثة سطحية ولطف مزيف. أصبحت الالتزامات العاطفية المطلوبة للصداقة والجهود الفكرية اللازمة للمحادثة غائبة إلى حد كبير حيث أصبح التفاعل الاجتماعي بشكل متزايد حول المعارف (acquaintances) والأحاديث الصغيرة (Small-Talks). الرأسمالية الاحتكارية المعاصرة ليست استثناءً، فعلى الرغم من صعوبة قياس وجودها وطبيعتها، إلا أن الوحدة هي بلا شك واحدة من أكثر أنواع العصاب انتشارًا في الرأسمالية الحالية. يُعتبر بشكل متزايد مصدر قلق كبير للصحة العامة، وربما يتجلى ذلك بشكل رمزي أكثر مع إنشاء الحكومة البريطانية لزوارة للوحدة في عام 2018.

مثلها مثل العصاب، فإن للوحدة عواقب منهكة. قد يلجأ الأفراد إلى تعاطي الكحول والمخدرات لتخدير بؤسهم، بينما يعانون باستمرار من زيادة ضغط الدم والإجهاد، فضلاً عن التأثير السلبي على عمل القلب والأوعية الدموية والجهاز المناعي. تؤدي الوحدة، التي تعد حالة صحية عقلية بحد ذاتها، إلى تفاقم مشاكل الصحة العقلية الإضافية، وغالبًا ما تكون السبب الرئيسي للاكتئاب. في عام 2017، قُدر أن 13٪ من الأفراد في بريطانيا ليس لديهم أصدقاء مقربين، و 17٪ لديهم صداقات متوسطة إلى منخفضة الجودة. علاوة على ذلك، صرح 45 في المائة أنهم شعروا بالوحدة مرة واحدة على الأقل في آخر أسبوعين، بينما شعر 18 في المائة بالوحدة في كثير من الأحيان. على الرغم من أن العلاقة الوثيقة والمحبة تعمل كحاجز أمام الشعور بالوحدة، إلا أن 47 بالمائة من الأشخاص الذين يعيشون مع شريك أفادوا بأنهم يشعرون بالوحدة على الأقل لبعض الوقت و16 بالمائة في كثير من الأحيان. بذلت جهود مؤخرًا لتحديد الأسباب الجينية للوحدة، مع الظروف البيئية التي تؤدي إلى تفاقم استعداد الفرد لها. ومع ذلك، حتى أكثر التحليلات الحتمية من الناحية البيولوجية تقر بأن الظروف الاجتماعية ضرورية لتطورها. ورغم ذلك، فإن القليل من الدراسات تحاول أن توضح بجدية إلى أي مدى تعتبر الرأسمالية عاملاً مساهماً.

لطالما سادت الفردية باعتبارها المبدأ الذي يقوم عليه المجتمع الرأسمالي المثالي. يتم اعتماد الجهد الفردي والاعتماد على الذات والاستقلال باعتبارها السمات المميزة للرأسمالية. كما هو مفهوم اليوم، فإن فكرة الفرد ترجع أصولها إلى نمط الإنتاج الإقطاعي، وفي التركيز على طرق العمل الأكثر جماعية والتي تُترك لإكراه الأفراد، الذين يجب أن يكونوا أحرارًا في بيع قوة عملهم في السوق. قبل الرأسمالية، كانت الحياة تتم بشكل أكبر كجزء من مجموعة اجتماعية أكبر، بينما تطور الانتقال إلى الرأسمالية ومكّن من ظهور الفرد المنعزل والخاص والعائلة الصغيرة، التي أصبحت أكثر خصخصة بشكل متزايد. أكد فروم أن الترويج لفضائل الفرد والاحتفاء بها يعني أن أفراد المجتمع يشعرون بالوحدة في ظل الرأسمالية أكثر من الشعور بالوحدة في ظل أنماط الإنتاج السابقة. إن تمجيد الرأسمالية للفرد يتجلى بشكل أكبر من خلال معارضتها القوية لمثل الجماعية والتضامن، وكذلك من خلال تفضيلها وتحريضها على المنافسة. يقال إن الأفراد يجب أن يتنافسوا مع بعضهم البعض على أساس عام لتعزيز تطورهم الشخصي. وبشكل أكثر تحديدًا، تعد المنافسة، من الناحية الاقتصادية ، أحد الأسس التي يعمل السوق على أساسها ، وتتوافق أيديولوجيًا مع الاعتقاد السائد بأنه، لكي يكون المرء ناجحًا، يجب أن ينافس الآخرين على الموارد الشحيحة. نتيجة المنافسة أنها تقسم الأفراد وتعزلهم. لا يُنظر إلى أعضاء المجتمع الآخرين على أنهم مصادر دعم، بل يُنظر إليهم على أنهم عوائق أمام التقدم الشخصي. لذلك تضعف روابط الوحدة الاجتماعية إلى حد كبير. وبالتالي، فإن الوحدة جزء لا يتجزأ من بنية أي مجتمع رأسمالي كنتيجة حتمية لنظام قيمه.

لا تعتبر الوحدة جزءًا لا يتجزأ من الأيديولوجية الرأسمالية فحسب، بل إنها تتفاقم أيضًا بسبب عمل الرأسمالية كنظام. بسبب الدافع الحتمي للرأسمالية للتوسع الذاتي، فإن نمو الإنتاج هو أحد خصائصها الأساسية. بعد أن أصبحت فكرة بديهية، نادرا ما يتم التشكيك في فكرة توسيع الإنتاج. التكلفة البشرية باهظة لأن العمل له الأسبقية على الاستثمار في العلاقات الاجتماعية. علاوة على ذلك، تركت الإصلاحات النيوليبرالية للعديد من العمال وظائف محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد وقليل من الحماية والمزايا المضمونة وساعات العمل، الأمر الذي أدى إلى تعميق الشعور بالوحدة. وبتضخيم عملية إضفاء الطابع البروليتاري على القوى العاملة، مع تزايد عدد العمال الذين يعيشون في حالة من عدم الاستقرار ويعانون من زيادة الاستغلال، أصبحت مركزية العمل أكبر حيث أصبح التهديد بعدم الحصول على وظيفة أو عدم القدرة على ضمان مستوى معيشي لائق الواقع بالنسبة للكثيرين في سوق العمل “المرن”. لا خيار أمام الأفراد سوى تكريس المزيد من الوقت للعمل على حساب إقامة علاقات ذات مغزى.

يمكن توضيح التركيز المتزايد على العمل فيما يتعلق بممارسات العمل. على الرغم من حقيقة أن متوسط ​​طول أسبوع العمل قد زاد في بريطانيا في أعقاب الأزمة المالية 2007-2009، إلا أن الصورة العامة على مدى العقدين الماضيين كانت رسمياً صورة تدهور. ومع ذلك، شهد العمال بدوام جزئي زيادة في عدد ساعات عملهم، فضلاً عن عدد الوظائف بدوام جزئي. بالإضافة إلى ذلك، بين عامي 2010 و 2015، كانت هناك زيادة بنسبة 15٪ في عدد العاملين بدوام كامل من القوى العاملة الذين يعملون أكثر من ثمان وأربعين ساعة في الأسبوع. علاوة على ذلك، في عام 2016، أوضح استطلاع للموظفين أن 27 بالمائة عملوا لفترة أطول مما يرغبون، مما أثر سلبًا على صحتهم الجسدية والعقلية، وشعر 31 بالمائة أن عملهم يتداخل مع حياتهم الشخصية. إلى حد كبير، فإن الوحدة ليست مجرد سمة من سمات الحياة خارج العمل، ولكنها تجربة مشتركة أثناء العمل. في عام 2014، قدر أن 42 في المائة من الموظفين البريطانيين لا يعتبرون أي زميل في العمل صديقًا مقربًا، وشعر الكثير منهم بالعزلة في مكان العمل.

تم وصف الانخراط الأكبر في الأنشطة الإنتاجية على حساب العلاقات الشخصية بـ “عبادة الانشغال” (Cult of Busyness) من قبل الطبيبين النفسيين جاكلين أولدز وريتشارد شوارتز. وبينما هم يحددون هذا الاتجاه بدقة، إلا أنهم مع ذلك يقيمون ذلك من حيث اختيار العمال بحرية لمثل هذه الحياة. هذا يستبعد أي انتقادات جادة للرأسمالية وحقيقة أن عبادة الانشغال كانت إلى حد كبير نتيجة للحاجة المتأصلة للنظام الاقتصادي إلى التوسع الذاتي. علاوة على ذلك، فشل أولدز وشوارتز في قبول الاتجاه باعتباره انعكاسًا للتنظيم الهيكلي لسوق العمل، مما يجعل المزيد من العمل ضرورة بدلاً من الاختيار. إن تجنب الشعور بالوحدة والبحث عن علاقات ذات مغزى هي رغبات إنسانية أساسية، لكن الرأسمالية تقمع إشباعها المرضي، إلى جانب فرص تكوين روابط مشتركة من الحب والصداقة، والعمل والعيش في تضامن. ورداً على ذلك، يقول باران وسويزي أن خوف الناس من أن يكونوا وحدهم يدفعهم إلى البحث عن بعض العلاقات الاجتماعية الأقل إرضاءً، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى شعور أكبر بعدم الرضا.

المادية والبحث عن الهوية والإبداع

تَعتبر الرأسمالية الاحتكارية أن الاستهلاك هو وسيلة حيوية لاستيعاب الفائض. في عصر الرأسمالية التنافسية، لم يستطع ماركس أن يتكهّن بكيفية تطور جهود المبيعات من الناحيتين الكمية والنوعية لتضحى ذات أهمية من أجل النمو الاقتصادي. حيث أن الدعاية التجارية، وتنوع المنتجات والتقادم المخطط له مسبقا وائتمان المستهلك هي وسائل أساسية لتحفيز طلب المستهلك، وفي الوقت نفسه فإنه لا يوجد انخفاض في عدد الأفراد الراغبين في الاستهلاك. إلى جانب قبول العمل، عرف فروم الرغبة في الاستهلاك على أنها سِمة أساسية للحياة في النظام الرأسمالي مجادلا أن هذه الرغبة هي مثالٌ حيّ للاستعمالات الموجهة للطاقات البشرية من أجل دعم الاقتصاد.

مع تقييم السلع لعلامتها بدلا من أدائها، توجه الناس من استهلاك قيم الاستعمال إلى القيم الرمزية. في كثير من الأحيان يستند كل من مواكبة الثقافة الرائجة أو اقتناء سيارة أو ألبسة من علامة تجارية أو معدات تكنولوجية أو سلع أخرى، على ما يُفترض أن يعكس المنتج عن المستهلك. كثيرا ما تشكل الاستهلاكية أسلوب رئيسي يمّكن الفرد من بناء هوية شخصية. 

يُثار الناس عاطفيا من خلال المعنوية المرتبطة بالسلع على أملِ أن تنتقل خصائص السلعة غير المادية من خلال امتلاكها. وفقا للرأسمالية الاحتكارية فإن الاستهلاكية عبارة عن استهلاك الأفكار أكثر من إشباع غرائز بيولوجية وسيكولوجية. أكد فروم على أن “الاستهلاك يجب أن يكون فعل بشري مادي حيث أن حواسنا، واحتياجاتنا الفيزيائية، والذوق الجمالي… تكون معنية: يجب أن يكون الاستعداد للاستهلاك تجربة ذات معنى. بينما في ثقافتنا فيوجد القليل من ذاك، حيث أن الاستهلاك هو في الأساس إرضاء خيالي محَفز اصطناعياً”.

إن الحاجة إلى الهوية وتحقيق الإبداع يشجعان على الاستهلاك بشراهة، بينما كل عملية شراء تُخفق دائما في الوفاء بوعودها. من النادر جدا أن يتحقق الرضا من خلال الاستهلاك لأن ما يتم استهلاكه ما هو إلا فكرة مصطنعة أكثر من كونها منتجا يضفي معناً للوجود. يصبح الاستهلاك جلياً في هذه العملية، كشكل من أشكال اللاانتماء. بدلا من استهلاك منتج مصمم لتلبية احتياجات فِطرية، تُجسد السلع طبيعتها التركيبية عن طريق معانيها ورموزها المصّنعة، والتي صُممت لتحفيز وإشباع الحاجة والاستجابة المخططة لها مسبقا. كل هوية يرغب بها شخص ما، أو الإحساس بأنه قد حصل عليها من خلال استهلاك منتج ما، كذلك أي شكل من أشكال الإبداعية التي تتكل عليها السلعة أو عنصر من الثقافة الرائجة هي زائفةٌ.

بدلا من زراعة الفرح، أدى ثراء الدول الرأسمالية الاحتكارية إلى استياء واسع النطاق حيث وُضعت قيمة عالية على تكديس الممتلكات. في حين أن الاستهلاكية كقيمة متواجدة في جميع المجتمعات الرأسمالية التي بها قدر كبير من عدم المساواة- حيث تظهر بريطانيا تفاوتات ثروة أكبر من معظم المجتمعات- تساهم الرغبة في الاستهلاك والاكتساب بشكل كبير في ظهور الاضطرابات العصبية، حيث إن الجهود المبذولة للحفاظ على الوضع الاجتماعي والاحتذاء بالموجودين في أعلى طبقات المجتمع يصبح ضغطاً هائلاً. وقد ظهر تأثير ذلك على العائلات البريطانية في السنوات الأخيرة. في عام 2007 أقرت اليونيسيف أن بريطانيا تتمتع بأدنى مستوى لرفاهية الطفل من بين واحد وعشرين دولة من أكثر الدول ثراء في منظمة التعاون والتنمية. في المقابل، تم إجراء دراسات على العائلات البريطانية في عام 2011 وتمت مقارنة النتائج مع تلك الموجودة في أسبانيا والسويد اللتان تتعتبران من الدول الخمس الأوائل من حيث نسبة رفاهية الطفل.

من بين الدول الثلاث، كانت ثقافة الاستهلاك هي الأكبر في بريطانيا حيث كانت سائدة بين جميع العائلات بغض النظر عن الترف. كان الآباء البريطانيون يُعتبرون أكثر ماديين من نظرائهم الأسبان والسويد ويتصرفون وفقا لذلك تجاه أطفالهم. حيث قد قاموا بشراء أحدث السلع ذات العلامات التجارية الكبرى، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اعتقادهم أنها ستضمن انعكاس مستوى أطفالهم المادي والاجتماعي بين أقرانهم. كانت هذه قيمة مشتركة بين الأطفال أنفسهم، حيث قَبِل الكثيرون أن المكانة الاجتماعية قائمة على ملكية السلع ذات العلامات التجارية الكبرى، والتي تشير الأدلة إلى أنها ساهمت في رفع مستوى القلق، خاصة عند الأطفال ذوي الأسر الفقيرة مدركين ما لا يملكوه. في حين أنه قد تم تحديد الإكراه على شراء سلع جديدة باستمرار لأنفسهم وأطفالهم بين الآباء البريطانيين، إلا أن العديد أيضا شعروا بالضغط النفسي لمحاولة الحفاظ على نمط حياة مادي وتماثلهم لمثل هذه الضغوطات. في جميع البلدان الثلاثة، حدد الأطفال احتياجات رفاهيتهم على أنها تتكون من قضاء وقت ممتع مع الوالدين والأصدقاء، وفرص إطلاق العنان لابداعيتهم، لا سيما خلال الأنشطة خارج المنزل. على الرغم من ذلك، أظهرت الدراسة أن الكثيرين في بريطانيا لم تلبى لديهم مثل هذه الحاجيات. حيث كافح الآباء لقضاء وقت كافٍ مع أطفالهم بسبب التزامات العمل وغالباً ما منعوا أبنائهم من المشاركة في أنشطة الهواء الطلق بسبب تخوفهم على سلامتهم. بعد ذلك، عوّض الآباء عن ذلك بالسلع التي بدورها قد فشِلت إلى حد كبير في تلبية احتياجات أطفالهم. على هذا النحو، تم قمع احتياجات الأطفال البريطانيين كتكوين علاقات هادفة والإسهام فيها والتصرف على نحو خلاق، في حين قد فشلت كل الجهود المبذولة لتلبية هذه الاحتياجات عن طريق الاستهلاكية في تحقيق السعادة لهم.

المقاومة كنضال طبقي

مع عدم إنكار وجود أسبابا بيولوجية التي من شأنها التأثير على صحة الأفراد العقلية، فإنه لا بد من الاعتراف بأن تنظيم المجتمع الهيكلي والطبقي يملك هو الآخر عديد التداعيات الخطيرة عليها. فالرأسمالية الاحتكارية تعمل بطريقة تتسبب في حرمان عديد الأفراد من تجربة رفاهية عقلية إضافة إلى حرمانهم من التمتع بصحة عقلية متوازنة وسليمة. إلا أنه وبالرغم من كل هذا، لا يزال النموذج الطبي للصحة هو المهيمن، مساهما في تعزيز المفهوم الفردي للصحة العقلية، متسببا في الوقت ذاته في إخفاء آثار هذا النمط الانتاجي الضار، ما من شأنه التسبب في اضطهاد الأفراد ممن يعانون نفسيا من خلال تعريضهم لأحكام وتقديرات الأطباء.

هذا النظام الطبي يشجع بشكل كبير على تقليص حقوق الأفراد المدنية وتقزيمها في حالة تعرضهم لضغوطات نفسية، بما في ذلك اعتبار عملية التعدي على تصرفاتهم الإرادية وانتهاكها تصرفا شرعيا إضافة إلى استبعاد هؤلاء من عملية صناعة القرار.  إن الحياة تحت نظام رأسمالي، بالنسبة لمن يعانون من ضغوطات نفسية، تتميز في غالب الأحيان بكونها حياة ملأى بالقمع والتمييز.

يتحدى اليوم الأفراد الذين يعانون اضطرابات في صحتهم العقلية والناجين منها، الهيمنة الأيديولوجية للنظام الطبي وكذا التعتيم الممارس ضد آثار الرأسمالية على سلامة صحة الناس العقلية، وهذا انطلاقا من إدراكهم التام لحالتهم المضطهدة. علاوة على ذلك، فإنهم يطرحون أيضا ضرورة قبول وانتهاج النظام الاجتماعي المستوحى من الماركسية الخاص بالصحة العقلية كحل بديل. فهذا النموذج الاجتماعي للإعاقة – عدم المقدرة- يعرف الرأسمالية بأنها أداة أساسية في حدوث الإعاقة والتسبب فيها، ذات الإعاقة التي يتم تعريفها على أنها عاهة ن شأنها التسبب في استبعاد المصابين بها من سوق العمل، ومن خلال تبني منظور مادي بحت فإنه من الملاحظ أن النموذج الاجتماعي للصحة العقلية من شأنه أن يسمح بمعالجة القمع والاقصاء السياسي والتمييز المادي باعتبارها أسبابا مهمة لظهور الأمراض النفسية.

في سنة ٢٠١٧، رفض فريق دعم الصحة النفسية National Survivor User Network ببريطانيا النموذج الطبي للصحة العقلية جملة وتفصيلا، وانتهج العدالة الاجتماعية كجزء من دعوته الرامية لتأسيس مقاربة اجتماعية للصحة العقلية، منددا بشكل واضح وصريح بالنيوليبرالية، معللا ذلك بأن كلا من سياسة التقشف والتخفيضات المتبعة في الضمان الاجتماعي قد تسببتا بشكل كبير في زيادة عدد الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في صحتهم العقلية كما أنها تسببت في تفاقم حالات المرضى السابقين.

هذا واعترافا منه بأن اللاعدالة وعدم المساواة الاجتماعية يعدان من بين الأسباب المؤدية إلى ظهور اضطرابات الصحة النفسية للأفراد واختلالها. فإن فريق دعم الصحة النفسية National Survivor User Network يقترح أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه اليوم مستخدمي خدمات الصحة النفسية يجب أن يكون جزءا لا يتجزأ من لائحة اتهام أوسع لعدم المساواة بشكل عام وهذا بذريعة أن تدابير التقشف والسياسات الاقتصادية المدمرة والتمييز الاجتماعي واللامساواة الطبقية كلها عوامل من شأنها أن تتسبب في الضرر للناس. وبالتالي فإننا بحاجة إلى تحدي كل هذا كجزء من أجندة أكبر للعدالة الاجتماعية.

علاوة على هذا، تضع مجموعة Recovery in the Bin نفسها إلى جانب حركة الصحة العقلية الواسعة ضمن الصراع الطبقي، دافعة نحو نموذج اجتماعي يعترف بالرأسمالية كمحدد مهم لصحة عقلية مختلة، إضافة إلى هذا، وكممثلة للأقليات الأثنية، تندد جمعية Kindred Mind بقوة بشأن اعتبار اضطرابات الصحة العقلية نتيجة لعوامل بيولوجية فقط، معتبرة أنها تنتج بشكل أساسي بسبب مشاكل اجتماعية عدة على غرار العنصرية، التمييز على أساس الجنس، اللامساواة الاقتصادية “المشخصة على أنها مرض عقلي”.

 بالنسبة ل Kindred Mind فإن العامل المحفز لتدهور الصحة العقلية للأفراد واختلالها هو الاضطهاد والتمييز الذي يتعرضون له، حيث أن الأقليات العرقية معرضة بشكل كبير ولمستويات عالية من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ومن التمييز والتحيز والعنصرية.

لا يمكن أبدا للرأسمالية أن تمنحنا الظروف الأكثر ملاءمة لتحقيق الصحة العقلية والحفاظ عليها. فالقمع، الاستغلال وعدم المساواة يتسببون وإلى حد كبير في قمع الادراك الحقيقي لمعنى أن تكون إنسانا. يجب أن تكون معارضة تأثير الرأسمالية على الرفاهية العقلية معارضة شديدة ووحشية، مركزة على الصراع الطبقي، وهذا لأن الصراع من أجل الاشتراكية ليس صراعا هدفه فقط تحقيق المساواة المادية للأفراد، ولكنه يهدف أيضا إلى تحقيق واحلال المساواة الاجتماعية والانسانية.

يتعرض جميع أفراد المجتمع إلى تأثير الرأسمالية اللاإنسانية، لكن النضال قائم ببطء وحزم شديد من قِبل أكثر الفئات تعرضا للقمع والاستغلال. يجب النظر إلى التحدي المطروح على أنه جزء من صراع طبقي أوسع، باعتباره جبهة واحدة للكثيرين في الكفاح من أجل عدالة اجتماعية ومساواة اقتصادية وأيضا من أجل الكرامة والاحترام.

الصورة الافتراضية
نجيبة عامر
المقالات: 18

اترك ردّاً