[سنة ثالثة نقطة .. في متن التدوين كان لنا حكاية ]

لم تكن الكتابة يومًا بريئة ..

يومًا ما ستمسك قلمًا وورقة أو هاتفًا ولوحة مفاتيح ؛ يومًا ما ستخطر على بالك فكرة تراودك عن نفسها تقول “هيت لك” تتمنع عنها ب “معاذ الله ” تنساها أو تتناسى إغرائها لكنها أبدا ستنساك أو تغض طرفها عنك ؛ قد تؤرقك وتقظ مضجع راحتك تهمّ بك فتستسلم وتهم بها لن ينفعك عندها برهان إن قدّت قميصك من دّبرٍ أو قُبل فقيد الكتابة شديد الوثاق ؛ لا فكاك منه إلا بإطلاق جناح الكلمات التي تطير بين الهنا والهناك .. 

يومًا ما سيطوف بك خاطرٌ برئ براءة الذئب من دم يوسف ؛ يغشاك كغمامة صيف تظّلك بظلالها يسميها من كان قبلك ومن سيأتي بعدك “إلهامًا” وربما بتعبير صوفي “وحيًا” تبدو كحالة نورانية يمرّ بها الكاتب يقولون أنك ستشعر بعدها وكأن ملاكًا يلقنك كلماته ؛ ستنصت له في محرابك و تكتب .

أليست الكتابة شكلاً من أشكال الصلاة أيضًا ؟  .. 

في فقه الكتابة ستنشد الحرية ؛ حريتك وحرية أفكارك التي تطوف بصرح خيالك ما إن تدق طبولها حتى تجد الحروف تسرح بين الأسطر والمجاز يتبادل كلماته ويستعير من اللفظ أحسنه وأجوده فينطلق المعنى مسبحًا بحريته مخفيّا لأوجه إستعاراته ويحمل عمق أفكاره داخله ؛ وحدها العين الفاحصة تدرك المعنى الدفين وتفهم ما خفيّ بما كُتب  .. 

يومًا ما ستكتب دون أن يفقه باطنك الشفيف ما كُتب تلمس فيه التناقض والعدم ؛ تقلّب كلماتك في رأس قلمك أو بين حروف الكيبورد خاصتك توليّ كلماتك شطر معنى بعيد فيوليّك ظهره ولا يكشف عن مكنونه ؛ تمحو حينها ما جادت به قريحتك وتعيد إحياء كلماتك من جديد علّها تعيد روح نص يكابر على الخروج ؛ لكن دون جدوى تستجدي من الإلهام والوحي زيارة بيد أنّه لا يرد فتشعر بالفراغ يقتات منك ويحيطك بهالته فتترك كل شيء له وتسلّم نفسك لسطوته . 

يسميها من كان قبلك ومن سيكون بعدك ب “حبسة الكتابة ” تبدو كأن الحروف والكلمات والمعاني تتآمر عليك ؛ تضحك في ركن قصيّ وهي تقول : أرأيت؟

يُخيّل أنك لن تكتب بعدها أبدا فتهمس لك بقايا الحروف من القصيدة المنسيّة [ أكتب تكّن و إقرأ تجّد ]

[ وإنّ اردت القول فأفعل ]

فتستكين ..

فلم تكن الأول ولن تكون الأخير . 

لم تكن الكتابة يومًا هاجسً بحد ذاتها بل إستحضار المعاني وتمحيص المقال هو الهاجس ؛ ولأن الفكرة وليدة التجربة والكتابة ابنة اللغة فكان مقام اللغة مشدودًا نحو صرح القراءة والمعرفة ؛ فتمحصّ بذلك فراغ ذهنك بتشجيب رفّ كُتبك والغوص بين أوراقها حتى تستشف ما خُبئِ بين طياتها عندها تتجلى لك المعاني وترجع الكلمات صاغرة أمام مقامك معتذرة : 

[لن أرفع صوتي ولكن ارجع إليّ ! ] 

يومًا ما ستتنازل عمّا كتبته في ماضيك السحيق ؛ وتتبنى ما يوافق هوى عصرك وحاضرك ؛ فلطالما قُدّر للمعرفة أن تتجدد فما كنت تراه يومًا مقدسً لا يُمس له طرف صرت تفصله كيفما تشاء ؛ ما كنت تراه نارً تهاب الإقتراب منها صرت تصنع منها مشاعل وقناديل تضيء بها أنفاق من هم بعدك ليهتدوا نحو دربك وتعلمهم فعل المغامرة ..

في فقه الكتابة ستكتب عكس ما يقول الشعر ؛ ثقيلًا حتى تكسر هشاشتك ؛ خفيفًا حتى تطير ستتعثر خطواتك كثيرًا قبل أن تعلو ؛ وفي كل مرة تتعثر فيها تجد خيطًا رفيعً يرفعك بعد كل سقطة وعثرة تصادفك لتكمل بعدها مسيرك فالكتابة سيرة العثرات ؛ عثراتنا وعثرات غيرنا . فهذا هو مجد الكتابة عندما نكتب عن أنفسنا في قصص الآخرين ونكتب عن الآخرين في قصصنا الخاصة  . 

[ هامش تمرّد على السطور ] 

يحدث أن لا تجد ما تختم به مقالك فتلجأ للقصص أحيانا حتى تحرر الكتابة من معقلها فنحن البشر كائنات حكاءة بالفطرة من القصة أتينا وإليها نعود ..

ولأن التجارب قصص أيضًا فها هنا بإختصار تجربتي مع التدوين ..

منذ ثلاث سنين خلت صادف أن حضرت إحدى اللقاءات الثقافية في الجامعة “تنوين الجزائر” ؛ كنت في فترة فراغ وتيه وجودي لا ألوي على شيء ؛ أتى ذكر “النقطة الزرقاء” لأول يطرق مسامعي على لسان إحدى المشارِكات في اللقاء . مرّت اللحظة ولم يمر الإسم مرور الكرام ؛ دفعني الفضول للبحث عنه والتقصّي حوله ؛ دخلت الصفحة وجدت رابطًا للمشاركة في المنصة مع قسيمة إشتراك للتعرف عليك وللمشاركة بما يثير إهتمامك في الكتابة : [ مراجعات كتب -ترجمة -تصميم -تعليق صوتي – نشر ] إخترت إحدى المراجعات التي كتبتها سلفًا بعنوان أحسبه جذابًا لكتاب “المياه كلها بلون الغرق” للكاتب “إيميل سيوران” ؛ لم تطل المدة حتى أتتني الموافقة على الإنظمام للمنصة بتاريخ 15-05-2019 ؛ ومن هناك بدأت رحلة التدوين التي لم تكن سهلة مطلقًا وفي كل مرة أكتب فيها للنقطة شعورين متناقضين أحسهما ؛ بين فخر اللحظة وندم التقصير لا ينفك الشعور الثاني يغيب بين الحين والحين لإنشغالات الحياة التي لا تنتهي ..

في النقطة وجدت نفسي بين أفراد عائلة كونتها روابط إخاء وصداقة وجمعها حب التطوع والسعي للنهوض بالثقافة والحضارة نحو المراتب العليا في شتى الآداب والعلوم والترجمات ؛ روابط لم تكن المسافات يومًا حاجزًا لقطعها بل بالعكس وطدتها وأرست جسورها للاقوى والأكفئ فيجود بعضنا بالوّد على بعض ..

في النقطة لسنا وصايا على ذائقة أحد لكننا نحاول أن نوجهها نحو الأفضل بما نراه قد نخطئ وقد نصيب لكن تبقى دومًا لكل قارئ السلطة الأولى والأخيرة فيما يقرأهُ والحكم على ما نكتب .

ختامًا أتمنى للنقطة الزرقاء وأعضاءها الأوفياء أعوامًا عريضة مليئة بالإنجاز والمعرفة قريبة من كل فنٍ جميل يقدم ويضيف شيء للأرض يمكن أن يقال عنه مرّ وهذا الأثر فالنقطة الزرقاء فكرة والفكرة لا تموت .

بعبارة محرّفة لرسالة كارل ساغان للكون أعتذر منه مسبقًا عليها  : 

“من نقطةِ النظرِ البعيدةِ هذه، قد لا تبدو لمنصات التدوين * أيّةُ أهميةٍ خاصة. ولكن بالنسبةِ لنا الأمرُ مختلف. أعد النّظر لتلك النقطة:

إنّها هنا!

إنّها الوطن!

إنّها نحن!

إنّها نقطة.. نقطتنا.. النقطة الزرقاء.. “ 

اجعل العالم مكانًا أجمل

الصورة الافتراضية
Laib Kaisse
المقالات: 0

اترك ردّاً