تاريخ الإعلام

لـم يـعـد الناس اليوم بحاجة إلى انتظار الرحالة وشذاذ الآفاق وسعاة البريد، ليسمعوا أخبار العالم وما طرأ عليه من تحديث وتغيير، والتعرف على أحوال الشعوب بكل ما يكتنفها من عجائب وغرائب، ولا هم ينتظرون مواسم المهرجانات أو العبادات والأسواق حتى تتناهى إليهم مجريات الأحداث، ويحيطـوا علما بالأمور المستجدة، لقد صارت أصابع الإنسان تنقله إلى حيث شاء من أصقاع الأرض دون أن يبرح مكانه، وتسمعه مستجدات الوصول إلى أطراف الكون، عبر تلفازه أو هاتفه، لكن هذه القفزة التكنولوجية كان دونها حبو طويل، ومشي متعثر لتستقيم لها الخطى وتتقدم كل هذا التقدم.

فقد ولد الإعلام في المجتمعات القديمة على ألسنة الشعراء والأدباء: لسان حال الأمة الذين كانوا يتطايرون بالأخبار إذا ما هي تناهت إلى أسماعهم، لكنه لم يفتأ تخالطه الإضافات وتتلبسه الأساطير، وإذا شئنا التأصيل في هذه المسألة إلى أبعـد غـور في التاريخ، فإنه يمكننا أن نعد نقل الملاحم القديمة كوقائع حرب طروادة وأيام اليونان والفرس والعرب والعجم ضربا من الأخبار، ثم نشـر رسـائل الأنبياء والرسل أخبارا أيضا، بل لقد اعتمد الرسل على الإعلام لإيصال رسالتهم السماوية إلى الخلق، كما لجأ مخالفوهم إلى الإعلام المضاد للتضليل عليهـم والحط من شأنهم، لقد جبل الإنسان على نقل الأخبار.

ولا يقتصر الإعلام على المقروء والمسموع والمرئي فقط، مما يتاح للجماهير الاستفادة منه في حقل الأخبار، بل اتسع المفهوم ليطال كل وسائل جمع المعلومات والأفكار ونقلها وتوصيلها من طرف إلى آخر، بشرط حدوث التفاعل والمشاركة بأي حال من الأحوال عند المستقبل، وقد تطورت باتساع الحقل المعرفي للإنسان بمرور الزمن، فكان للإعلام الريادة في نشر المعلومات والأخبار عابراً الجغرافيا والتاريخ، ومنتقلاً من حضارة إلى أخرى وبيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية إلى غيرها.

ورغم ظهور الكتابة منذ زمـن غـابـر إلا أن أول نقطة ظهور منهجي لما يمكن أن نسميه بوادر الإعلام كانت بظهور الطباعة على يد غوتنبرغ (1338-1468)، التي جعلت الكتابة تقطع أشواطا كبيرة في عملية نقل الأخبار، فقد كانت العامل الحاسم الذي رجح كفة الإعلام المطبوع، على حساب الكتابة اليدوية أو النقل الشفهي، بالإضافة إلى تطور آلة الطبع بسرعة فأصبحت الصحافة المكتوبة أول حامل رسمي لمفهوم الإعلام وتقصي الأنباء، لكنها ظلت على نطاق محدود لا تبرح حـدود أوروبا فيما وصل إلينا، فقد ظهرت أولى الصحف بين سنوات 1597 في و 1605 في بعض أقاليم ألمانيا كأوغسبورغ وفرانكفورت وبرلين، قبل أن يأخذ نطاقها في الاتساع إلى بقية الدول الأوروبية كإنجلترا سنة 1622 فقد كانت صحيفة التايمز تستعمل طابعة بخارية لأول مرة، والتي تطبع 1100 نسخة في الساعة، تلتها فرنسا سنة 1631، حيث أصدرت صحيفة “لاجازيت” La Gazette، ثم إيطاليا في 1636، واحتدمت المنافسة على الوصول إلى أكبر عدد من الطبعات والصحف والمجلات، ومن يستطيع الوصول إلى أبعـد نـطـاق جماهيري وأوسع شريحة مجتمعية.

كان لقيام الثورة الصناعية في أروبا أعظم الأثر على وسائل الإعلام، فسرعان ما تضاعف الطلب على الحاجة إلى الخبر وسرعة وصوله، لتسارع الأحداث وحاجة الناس على اختلاف طبقاتهم إلى الوصول السريع إلى المعلومة، وتزايد نهم المجتمعات الأوروبية -خاصة- للكتب والأخبار المطبوعـة وقـراءة المستجدات أولا بأول، زيادة على تغير منهجية النقل الصحفي، إذ تجاوزت مرحلة النقل الحرفي للأحداث إلى تحليلها ثم التعليق عليها، لتتحول إلى ما يسمى بصحافـة الـرأي، ويتفطـن السـعاة إلى السيطرة إلى هذه القوة الجبارة التي أخذت في الظهور والتنامي، وقدرتها الهائلة على التأثير وصناعـة الـرأي وحتى تغيير القرار، وارتفع عدد الجرائد المطبوعة بارتفاع سرعة الطبع التي وصلت إلى أكثر من عشرة آلاف ورقة في الساعة، عزز ذلك تأثيرها الكبير في الثورة الفرنسية، التي منحت الصحافة الفرصة التي سطع فيها نجمها، وأصبح لها الدور الأبرز في التنسيق بين القادة وبين نقل الأخبار إلى عامة الشعب، لقياس الأصداء الناتجة عن الثورة، بل وتوجيـه الـرأي العـام للشعب إلى الوجهة التي يتطلبها أرباب القرار.

وكذلك الأمر في أمريكا حيث ظهرت أول صحيفة سنة 1690 في بوسطن، وانتشرت الجرائد بعد ذلك كالنار في الهشيم بين طبقات المجتمع الأمريكي وبين المهاجرين خاصة، وواكب تطور الصحافة البحث في أساليب صناعة الورق وجـودة الطباعة وكان هذا تحديدا سنة 1814، حتى بلغ عدد الجرائد في أمريكا وحدها 350 جريدة رغم التضييق وقلة مراكز الطبع، وأثناء حرب أمريكا الأهلية ازداد الطلب على الأخبار بشكل لم يشهد له مثيل، الأمر الذي رفع من شأن الإعلام وأعطاه أهمية أكثر مما كان عليه من قبل، حتى استطاع أن يؤثر على الرأي العام ويقوم بدور محوري في نيل الاستقلال.

وتهافت الفلاسفة والمفكرون والأدباء على استغلال وسائل الإعلام والصحافة المكتوبة، الأمر الذي ساهم بشكل كبير من نقلها إلى دورها التحليلي والتوعوي، وتغيير مصائر الشعوب، خاصة بعد تصدير تأثيرات الثورة الفرنسية إلى بقية أوروبا، ساهم في ذلك اختراع التلغراف سنة 1832، ثم الهاتف سنة 1876، وانطلقت التكنولوجيا الإعلامية لتغير كثيرا من طرق الإعلام والصحافة وزادت حاجة الإنسان إلى مواكبة وسائل الإعلام لنهمـه المعرفي ورغبته في معرفة كل الأخبار التي تحيط به في هذا العالم، ولم يكن التلغراف والهاتف كافيين لإشباع هذا النهم، فتسابق العقل البشري إلى وسيلة تفضي إلى إسدال بساط الصحافة على الكرة الأرضية، فاكتشف غولييلمو ماركوني الموجات الكهرومغناطيسية سنة 1873، وأسس شركة ماركوني التي جسدت الاتصالات اللاسلكية على أرض الواقع سنة 1896، وتوجت جهودها باختراع الراديو سنة 1901، حين أرسل واستقبل ماركوني أول رسالة عبر اللاسلكي، فهرعت الدول إلى إنشاء المحطات الإذاعية، بعد أن أصبحت ضرورة لا مناص منها.

وبدأ تطوير الموجات الهيرتزية للراديو مـن 400 متر إلى 2000 متر ثم لتصـل 3200 كلم عبر المحيط الأطلسي من لندن إلى نيوفونلدلاند، حيث قام ماركوني ببث الإرسال من بيته وكان أول ما بثه حفلة موسيقية، وأما من أمريكا فأول بث كان نتائج الانتخابات الأمريكية، لقد كان حقا انتصارا عظيما للبشرية اختصر عليها آلاف الكيلومترات وأضعاف ذلك من التكاليف والتعـب جـراء نقل المعلومـة مـن قطر إلى آخر، فقامت الحكومة البريطانية، وهيئة البريد تحديدا بتشغيل خدمة بث الراديو رسميا عبر نظـام شـركات BBC، التي وقعت عقد الشراكة مع ماركوني.

تبع ذلك اختراع الكاميرا ليخرج أول فيلم مرئي منقول بالصوت والصورة إلى حيز الوجود سنة 1928، وهنا بدأ حقا عصر سيطرة وسائل الإعلام، فقد انتشر الراديو والتلفزيون بين الناس وشد إليـه جماهيره وأصبح فتنة لها عظيم التأثير على عقولهم ونفوسهم، إلا أن الإعلام لم يقف عند هذا الحد، بل أخذ يتوسع ليشمل كل وسيلة يمكن أن تستهدف جمهورا معينا لتوصيل معلومة محددة، وكانت حقبة الثلاثينات إلى الخمسينات من القرن الماضي، العصر الذهبي للتلفزيون بعـد أن دشنت إنجلترا خدمة البث التلفزيوني المنتظم سنة 1936، عن طريق هيئة الإذاعة البريطانية BBC، التي كانت تقدم خدمة التصوير الحي حتى من خارج الأستوديوهات، تلتها ألمانيـا ثـم فرنسا، وتنافست الشركات الأمريكية ABC وNBC CBS على التغطية السياسية للأحداث في أمريكا خاصة، سنة 1952 ليظهر حقا دور التلفزيون في توجيه جون كينيدي إلى البيت الأبيض على حساب ريتشارد نيكسون.

وقد ازداد التسابق في مجال الفضاء شهية الإعلام إلى استغلال الأقمار الصناعية لربط شبكة متكاملة من وسائل الإعلام المرئية والقنوات الفضائية منذ إطلاق أول قمر صناعي سنة 1957، من قبل الاتحاد السوفياتي، وارسال محطة موسكو أول بث لبرامجها فضائيا إلى العالم كله، بعد دخول الإعلام عصر الأقمار الصناعية.

وبعـد انتشار الإنترنت أصبح الإعلام الآن إعلاماً متعدد الوسائط، يستغل كل طريقة وأداة مهما بدت للجمهور ساذجة وبسيطة؛ الصوت والصورة والكتابة والنص والرسم والعمران واللغة والتقنية والبث الرقمي والحاسوب والإنترنت، ليصنع إعلاما مكثفا يبتغي التأثير والإبهار، منذ تصميم أول موقع ويب سنة 1990، الذي تضمن معلومات عن حكاية إنشائه، حتى قبل أن يضع مركز CERN الويب قيد الاستعمال العالمي سنة 1993، وتبدأ شركات برامج الحاسوب بتطوير المتصفحات كالفايرفوكس والكروم، وتطوير آليات البحث مثل غوغل وألتافيستا وياهـو، وأصبح بمقدور كل إنسان استخدامها، ولم يعد نشر المعلومة حكراً على جهات معينة، أو خدمة لتيار أو توجـه فـكـري معين، وحتى سياسة دولية، لكـن القـوة التأثيرية ما تزال ممتكلة بيد الدول الكبرى والشركات العظمى، رغم توغل الإعلام عبر كل هذه الوسائط، ودخوله إلى حياة البشر حتى لم يعد يتصور الإنسان حياته من دونه.

الصورة الافتراضية
عبد السلام لوبار
المقالات: 0

اترك ردّاً