حوار مع معاذ بني عامر 

 من ضيق الذاتية الانحصارية إلى رحابة الكونية المنفتحة، بحثا عن عصر أنوار أخلاقي جديد.

نقف في هذا الحوار مع الكاتب والمفكر الأردني والعربي معاذ بني عامر على أفقٍ مشرّع على كلّ الأسئلة الوجودية والمعرفية القلقة، أفقٌ تعددّي في استيعاب أدوات المعرفة الإنسانية والرؤى الحضارية بعيدا عن منطق الثنائيات الانحصارية بين “النحن” و”الهم”. ومن دون أيّ نزعة للتشبّث بتخوم جغرافية أو ثقافية معينة في استلهام مشاريع أجوبة تليق بالراهن والمستقبل، يتنزّل حوارنا هذا مع الأستاذ معاذ بني عامر حول إشكالات العنف والحرية والجسد والدين والحداثة والسياسة، في مسعى لتفكيك صلة هذه المفاهيم بالعنف ومآزق الممارسات المعرفية والوجودية للإنسان العربي/الكوني المعاصر، على أملِ اختراع هويّات ومنظورات وجودية صحّية وصحيحة ترتّق هشاشة الوجود البشري في القرن الواحد والعشرين.

نشكركم أستاذنا القدير معاذ بني عامر على رحابة صدركم وجميل قبولكم إجراء هذا الحوار مع مجلّة النقطة الزرقاء، في مسعى لتقليب أوجه الإمكان المطموسة حول إشكالات الدين والحداثة وأسئلة العنف والسياسة والحريّة.

تحية لكم ولمجلتكم. راجيًا لكم ولها مزيد تقدِّمٍ وازدهارٍ.

1-مبدئيا، يلاحظ من يقف على دراساتكم ومقالاتكم أنّها تحملُ همّ قلق السؤال أكثر من التبشير بوعود الإجابات الناجزة، وترتاح لحيرة البحث ولا تطمئنّ ليقين الإجابات النهائية الساكنة، بل وتغامر في ولوج تخوم مناطق محرّمة في المخيال الثقافي العربي/الإسلامي، ونقصد بذلك أساسا مسعاكم البحثي في استفزاز ومناوشة أسئلة من قبيل “حقيقة” الله، طبيعة النصوص الدينية، وعود العلمانية، الجسد، الحريّة..الخ، ما الذي حملكم على هذا الخيار البحثي موضوعا، ومنهجا بالانتقال من التفكير الإلهي المحور إلى التفكير الإنسانيّ المدار؟

المَسْعَى المعرفي لا ينسجم ومقتضيات الاستفزاز. الاستفزاز منزع ثأري تضطلعُ به (ذاتٌ و/أو جماعة) تبحث عن الانتقام وتصفية الحسابات مع مَنْ تعتبرهم خصومًا لها، وهي إذ تُخاصم –والحالة هذه- فإنّ الخصام يأخذ طابع الفُجور. وفي ظلّ حالة التذابح الآيديولوجي في العالَم العربي تفرض –للأسف- حالة من الاستفزاز سطوتها وسلطتها على مسلكيات الناس –بشكلٍ عام- العالِم منهم والجاهل؛ الحاكم والمحكوم…إلخ.

المَسْعَى المعرفي يمكن أن يتجسد –وهذا ما أتمثَّلَهُ في رحلتي المعرفية- عبر ثلاث مهام رئيسية:

  1. تدريب العقل.
  2. تطهير القلب.
  3. تربية البصر وتهذيب البصيرة.

الأولى أو تدريب العقل ترتقي بالإنسان من مرحلة الخلية الأولى إلى مرحلة بسط السيطرة على العالَم. والثانية أو تطهير القلب ترتقي بالإنسان من مرحلة الغرائز الحيوانية إلى مرحلة الكائن الأخلاقي. والثالثة أو تربية البصر وتهذيب البصيرة ترتقي بالإنسان من مرحلة التبلِّد اليومي إلى مرحلة الدَّهشةِ الأبدية.

الأولى برسم المُدَّونـة العقليـة، وقدرة الإنسان على إعمال عقله –بعد أن يبذل أقصى جهده في تحصيل العلوم والمعارف- في العالَم. والثانية برسم المُدَّونـة الأخلاقيـة وقدرته على ضبط العلاقة بين العقل والعالَم. والثالثة برسم المُدَّونـة الجَمَاليـة واستشراف ما في العالَم من جمال عبر تفعيل دور البصر والبصيرة.

المُدَّونة العقلية قد تُبقي على الإنسان ضمن نطاق المقولة الفلسفية “الإنسان حيوان عاقل”، أي أنّ إعماله لعقله في مادة العالَم قد يخضع لنزواتٍ وحشيةٍ تُفضي إلى تدميره. والآن في عالمنا المعاصر –عقب نتاجات معرفية وعلمية هائلة- نشهد حالة مُرعبة من توحّش العقل وقدرته على الفتك بكل ما هو موجود من أشياء وأفكار وأشخاص. فأداة العقل التي انتقل الإنسان بموجبها من مرحلة الحيونة إلى مرحلة الأنسنة تعود به القهقرى إلى زمن مُوحش ومتوحش.

لذا فتدريب العقل بحاجةٍ من ثمَّ إلى تطهيرٍ للقلب، لكي لا يبقى الإنسان يُراوح في مقولة “الإنسان حيوان عاقل”، بل أن ينتقل نقلة كبرى إلى المقولة الأنطولوجيّة “الإنسان كائن رحيم”. فحالة العقلنة غير كافية لإنتاج سياق تواصلي، تفاعلي، تشاركي، بطريقة إيجابية بين بني البشر. بل لا بُدَّ من صقلِ تلكَ العقلنة أخلاقيًا، لكي تتحوّل المعارف والعلوم التي يُنتجها العقل من إطارها العمودي إذ يركب الناس على أكتاف بعضهم البعض، إلى سياقها الأفقي إذ يسيرون جنبًا إلى جنب لتحقيق مشروعهم الحضاري. فتلك المُنتجات ليس لسيطرة بعض الناس على كل الناس من جهة، وليس لإهلاك الناس من جهة ثانية، بل هي لخدمة الإنسان والإعلاء من وجوده القيمي في هذا العالم.

ولكي تكتمل مسيرة الإنسان في أداء مهامه، لا بُدَّ له من تمرينٍ وجودي كبير على مُعاينة الجَمَال المبثوث في الوجود، من صُغريات الأشياء إلى كُبرياتها. وهذا التمرين لن يتأتّ إلا عبر تربية للبصر، فالعيون عليها أن تكون نظيفة لكي لا (يدخل/ يخرج) منها إلا ما هو جميل. ويقينًا لن تستقيم حالة تربية البصر إلا بتهذيبٍ مُسبق للبصيرة، فالبصر الذي ينطلق ليرى العالَم الخارجي جميلًا لن يراه كذلك إلا إذا كانت بصيرته نظيفة على المستوى الداخلي. فالمُعالجات لرؤية (الأشياء/ الأفكار/ الأشخاص) رؤية جمالية، إذا لم تكن معالجات جوهرية وأساسية سيصيبها التشوّه ساعة نُعاين (شيئًا/ فكرة/ شخصًا) لا نتفّق معه في المُنطلق أو المآل الوجودي. فمن مُتمّمات دربة العقل وطهارة القلب تربيةً للبصر وتهذيبًا للبصيرة، فهذه الثلاثية كفيلة بختم سلسلة الوجود الإنساني ختمة يبتدئ منها الإنسان في أداء مهامه لإعمار هذا الكون إعمارًا يليق به ككائن: معرفي/ أخلاقي/ جمالي، دون إجحاف في أيِّ ضلعٍ من أضلاع هذا المثلث العريق.

بإزاء هذه المَهام قد تحدث انجرافات كبيرة لمقاماتٍ ومقالاتٍ ثابتة وراسخة في أذهان الناس منذ أزمان طويلة. رغم أن مُنطلقاتها إبيستمولوجية تسعى إلى بلورة الحقيقة، وليست مُنطلقات سيكولوجية تسعى للثأر والانتقام.

2- بالحديث عن الجسد والجنس والحريّة، يعيشُ جسدُ العربي/المسلم- باختلاف التوجهات السياسية والأيديولوجية للبلاد التي يعيش فيها- عنفا ماديا ورمزيا مزدوجا، عنفٌ تمارسه الترسانة الإعلامية بما تفرضه من خيارات ذوقية ورغائبية تجعل من الجسد سلعة تسويقية من جهة، ومن جهة أخرى، عنف يمارسه المجتمع وبعض مؤسساته الدينية والسياسية التي تحاولُ فرض وصايتها على حدود حريّة الجسد ورغباته (فرض النقاب في أفغانستان، ختان الإناث في السودان الذي ما زال مستمرا رغم تجريمه قانونيا، حظر النقاب في الفضاء العمومي في تونس، حظر الحجاب في أماكن العمل من طرف المحكمة الأوروبية…الخ)، برأيكم كيف يمكن إيجاد علاقة صحّية وسليمة للعربي/المسلم فيما يخص حريّة جسده في ظلّ هذه الإكراهات المجتمعية والسياسية؟

لحظة الخَتْن لحظة هائلة في المخيال العربي/ الإسلامي فمنذ اللحظات الأولى لوجود الإنسان في هذا العالَم تخضع أشدّ مناطق جسده حميميةً للمراقبة الشديدة بغرض بترها. حدث البتر هذا ليس مقصودًا بذاته، بقدر دلالاته اللاحقة. فالبتر الجسدي حدث معنوي أكثر منه حدثًا ماديًا، نظرًا لتعالقاته مع كل ما يصدر من جسد أو عقل الإنسان في العالَم العربي، إذ يخضع كل ما يصدر عنه لأنظمة مُراقبة شديدة، لكي تبقى ضمن دائرة المُتفَّق عليه؛ وأيّ خروج على حالة الاتفَّاق القائمة يتم بتره فورًا.

3- بالحديث عن الدين، يجمعُ البحّاثة في حقل تاريخ الأديان على أن الديانات البدائية اتّسمت بقدرٍ من التسامح مع ما شاكَلها أو خالفها من التجارب الدينية، عكس الأديان الشمولية (الإسلام، المسيحية، اليهودية) التي لم تسلم – في العموم – من توظيف الدين وقوّته المقدّسة في تعنيف الأغيار لبسط حقيقتها عليهم، فهل تفسّرون ذلك بأن تحويل الدين من آفاق التجربة الروحية إلى نزعة شمولية سياسية نظير ما وقع في عهد الإمبراطورية الإسلامية الأموية والعباسية يدفعه ليستحيل مجرّد ممارسات إجرائية عنيفة هدفها اغتنام مكاسب مادية ورمزية، أم أنّ للمسألة أبعادا أعمق من ذلك؟

ثلاث عقليات يقوم عليها الدِّين التوحيدي:

العقلية الوثوقيّة: وهي عقلية معيارية لا ترى في نفسها نوعا من الخُلاصة المعرفيّة فحسب، بل والخَلاص الأنطولوجي أيضًا.

العقلية التلفيقية: وهي عقلية تقعيدية تُمَفْهِم –في الاجتماع السياسي- الفكرة المعيارية التي اصطلحت عليها العقلية الوثوقية.

العقلية الاستئصالية: وهي عقلية أداتيِّة تُشْرِف على تطبيق الدِّين كما اصطلحت عليه العقلية التلفيقية. أو القوّة العضلية التي تبطش بكل من لا يتفّق اتفاقًا تامًا مع التقعيد المفاهيمي الذي اجترحته العقلية التلفيقية لصوابيات العقلية الوثوقية.

الدِّين التوحيدي، يصطلح –ابتداءً- على مُؤَسِّسٍ يرى في دينهِ الجديد نقطة قصوى في الوجود الإنساني، لذا ينبغي السعي الحثيث لهذه النقطة لغاية النجاة في الزمنين: الفيزيقي والميتافيزيقي.

ولكي يُثبِّت الدِّين التوحيدي اصطلاحه على صوابيته المُطْلَقة، فإنه يُنشئ شبكتين من:

  1. الأشخاص. 2. المفاهيم.

ولغاية نشأة هاتين الشبكتين، ينبغي على المُؤسِّس أنْ يموت، لكي يستأثر الأشخاص بـ تَرِكَتِهِ الدِّينية.

السؤال: كيف يستحوذ مجموعة من الأشخاص على تَرِكَةِ المُؤَسِّس؟

مع وفاة المُؤّسِّس للدِّين التوحيدي، ينشأ خلاف كبير على تَرِكَتِهِ الدِّينية، وبإزاء هذا الخلاف تتعدَّد الآراء وتختلف في التعامل مع تلك التَرِكَة. وشيئًا فشيئًا تبرز مجموعة من الأشخاص ومعهم تبرز حزمة من المفاهيم تستأثر بتلك التَرِكَة أكثر من غيرها. مع هذا البروز –لا سيما ساعة اقتران ذلك البروز بالقوة الشرطية أو العسكرية- تبدأ الآراء العديدة بالانحسار والتقهقر، وبالتقادم تأخذ الأفكار طابعًا أُحاديًا؛ تحديدًأ أفكار الفرقة الأقوى، بصرف النظر عن قوة أفكارها أو تهافتها.

شبكة المفاهيم تُشكِّل الدَّعامة الفوقية للرؤية الأحادية لِتَرِكَة المُؤَسِّس الميت، وشبكة الأشخاص تُشكِّل الدَّعامة التحتية للرؤية الأحادية لِتَرِكَة المُؤَسِّس الميت. ومع تضخّم شبكتي: المفاهيم والأشخاص وتُوسِّع سُلطتيهما في الاجتماع السياسي، تتحوّل الأولى إلى قوانين ناظمة يحتكم إليها المُتدينون وغير المُتدينون –طوعًا وكرهًا- في رؤيتهم للعالَم، وتتحوّل الثانية إلى قوةٍ مُنفذّة لتلك القوانين.

شبكة المفاهيم تختم المعارف الدِّينية ومعها تختن العقول، وشبكة الأشخاص تُمْسِك المقصّ الَّذِي يتوَّلى عمليات بتر العقول وفقًا لمواضعاته الأخيرة للدِّين. وفقًا لشبكة المفاهيم تُصاغ القوانين لعلاقة الإنسان بإله الدِّين التوحيدي، ووفقًا لشبكة الأشخاص يتم إنشاء قوى البوليس التي تُشرف إشرافًا مقترنًا بالعنف على العلاقة الناظمة للإنسان بالإله الذي ارتضه شبكه المفاهيم.

مع الدِّين التوحيدي، يتوسَّطَ المُؤَسِّس –في المرة الأولى- العلاقة الروحيّة بين الكائن الفاني في الزمن والكائن المنشود في الأبد. وفي المرحلة الثانية يتوسَّط ورثة المُؤَسِّس تلك العلاقة، لذا لم يكن ثمة تسامح –كما في الأديان الوثنية أو الأرضيّة- في مَظْهَرَةِ تلك العلاقة الرَّوحية، لارتباطها –أعني تلك العلاقة- بجُملةٍ من المصالح السيكولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والآيديولوجية للحُرَّاس أو للورثة، بل ثمة قسوة هائلة لكُلِّ من لا يتمثَّل علاقة الأرض بالسماء كما صاغت نسختها الأخيرة الفئة أو الجماعة التي استحوذت على تَرِكَة المُؤسِّس للدِّين التوحيدي.

4-يربط عديد البحاثة الحداثيين مسألة العنف بالدين وطاقته المقّدّسة غير العقلانية حصرا، أوليس للحداثة والعلمانية أيضا أساطيرها ومقدّساتها وانتهاكاتها وممارساتها العنيفة ضدِّ أيِّ خطرٍ يهدّد كيان الدولة التي حلّت محلّ الإله ؟ وكيف تفسّرون أن شطرًا كبيرا من العلمانيين العرب تحالف مع أنظمة العسكر في البلاد العربية من أجل ضرب معاقل الإسلاميين؟

بالنسبة للشطر الأول من السؤال:

للحدَّاثةِ وحوشها أيضًا، فالبشرية –بما فيها الغرب مرحلة ما بعد عصر الأنوار- ما زالت تحت وصاية المقولة الفلسفية: “الإنسان حيوان عاقل”، ولمَّا تنتقل بَعْدُ إلى المقولة الأنطولوجية: الإنسان كائن رحيم. الانتقال بحاجةٍ إلى عصر أنوار على المستوى الأخلاقي كما ذكرتُ في إجابة على سؤالٍ آخر هَاهُنا.

الأخطر من كون البشرية أنها ما زالت تحت وصاية مقولة: “الإنسان حيوان عاقل”، أنها تستخدم الأداة ( = أداة العقل) التي انتقلت بموجبها من مرحلة الحيونة إلى مرحلة الأنسنة، لتبرير التوحّش الإنساني، بما يجعل من الحيوانية الإنسانية حيوانية فائقة الجودة والمواصفات!

وبالنسبة للشطر الثاني من السؤال:

العَلْمَنةُ كما أفهمها هي إعمالٌ للعقل في مادةِ العالَم –وإرفاق ذلك بمُدونةٍ أخلاقيِّة- مِنْ صُغرياته إلى كُبرياته، مما هو مسطور في النصوص –أيًّا كانت هذه النصوص- إلى ما هو مبثوث في الأكوان. وهذا مسار معرفي عظيم، يكاد يكون مفقودًا في العالَم العربي. لذا فلا تعويل على أن ثمة تعاونًا بين من يُطلقون على أنفسهم (علمانيين) في العالَم العربي وبين العسكر، فالمعادلة غير صحيحة ابتداءً.

المُشْكِل الأساسي في العالَم العربي هو في الإنسان ذاته، أيًّا كانت مرجعياته، فهو بحاجةٍ إلى ترميم عاجل. فعلى يديه –ضمن أي تحالفات يقيمها- تُهان: 1- الأشياء. 2- الأشخاص. 3- الأفكار.

في إهانة الأشياء تنحطّ قيمة أبصارنا ومُدوناتنا الجمالية. وفي إهانة الأشخاص تنحطّ قيمة ضمائرنا ومُدوناتنا الأخلاقيّة. وفي إهانة الأفكار تنحطّ قيمة عقولنا ومُدوناتنا المعرفية.

العلاج، قد يكون مُتاحًا –إضافة إلى علاجات وطبابات يمكن أن يقترحها أيّ أحدٍ آخر- كما طرحته ساعة أجبتُ على السؤال الأول في هذه الحوارية.

5- في سياق ذي صلة، يكشف استقراء تاريخ النوع البشري طبيعته العنيفة، ما يعزّز فرضية أن العنف معطى أنثروبولوجي وبنية قارة في التجربة الإنسانية. وعليه، كيف يمكن الانتقال من منطق الاحتراب إلى منطق الاعتراف بالاختلاف وتضافر الجهود بين مختلف العوائل الروحية من أجل عالم إنساني أفضل؟ أمّ أن هذا المطمح يبقى عصيّا على التنظير والتطبيق مستقبلا؟

افترضُ أنَّ العالَم بحاجةٍ إلى عصر أنوار جديد على المستوى الأخلاقي، موازٍ تمامًا لعصر أنوار جديد على المستوى العقلي. فعصر الأنوار الأخير عصرٌ ينطوي على نقصٍ حادّ في أساساته الأخلاقيّة، لم تستطع أن تكبح جماح وحشيته المُفرطة، لا سيما مع التطبيقات العلمية الحديثة، التي قد لا تُدمّر البشر فحسب، بل وتستنزف موارد الكوكب أيضًا.

جزءٌ من التنظير لهذا العصر الأخلاقي الجديد، اشتغلتُ على بعضٍ منه في كتابي (الإنسان الفيلسوف: عن أسئلة الأطفال وإجابا ت الحكماء) وهي كتاب صدر للتوِّ عن وزارة الثقافة الأردنية. والبعضُ الآخر اشتغلُ عليه في كتابي (التفلسف الحضاري: إعادة إنتاج العالَم)، وهو كتاب برسم الصدور مستقبلًا.

بموازاة ذلك، نعم ثمة تنظيرات عديدة –لكنها يقينيًا بحاجةٍ إلى مزيد من التراكمات والتدَّوال لكي تُؤتي أكلها- يمكنني أن اقترح بعضها هَهُنا:

  1. الحكمة القديمة والعالَم الحديث لـ “الدلاي لاما”. يُحاجج الدلاي لاما في كتابه هذا بضرورة التأسيس لأخلاق عالمية تسعى إلى بثِّ ثقافة المحبة والتسامح بين بني البشر.
  2.  الغفران الصعب/ وهو أحد أفضل فصول كتاب (التاريخ- الذاكرة- النسيان) لـ “بول ريكور”. فالذاكرة المُثقلة بالتاريخ الدَّموي ستجدُ صعوبةً إذ تُريد أن تتحقّق في الغفران النابع من إرادةٍ حقيقية، لكن أيّ عمل أنبل من أنْ يتجاوز الإنسان ثقل ذاكرته التاريخية المُثقلة بالدِّماء والآلام لأجل مستقبله الأخلاقي؟
  3. الذكاء العاطفي لـ “دانييل جولمان”. وهو كتاب عن الإيثار والعطاء والفداء، بما يجعل من تحقِّق الإنسان تحقّقًا إيجابيًا في هذا العالَم مشروطًا بخيريته تجاه الآخرين.
  4.  الهندي المُولع بالحجاج: كتابات عن تاريخ الهند وثقافتها وهويتها لـ “إمارتيا صن”. في كتابه هذا يُضيّق إمارتيا صن الخلافات المُدمّرة بين الشعوب إلى حدودها القصوى، ويُوسّع الاختلافات المُثمرة إلى حدودها القصوى أيضًا.
  5.  ثلاثة أكواب من الشاي لـ “جريغ موتنسون و ديفيد أوليفر ريلين”. وهو كتاب مُميِّز عن إصرار الإنسان وعناده الإيجابي في إنجاز مشروع تعليمي سينقذ أرواحًا كثيرة في القرى الواقعة على سفوح الهيملايا.
  6.  الساعة الخامسة والعشرون لـ “قسطنطين جوجيو”. هذه الرواية بمثابة الوثيقة الأخلاقية التي أسّست لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أو المُدونة التي كبحت جماح الوحش الضاري الذي فتك بأوروبا في النصف الأول من القرن العشرين. أو هي وثيقة إنسانية انتصر فيها “موتينز” بطل الرواية على “فاوست” “غوته”، أو انتصرت فيها المحبّة التي على الروح الشريرة.
  7.  السيد إبراهيم وزهور القرآن لـ “إريك إيمانويل شميدت”. وهي رواية بديعة تُعيد الاعتبار للإرث الصوفي الإسلامي بما هو إرث عابر للثقافات بما فيها الثقافة الغربية التي تقاطعت معها على خطوط التماس لقرونٍ طويلة.
  8. الجريمة والعقاب لـ “دوستويفسكي”. فالجريمة التي ارتكبها راسكنولنكوف كانت عظيمة، لكن العقوبة التي وقعت عليه كانت أعظم، لأنها انطلقت من ضميره الأخلاقي أصلًا.
  9. الإنسان يبحث عن معنى لـ “فكتور فرانكل”. وسط آلام جسام تعرّض لها فرانكل في  المعتقلات بقي يُنادي بالمحبّة، فهي أعظم إنجاز بشري في هذا العالَم. أو أرقى شيء يُمكن للإنسان أن يُناضل من أجله، حتى في أشدِّ لحظات تعرِّضه لشرور الآخرين.
  10. الهجرة إلى الإنسانية لـ “فتحي المسكيني”. ميزة الطَّرح الذي يطرحه فتحي المسكيني في كتابه هذا هو انحيازه لكلِّ ما هو إيجابي في كل الأعمال أو الأحداث التي يتناولها في كتابه.
  11. الكُفَّار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام لـ “أندرو هويتكروفت”. فهو كتاب مفتاحي لكثيرٍ من الأسئلة الإيجابية التي يُمكن أن تُطرح وسط حقلٍ من العلاقات السَّلبية بين الإسلام والمسيحية.
  12. التحوَّل الكبير: بداية تقاليدنا الدِّينية لـ “كارين آرمسترونغ”. ففيه تستبصر الكاتبة ما تنطوي عليه تقاليدنا الدينية التي أسسها أسلافنا من إمكانٍ يُثبت خيرية الإنسان وقدرته على المحبة، رغم ما يعتورها في زمننا الحاضر من ممارسات وحشية.

… والقائمة تطول. فمن هذه الحجارة الصغيرة ومثيلاتها –وإنْ كانت عزيزة ونادرة على مستوى العالَم- يُمكن الشروع في بناء عصر أخلاقي جديد، يحدّ بشكلٍ جذري من مورّثاتنا البيولوجية والثقافية التي تطغى على حياتنا وتحوّلنا في اللحظات الحرجة إلى وحوشٍ ضاريةٍ تفتك ببعضها البعض.

6- هل يمكن التعويل على التأويل (الهرمنيوطيقا) بوصفه انفتاحا رحبا على ممكنات النصوص الدينية التي تمّ طمسها وحجبها بفعل قوى تحتكر رمزيا مشروعية الحقيقة وتسخّرها لصالحها، واعتباره استراتيجية جذريةّ في تحقيق سؤال الإصلاح؟ أم أنّ للتأويل حدوده المرسّمة قبليا بحدود النصوص الدينية ذاتها؟

إذا تمَّ استخدام التأويل كأداةٍ معرفية تَنظرُ إلى النصِّ الدِّيني كجزءٍ من المعرفة الإنسانية وليس الحقيقة النهائية للمعارف كما هي مُتجسدة في الدِّين، ساعتها سيُفْضِي التأويل إلى نتائج مهمة على مستوى الحقيقة.

مع اعتبار النصّ حقيقة نهائية يقينًا سيضع المُؤوِّل شروطًا على مسألة التأويل له ولغيره، فهو إذ يضع الضوابط فكي لا تتم مناقشة أصول الدِّين معرفيًا، على أساس أن الدِّين بالنسبة إليه نسقًا هَوَوَّيًّا أكثر منه سؤالًا معرفيًا.

أما مع اعتبار النصّ جزءًا من الحقيقة المعرفية، فيقينًا ساعتها سيُؤتي التأويل بثماره ويفتح آفاقًا جديدة للدِّين على المستويين الفردي والجمعي.

7- يعيشُ العربي اليوم في ظل ثقافة الكتاب المقدس الوحيد، الطائفة الوحيدة الناجية، الحزب الشرعي الوحيد، برأيكم كيف يمكن الخروج من منطق الأحادية والأنا المفردة المنغلقة على ذاتها، إلى منطق التعددية والاعتراف بالاختلاف والدخول في حوارٍ مثمر ومنفتح مع الآخر المختلف داخليا أو خارجيا؟

في هذا المقام يُمكنني أن اقترح سُباعية تُساهم في نقل الإنسان العربي نقلات كبيرة في مسيرة حياته، تقوم على جُملةٍ من الاحتياجات يمكن تمثّلها كالآتي:

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة الأولى- أن ينتقل من مرحلة (الثقافة المعرفية) الصرفة، كما هي مُدونّة في الكتب حصرًا، إلى مرحلة (الوعي الكوني)؛ إدخال الكون إلى الذات، وإخراج الذات إلى الكون. من عالَم ما تحت الذرة إلى عالَم ما فوق المجرة؛ من خلايا البروتوبلازما إلى الملكات العقلية، أو إحداث تواصل حقيقي وحميمي بين ثُلاثية: 1- الأشياء. 2- الأشخاص. 3- الأفكار. بما يستلزم تفعيلًا لما هو جمالي وأخلاقي ومعرفي ودمجمهما في سياقات فاعلة.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –مرة ثانية- إلى الانتقال من مرحلة اليقينيات المعرفية المُتجسدَّة في نظامٍ معرفي بعينه، إلى مرحلة النُتَف الصغيرة القادرة على تشكيل مُنمنمة العقل اللانهائي:

قصيدة من شعر أجداده القدامى/ حِكمةً من الطاو الصيني/ شذرةً من ملحمة جلجامش/ خُلاصةً من الحِكم الهيراقليطيسية/ قصةً من قصص ألف ليلة وليلة/ عِبرةً من الكاماسوترا الهندي/ قطعةً من أناشيد طاغور/ قصيدة من الهايكو الياباني/ إيمانًا من إلحاد إيفان كارامازوف/ شكًّا من إيمانيات النبي إبراهيم/ لذة من عرفانيات ابن الفارض/ حماسًا من مغامرات توم سوير/ دافعية للحياة من مآسي نيلسون مانديلا في مذكراته/ بساطةً من حياة سقراط/ إعلاءً للعقل مع أسبينوزا/ قصة من قصص الهنود الحمر/ مقطعًا من ألواح سومر/ فقرة من كتاب الموتى الفرعوني/ فصلًا من رواية جنرال الجيش الميت لإسماعيل كادريه/ ابتهالًا من كتاب أجراس المعبد الذهبي السيخي/ تأويلًا من شطحات ابن عربي/ هندسة العقل مع منطق أرسطو/ شطرًا من تاريخ هيرودوت/ فقرة من فلسفة الحكيم سينيكا… إلخ.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة الثالثة- إلى:

استحضار شغف الفراعنة بالجمال الكوني وهم يبنون الأهرامات/ صبر اليمنيين وهم يطوّرون سدّ مأرب/ عبقرية الأنباط وهم ينحتون البتراء/ مثابرة السومريين وهم ينتقلون بالحضارة نقلة كبيرة من مجتمعات الرعي والصيد إلى مجتمعات الري والزراعة/ متانة الألمان وهم يصنعون المعدّات الثقيلة/ دقّة اليابانيين وهم يصنعون الآلات الدقيقة/ ذوق الإيطاليين الجمالي…إلخ.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة الرابعة- إلى:

الانتقال من الرحم الأمومي إلى الرحم الكوني:

تجاوز محنة شرطه البيولوجي –للتحقِّق في الرَّحِم الكوني- الذي يموقعه في أسرة صغيرة، وذلك بالانتقال إلى شرطه الوجودي، فهو سليل الإنسانية جمعاء، وهو أكبر مُعبِّر عن طموحاتها وآلامها وأحلامها. وتجاوز محنة شرطه الاجتماعي والانفتاح على المجتمع الإنساني ككل. وتجاوز محنة شرطه الأيدلوجي بالانفتاح على الأنساق الأيدلوجية وصهر مضامينها في متن جديد قادر على استيعاب الكل. وتجاوز محنه شرطه العقائدي بالانفتاح على العقائد الأخرى، والبحث عن الشغف الميتافيزيقي لدى الإنسان على إطلاقه، الإنسان الذي أرقّه سؤال المعنى والخلود والأبدية. وتجاوز محنة شرطه الوطني بالانفتاح على الأوطان الأخرى وتبصّر أماكنها وأزمنتها كما يتبصَّر أماكن وطنه وأزمانه. وتجاوز محنة شرطه القومي بالانفتاح على القوميات الأخرى واستشراف مآثرها كما يستشرف مآثر قوميته…إلخ.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة الخامسة- إلى:

الانفتاح على الوجود والموجودات والتحقّق في الجمال الحسّي والمعرفي، وتفجير مَلَكتي: 1- البصيرة في استشراف معالم الوجود: ما جدوى الوجود في هذا العالَم؟ ولماذا هذا الوجود تحديداً؟ ولم أنا بالذات؟. من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون؟. أين حدود هذا العالَم، وإلى أين يمكن أن يصل؟ ما وراء هذا العالم؟. و 2- البصر في استشراف معالم الموجودات: تأمّل شروق الشمس وهي تشقشق في الصباحات الضبابية الباكرة، الاستمتاع بالموسيقى، التغنّي بالإبداع أيًا كانت مواضعاته، إمتاع الحسّ والعقل في تأمل المنحوتة الإنسانية المتجسدة في الذكور والإناث، تبصّر التماثيل والمنحوتات والمُجسمّات، مُعاينة الجماليات في النصوص المعرفية، وتحسّس المعارف المتموضعة في الفنون الجميلة والمشاهد الكونية…إلخ.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة السادسة- إلى:

الإنصات لصوت الضمير بدلًا من الطرب لصوت الرصاص، في انتصار أخير للأخلاق الإنسانية على الغرائز الوحشية.

مراقبة أنامل الأطفال الصغار وتجاعيد كبار السنّ، لتذكير الإنسان بمآلاته الضعيفة حتى وهو في أوج قوته.

تأمّل أمل الولادة وألم الموت، لغاية الانتصار للحياة الإنسانية والعمل على إيجاد الحلول الناجعة لـ آلامها.

الإعلاء من شأن التأنِّي المُثمر على حساب الغضب المُتسرّع.

الانتقال من مرحلة النقد السيكولوجي الذي ينتصر للثارات النفسية؛ إلى مرحلة النقد المعرفي الذي يُمهِّد لأطروحة التفلسف الحضاري.

الإعلاء من شأن الشكّ الفردي على حساب اليقين الجمعي.

الانتقال من الثبات الديني إلى الجدل الدنيوي.

التواشج بين المؤمنين والملحدين في وشيجة إنسانية، لا في قطيعة إيمانية/ تكفيرية.

التلاحم بين الرجال والنساء برابطة إنسانية رحمانية، لا بتوترّات سيكولوجية ومطالبات قانونية.

التواصل بين الطائفيين تواصلًا زمانيًا، لا تواصلًا أخرويًا.

التحاور بين الأيديولوجيين حوارًا اجتماعيًا، لا حوارًا سياسيًا.

استحضار ناموس الرَّحمة، لا الوحش الضاري أثناء التعامل مع الناس…إلخ.

أحوج ما يكون الإنسان العربي –في المرة السابعة- إلى:

التمدّد أفقيًا –كتجلٍّ أكبر- والتواصل مع الكائنات جميعها عبر بناء أخلاقي مُتنامٍ؛ والعروج –كتجلٍّ أصغر- عموديًا والتواصل بالقوة اللامتناهية بالعلم والمعرفة.

8- أخيرا، بوصفكم أحد أبرز البحّاثة العرب حيويّة في حقل الفكر الفلسفي، كيف تنظرون إلى مستقبل النخبِ الشابّة المثقفة في البلاد العربية، وما هي توصياتكم للجيل الجديد من الباحثين من أجل ترسيخ فكرٍ تنويري خليق باختراع مشاريع أجوبة تليق بهويّتهم، وتنسجم وسقف المعرفة البشرية المعاصرة؟

يقينًا أننا ذاهبون ناحية الأفضل: 1- جماليًا. 2- أخلاقيًا. 3- معرفيًا؛ وعلاقة هذه الثُلاثية بثُلاثية: 1- الأشياء. 2- الأشخاص. 3- الأفكار. هذا ما يفرضه المنطق الحضاري، فعقب قرن ونيِّف من عصر النهضة العربي، ثمة جيل جديد ينطوي على إمكان كبير، لا شكَّ أنَّهُ سيُفْضِي إلى ما هو أفضل على كافة الصُعد، رغم الإحباطات السياسية الكبيرة التي تتعرَّض لها منطقتنا.

التفاؤل جزء من مشروع التفلسف الحضاري، فـجزءٌ من (قيام/ انهيار) الأمم والحضارات مُتعلق بما هو قارٌّ عنها في المخيال كأُطرٍ رمزية ومعنوية.

الصورة الافتراضية
مصطفى بوخالفة
المقالات: 0

اترك ردّاً