إشكالية مفهوم حرية التعبير بين الإطلاق والتقييد

في السادس من يناير الفارط اجتمع الكونغرس الأمريكي في جلسة عمل دستورية من أجل المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية والإعلان رسميا عن فوز نائب الرئيس السابق جو بایدن برئاسة الولايات المتحدة الامريكية، في عملية روتينية يقوم بها أعضاء الكونغرس كل أربع سنوات منذ أكثر من مئتي سنة بدون أي عائق. تغير كل هذا حين اجتاحت جحافل من مؤيدي الرئيس دونالد ترامـب مـقـر مبنى الكونغرس في محاولة أخيرة بائسة من أجل احباط عملية التصديق على النتائج، كرد فعل على حملة كان ترامب وحلفاؤه السياسيون قد روجوا لها للتشكيك في نتائج الانتخابات على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي حين استشعروا احتمالية خسارته للانتخابات.

وكرد فعل مباشر على هذ الاعتداء، وجد ترامب نفسه ممنوعا من النشر على جميع مواقع التواصل الاجتماعي الكبرى. على رأسها كل من فيسبوك ويوتيوب وتويتر هذا الأخير الذي بني عليه ترامب حركته السياسية، بدعوى أن الخطاب الذي قام بالترويج له كان السبب الرئيس للهجوم الذي تم على مبنى الكونغرس، وهذا ما يتنافى مع بنود وشروط الخدمة لهاته المواقع، التي تضع قيودا على خطاب الكراهية والدعوة إلى العنف.

أثار حظر ترامـب الكثير من الجدل، فهو لايزال على خطورة تصريحاته رئيسا للولايات المتحدة، فإذا كان بإمكان هاته الشركات تقييد حرية النشر للرئيس، ألا يعني ذلك أنها تسيء استغلال سلطة لـم يكـن ينبغي لها أن تملكها من الأساس؟ وإلى أي مدى يمكن للشركات الذهاب إليه في تعيين نفسها حكماً على حرية التعبير؟

إن مشكلة حرية التعبير حالياً تتجاوز إشكالية ماهيتها، فإذا كان الجدال التقليدي يتمحور حول وجوب وضع حدود لحرية التعبير أو كيف يمكننا التفريق بين خطاب الكراهية والدعوة للعنف في حال كان من الصعب التفريق بينهما، وهل يعد حظر خطاب الكراهية تعديا على حرية التعبير ككل، فإن الصراع الحالي يتمثل في “حرية الوصول” فإذا قلنا أنه يحق لك التعبير عن كل ماتريده بالطريقة التي تريدها، حتى لو كان خطابك يقع في إطار خطاب الكراهية، فهل هذا يعني أنه يجب أن يكون لك منصة لممارسة هذا الحق؟ وهـل حـظـر بعـض المنصات لأنواع معينة من المحتوى، وممارستها لسلطات

تحريرية ورقابية واسعة على المحتوى المنشور على منصاتها يعد تعديا على حرية التعبير وتهديدا لها؟

سأجادل بأن حرية التعبير وحرية الوصول شيئان مختلفان تماما، ولكـن قـد يـؤدي الخلط بينهما الى تقويض أكبر للحق الإنساني في التعبيـر عـن الـذات. وأن إيجاد الحد الفاصل بينهما هو الصراع الحقيقي الذي يهدد حرية التعبير في الوقت الحالي. وأن الطريقة الحالية التي تحدد بها الشركات هاته الحدود تقوض حرية الإنسان في التعبير عن رأيه دون أن توفر حماية حقيقية لضحايا خطاب الكراهية.

حارس البوابة:

إن التعبير عن الرأي والمشاركة في الحـوار السياسي حاليـا يـعـدان مـن أسهل ما يمكن، وهـذا راجع لتوفر منصات لكثير من الناس لم تكن متاحة لهـم مـن قبـل، وأصبح من الصعب على الحكومات حجب الأخبار أو السيطرة على الرواية الرسمية، وفي دول عدة ساهمت هذه المنصات في إحداث تغيير إيجابي إما بكشف فساد حكومات أو حتى إسقاطها. كما حدث في الجزائر وتونس ومصر، أو لحشد جمع من الناس في مبادرات إنسانية، أو حركات لإنهاء الاستغلال كحركة #MeToo التي ساهمت في فضح التحرش الممنهج واطلاق حملة اصلاحات هامة في إطار حماية المرأة في الأماكن العمومية وأماكن العمل.

لكن وبالتزامـن مـع هـذا انتشـر مـا أصبح يعـرف بالأخبار الزائفة، وازدادت حدة وصولها حتى تفوقت في انتشارها على الأخبار الحقيقة والمصادر التقليدية للمعلومات وصار اسهام هذه الأخبار الزائفة في تشكيل واقعنا كبيرا يصعب معه تجاهله أو إنكار خطورته، فيمكننا تتبع صعود اليمين المتطرف. والبريكست وانتخاب عدة رؤساء دول متطرفين كلها لانتشار هذا النوع من الأخبار، وامتزج هذا مع خطاب الكراهية فأصبح بإمكان السياسيين المتطرفين تبرير خطاباتهم المقيتة بهذه الاخبار الزائفة في دورة مغلقة تبدأ بأخبار زائفة فخطاب كراهية فالمزيد من الأخبار الزائفة فالمزيد من خطاب الكراهية حتى ينتج عن هذه الدورة قوانين مجحفة أو عنف ضد الأقليات التي لطالما كانت الهدف المفضل للأخبار الزائفة.

تبعا لهذا ظهرت مؤخراً حركة تنادي بتقييد الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فحسبهم أن يكون لك الحق في التعبير عن كل ما تريد، لا يعني أن يكون لك الحق في منصة مفتوحة على ملايين البشر، فإذا كان التعبيـر عـن الـرأي حقاً فإن امتلاك منصة كالتي توفرها مواقع التواصل يعد امتيازاً قـد تفقده بسهولة، وأن على منصات التواصل الاجتماعي وضع قواعد استخدام صارمة تطبق بحزم ضد مثيري خطابات الكراهية والمحرضين على العنف و مروجي الأخبار الزائفة خاصة تلك التي تستهدف التأثير على الانتخابات أو المتعلقة بوباء فيروس كورونا وحملة اللقاحات.

من جانبها تدعي شركات التواصل الاجتماعي وقوعها في موقف حرج، حين تجد نفسها عاجزة عن تنفيذ طلبات مراقبة المحتوى، فهي مـن جهـة على حسب زعمها لا ترغب في لعب دور الحارس على الحقيقة وتقييد نوعية الخطاب الذي تسمح بتداوله، ومن جهة أخرى لا ترغب في أن تتحول منصاتها إلى أداة للإبادة الجماعية، كما حدث في ماينمار حيـن استغل قادة الجيش ضعف الرقابة على المحتوى على منصة فيسبوك في بدأ حملات تحريض ضد أقلية الروهينغا المسلمة انتهت بعمليات وصفتها الأمم المتحدة “بالتعريف الحرفي للإبادة الجماعية” والتي لاتزال مستمرة حتى اليوم، حيث قتل فيها عشرات الآلاف من البشر وزحـل مـا يزيد عن المليون انسان عن موطنهم.

لكن هذه المعضلة الأخلاقية التي تزعم شركات التواصل الاجتماعي أنها تجد نفسها فيها، تتعارض تماما مع تصرفاتها، فعلى سبيل المثال قامت شركة غوغل وحتى وقت قريب بالعمل على مشروع سري تحت مسمى “دراغون فلاي مـن أجـل إطـلاق محرك بحث جديد في السوق الصينية حيث محرك البحث غوغل محجوب فيها منذ سنة 2009. ومن بين خصائص محرك البحث الجديد هذا، قدرته على تتبع المستخدمين وتاريخ البحث الخاص بهم وتعقب أماكنهم من أجل توفير ومشاركة هذه المعلومات مباشرة مع السلطات الصينية. بالإضافة إلى قيامه بحجب النتائج والصفحات التي تجدها الحكومة الصينية وحزبها الشيوعي الحاكم حساسة وتقوض من سلطتها الداخلية، كالصفحات والمعلومات المتعلقة بالمعارضة السياسية وحرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان والاحتجاجات السلمية وحتى الفائزين بجائزة نوبل كل هذا من أجل كسب ود الحكومة الصينية، ولعل أخطـر جـانـب مـن هذا المشروع يتمثل في استعداد غوغل لتحريف بعض المعلومات والاحصائيات لتتوافق مع الرواية الحكومية الرسمية، من بينها تغيير الإحصائيات والأرقام المتعلقة بمستوى التلوث الهوائي في المدن الصينية لإخفاء حجم تسمم الهواء في الصين.

ولا يتوقف هذا التدخل عند خدمة دول معينة بل يتجاوزه إلى الانحياز الواضح لأيدولوجيات على حساب أيديولوجيات أخرى ففي أثناء العدوان الأخير من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي على حي الشيخ جـراح وقطاع غزة، وجد العديد من المؤثرين على موقعي انستغرام وفيسبوك أنفسهم إما ممنوعين من الوصول إلى حساباتهم أو من النشـر بعـد إبدائهم لتعاطفهم مع القضية الفلسطينية، فيما تم حذف عشرات الآلاف من المنشورات أو تقييد وصولها والتي كانت في أغلبها تتعلق بفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما تم السماح بالرواية الرسمية لحكومة الاحتلال وآلة البروباغندا الخاصة بـه بالعمل على هاته المواقع بدون أي عائق.

فكل هذه الادعاءات حول عدم الرغبة في التعدي على حرية التعبير والسماح بمنصة مفتوحة على جميع الآراء والتوجهات ماهو إلا غطاء ومحاولة للمناورة وفتح المجال لهاته الشركات للعب على جميع الجبهات من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح.

اذا كان يمكننا الاتفاق على أن السماح بحرية تعبير مطلقة على مواقع التواصل الاجتماعي سيؤدي حتما إلى كوارث انسانية تفوق أية فائدة متوقعة لحرية التعبير المطلقة، فإن تقييد هذا الخطاب له جوانب خطيرة بحد ذاته، فمن سيكون المسؤول عن وضع الخطوط الحمراء لهذا التقييد؟ هل ستسمع لشركات محركها الأساسي هو الربح المادي بان تكون هي الحكم على ما يمكننا وما لا يمكننا قوله؟ ماذا لو أرادت حكومة دولة كالصين التي تعد يسوقها الذي يبلغ تعداده المليار مستخدم للإنترنت الأكثر اغراء لشركات التكنولوجيا، حجب بعض المعلومات. أو الترويج لبروباغاندا معينة خدمة لمصالحها ليس فقط داخل الصين بل في دول أخرى كشرط للسماح لهاته الشركات بالنشاط في السوق الصيني، فدونا عن الواجب الأخلاقي الذي تدعي هانـه شـركات انها تلتزم به، لا يوجد أي مانع قانوني يمنعها من الالتزام بشروط الحكومات الدكتاتورية من أجل تحقيق أرباح أكثر، بالطبع لن تتوانى الحكومة الصينة عن استغلال قوتها الاقتصادية من أجل توجيه الرأي العالمي خدمة لمصالحها، فعلى السبيل المثال أصبحت الانتاجات السينمائية في هوليوود تعمد على إظهار الدولة الصينية أو الصينيين بصفة عامة بشكل جيد وتتجنب أي انتقادات للحكومة الصينية، أو انتاج أي فيلم يتناول قضايا حساسة في الصين خشية أن تتعرض جميع أفلام تلك الشركة للحظر داخل الصين وخسارة منات الملايين من الأرباح المتوقعة، فمن المستحيل في وقتنا الحالي أن يتم انتاج فيلم كفيلم “سبع سنوات في التبت” الذي يصور الاحتلال الصيني لبلاد التيت. ويمكننا ملاحظة هاته القوة الكبيرة على الشركات بغياب أي محاولة جادة لنقل أو انتقاد معاناة سكان الإيغور داخل معسكرات الاعتقال والعبودية الصينية، أو من خلال أزمة اتحاد كرة السلة الأمريكي عقب تغريدة واحدة أبدى فيها مدير إحدى النوادي تعاطفه مع المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية في هونغ كونغ، وفي استعراض لقوتها قامت الصين بوقف عرض جميع مباريات كرة السلة الأمريكية على القنوات الصينية وبدأت عملية سحب لجميع منتجاتها من الأسواق، مما هدد بخسائر بقيمة مليارات الدولارات، فقام الاتحاد مباشرة بالاعتذار من الحكومة الصينية وأعلن أن ما يحدث في هونغ كونغ شان داخلي لا علاقة لهم به.

في الولايات المتحدة الامريكية منع الكونفرس المواقع ذات المحتوى المتولد من المستخدمين صلاحية تقييد هذا الخطاب، لكنه أيضا منحها الحصانة من أي عاقبة قانونية للمحتوى المنشور على منصاتها، فلا يمكن الترافع ضد أي محتوى تم نشره على هاته المواقع حتى لو أدى إلى ضرر على أرض الواقع، ولا يوجد ما يمنعها من الانحياز لأيدولوجيا معينة على حساب أخرى، أو التلاعب في نتائج البحث وتحريفها أو اخفائها بما يتناسب مع مصالحها الضيقة، فلا يمكننا أن نتوقع من شركات دافعها الأساسي هو الربح المادي أن تفضل المصلحة العامة على أرباحها.

ربما هذا هو ما دفع القاضي الأمريكي بالمحكمة العليا أنثوني كينيدي للإعلان عن رغبته في توسيع مفهوم الأماكن العمومية التي يعتبر فيها الحق في التعبير عن الرأي محمي بشكل كبير لتشمل مواقع التواصل الاجتماعي حيث قال “إن العصر السيبراني بعد ثورة ذات أبعاد تاريخية لا يمكننا حتى الآن تقدير أبعادها الكاملة وإمكاناتها الهائلة في تغيير طريقة تفكيرنا، و كيفية تعبيرنا عن أنفسنا، وتحديد من نريد أن نكون… إن الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي من أهم الأماكن لتبادل الأفكار مثلها في ذلك مثل الأماكن العمومية” لكنه يستمر ليعرب عن قلقه من خطورة التعبير المفتوح على هاته المنصات “إن أي قرار قد نتخذه الآن قد يصبح من الماضي بسرعة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا الذي لا يمكن لأي منا استشرافه”. لربما يكون في هذا التصريح الخطوات الأولي للحل، فما الذي يمنعنا من سن قوانين تلزم شركات التواصل الاجتماعي بالالتزام الحياد في اتجاه الأيديولوجيات المختلفة، أما إذا أرادت أن تضيق الخناق على حرية التعبير من أجل خدمة مصالح دولة معينة، فيمكن لبقية الدول حظرها,

على كل ومهما كان الحل، يجب أن نكون على يقين من أمرين إثنين، الأول أنه لا يمكننا السماح باستمرار هذا التدفق الرهيب للأخبار المزيفة وخطاب الكراهية، فإن كان انتشار هذا النوع من الخطاب في الماضي يعـود بالأساس لرغبة وسائل الإعلام التقليدية في نشره ومن ثم تحمل تبعات نتائجه، فإنه أصبح الأن مجرد موضة رائجة لانعدام أي مسائلة حقيقة لعواقب هذا النوع من الخطاب، والثاني أنه لا يمكننا الاستمرار بالسماح للشركات بتنصيب نفسها حكماً على حرية الرأي والتعبير.

الصورة الافتراضية
أسامة لعقاب
المقالات: 0

اترك ردّاً